سورة
اية:

وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ

تفسير بن كثير

قال قتادة { إن علينا للهدى} : أي نبيّن الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى اللّه، وجعله كقوله تعالى: { وعلى اللّه قصد السبيل} ، وقوله تعالى: { وإن لنا للآخرة والأولى} أي الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما، وقوله تعالى: { فأنذرتكم ناراً تلظى} قال مجاهد: أي توهج، وفي الحديث: (إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه( أخرجه البخاري. وفي رواية لمسلم: (إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم عذاباً) ""أخرجه مسلم عن النعمان بن بشير""، وقوله تعالى: { لا يصلاها إلا الأشقى} أي لا يدخلها إلا الأشقى، ثم فسره فقال: { الذي كذب} أي بقلبه { وتولى} أي عن العمل بجوارحه وأركانه، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا يدخل النار إلا شقي)، قيل: ومن الشقي؟ قال: (الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك للّه معصية) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى)، قالوا: ومن يأبى يا رسول اللّه؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) ""أخرجه البخاري وأحمد عن أبي هريرة""، وقوله تعالى: { وسيجنبها الأتقى} أي وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى، ثم فسره بقوله: { الذي يؤتي ماله يتزكى} أي يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه { وما لأحد عنده من نعمة تجزى} أي ليس بذله في مكافأة من أسدى إليه معروفاً، وإنما دفعه ذلك { ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي طمعاً في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال اللّه تعالى: { ولسوف يرضى} أي ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإنه كان صدّيقاً تقياً، كريماً جواداً، بذالاً لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وكان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: أما واللّه لولا يدٌ لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصدّيق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال تعالى: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى . إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى . ولسوف يرضى} . وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من أعتق زوجين في سبيل اللّه، دعته خزنة الجنة يا عبد اللّه هذا خير)، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه ما على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: (نعم وأرجو أن تكون منهم) ""أخرجه الشيخان"".

تفسير الجلالين

{ وإن لنا للآخرة والأولى } أي الدنيا فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَة وَالْأُولَى } يَقُول : وَإِنَّ لَنَا مُلْك مَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , نُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ أَرَدْنَا مِنْ خَلْقنَا , وَنُحْرِمهُ مَنْ شِئْنَا . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُوَفِّق لِطَاعَتِهِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقه , فَيُكْرِمهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا , وَيُهَيِّئ لَهُ الْكَرَامَة وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة , وَيَخْذُل مَنْ يَشَاء خِذْلَانه مِنْ خَلْقه عَنْ طَاعَته , فَيُهِينهُ بِمَعْصِيَتِهِ فِي الدُّنْيَا , وَيُخْزِيه بِعُقُوبَتِهِ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة .وَقَوْله : { وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَة وَالْأُولَى } يَقُول : وَإِنَّ لَنَا مُلْك مَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , نُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ أَرَدْنَا مِنْ خَلْقنَا , وَنُحْرِمهُ مَنْ شِئْنَا . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُوَفِّق لِطَاعَتِهِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقه , فَيُكْرِمهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا , وَيُهَيِّئ لَهُ الْكَرَامَة وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة , وَيَخْذُل مَنْ يَشَاء خِذْلَانه مِنْ خَلْقه عَنْ طَاعَته , فَيُهِينهُ بِمَعْصِيَتِهِ فِي الدُّنْيَا , وَيُخْزِيه بِعُقُوبَتِهِ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما يغني عنه ماله إذا تردى} أي مات. يقال : ردي الرجل يردي ردي : إذا هلك. قال : صرفت الهوى عنهن من خشية الردى وقال أبو صالح وزيد بن أسلم { إذا تردى} : سقط في جهنم؛ ومنه المتردية. ويقال : ردي في البئر وتردى : إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل. يقال : ما أدري أين ردي؟ أي أين ذهب. و { ما} : يحتمل أن تكون جحدا؛ أي ولا يغني عنه ماله شيئا؛ ويحتمل أن تكون استفهاما معناه التوبيخ؛ أيْ أيّ شيء يغني عنه إذا هلك ووقع في جهنم! { إن علينا للهدى} أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة. فالهدى : بمعنى بيان الأحكام، قاله الزجاج. أي على اللّه البيان، بيان حلال وحرامه، وطاعته ومعصيته؛ قال قتادة. وقال الفراء : من سلك الهدى فعلى اللّه سبيله؛ لقوله { وعلى الله قصد السبيل} [النحل : 9] يقول : من أراد اللّه فهو على السبيل القاصد. وقيل : معناه إن علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال؛ كقوله { بيدك الخير} [آل عمران : 26]، و { بيده ملكوت كل شيء} [يس : 83]. وكما قال { سرابيل تقيكم الحر} [النحل : 81] وهي تقي البرد؛ عن الفراء أيضا. وقيل : أي إن علينا ثواب هداه الذي هديناه. { وإن لنا للآخرة والأولى} { للآخرة} الجنة. { والأولى} الدنيا. وكذا روى عطاء عن ابن عباس. أي الدنيا والآخرة لله تعالى. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} [النساء : 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.


www.alro7.net