سورة
اية:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها وهما آدم و حواء وجعلهم شعوباً وهي أعم من القبائل، وبعدها مراتب أُخر، كالفصائل والعشائر والأفخاذ وغير ذلك، فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية، إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة اللّه تعالى ومتابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم،ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة، واحتقار بعض الناس بعضاً، منبهاً على تساويهم في البشرية: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} أي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته، وقال مجاهد { لتعارفوا} كما يقال فلان ابن فلان من قبيلة كذا وكذا، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر) ""أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب"". وقوله تعالى: { إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم} ، أي إنما تتفاضلون عند اللّه تعالى بالتقوى لا بالأحساب. وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فروى البخاري عن أبي هريرة قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: (أكرمهم عند اللّه أتقاهم) قالوا: ليس على هذا ما نسألك، قال: (فأكرم الناس يوسف نبي اللّه، ابن نبي اللّه، ابن نبي اللّه ابن خليل اللّه) قالوا: وليس على هذا ما نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألوني)؟ قالوا: نعم، قال: (فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) حديث آخر : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ""أخرجه مسلم وابن ماجة"". حديث آخر : وروى الإمام أحمد، عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال له: (أنظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلاّ أن تفضله بتقوى اللّه) ""تفرد به أحمد"". حديث آخر : وعن حبيب بن خراش العصري أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى) ""أخرجه الطبراني"". حديث آخر : وعن حذيفة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على اللّه تعالى من الجعلان) ""أخرجه البزار في مسنده"". حديث آخر : قال ابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: طاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخاً في المسجد حتى نزل صلى اللّه عليه وسلم على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبهم على راحلته فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: (يا أيها الناس إن اللّه تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على اللّه تعالى، ورجل فاجر شقي هيّنٌ على اللّه تعالى، إن اللّه عزَّ وجلَّ يقول: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم إن اللّه عليم خبير} ) ثم قال صلى اللّه عليه وسلم: (أقول قولي هذا واستغفر اللّه لي ولكم) ""أخرجه ابن أبي حاتم وعبد بن حميد"". وقوله تعالى: { إن اللّه عليم خبير} أي عليم بكم خبير بأموركم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } آدم وحواء { وجعلناكم شعوبا } جمع شعب بفتح الشين هو أعلى طبقات النسب { وقبائل } هي دون الشعوب وبعدها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها، مثاله خزيمة: شعب، كنانة: قبيلة، قريش: عمارة بكسر العين، قُصي: بطن، هاشم: فخذ، العباس: فصيلة { لتعارفوا } حذف منه إحدى التاءين ليعرف بعضكم بعضا لا لتفاخروا بعلو النسب وإنما الفخر بالتقوى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم } بكم { خبير } ببواطنكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا أَنْشَأْنَا خَلْقكُمْ مِنْ مَاء ذَكَر مِنْ الرِّجَال , وَمَاء أُنْثَى مِنْ النِّسَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24595 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : خَلَقَ اللَّه الْوَلَد مِنْ مَاء الرَّجُل وَمَاء الْمَرْأَة , وَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } قَالَ : مَا خَلَقَ اللَّه الْوَلَد إِلَّا مِنْ نُطْفَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا ; لِأَنَّ اللَّه يَقُول { خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا أَنْشَأْنَا خَلْقكُمْ مِنْ مَاء ذَكَر مِنْ الرِّجَال , وَمَاء أُنْثَى مِنْ النِّسَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24595 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : خَلَقَ اللَّه الْوَلَد مِنْ مَاء الرَّجُل وَمَاء الْمَرْأَة , وَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } قَالَ : مَا خَلَقَ اللَّه الْوَلَد إِلَّا مِنْ نُطْفَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا ; لِأَنَّ اللَّه يَقُول { خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى } . ' وَقَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } يَقُول : وَجَعَلْنَاكُمْ مُتَنَاسِبِينَ , فَبَعْضكُمْ يُنَاسِب بَعْضًا نَسَبًا بَعِيدًا , وَبَعْضكُمْ يُنَاسِب بَعْضًا نَسَبًا قَرِيبًا ; فَالْمُنَاسِب النَّسَب الْبَعِيد مَنْ لَمْ يَنْسُبهُ أَهْل الشُّعُوب , وَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ مِنْ الْعَرَب : مِنْ أَيّ شَعْب أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مِنْ مُضَر , أَوْ مِنْ رَبِيعَة . وَأَمَّا أَهْل الْمُنَاسَبَة الْقَرِيبَة أَهْل الْقَبَائِل , وَهُمْ كَتَمِيمٍ مِنْ مُضَر , وَبَكْر مِنْ رَبِيعَة , وَأَقْرَب الْقَبَائِل الْأَفْخَاذ وَهُمَا كَشَيْبَان مِنْ بَكْر وَدَارِم مِنْ تَمِيم , وَنَحْو ذَلِكَ , وَمِنْ الشَّعْب قَوْل اِبْن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ : مِنْ شَعْب هَمْدَان أَوْ سَعْد الْعَشِيرَة خَوْلَان أَوْ مَذْحِج هَاجُوا لَهُ طَرَبَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24595 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْجِمَاع وَالْقَبَائِل : الْبُطُون . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَم , قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْجِمَاع . قَالَ خَلَّاد , قَالَ أَبُو بَكْر : الْقَبَائِل الْعِظَام , مِثْل بَنِي تَمِيم , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ. 24596 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عَطِيَّة , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْجُمْهُور , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ . 24597 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { شُعُوبًا } قَالَ : النَّسَب الْبَعِيد . { وَقَبَائِل } دُون ذَلِكَ . 24598 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : النَّسَب الْبَعِيد , وَالْقَبَائِل كَقَوْلِهِ : فُلَان مِنْ بَنِي فُلَان , وَفُلَان مِنْ بَنِي فُلَان . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة . { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا } قَالَ : هُوَ النَّسَب الْبَعِيد . قَالَ : وَالْقَبَائِل : كَمَا تَسْمَعهُ يُقَال : فُلَان مِنْ بَنِي فُلَان . 24599 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا } قَالَ : أَمَّا الشُّعُوب : فَالنَّسَب الْبَعِيد . وَقَالَ بَعْضهمْ : الشُّعُوب : الْأَفْخَاذ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24600 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْأَفْخَاذ , وَالْقَبَائِل : الْقَبَائِل . وَقَالَ آخَرُونَ : الشُّعُوب : الْبُطُون , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24601 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة , قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْر ابْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْبُطُون , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ الْكِبَار . وَقَالَ آخَرُونَ : الشُّعُوب : الْأَنْسَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْأَنْسَاب .وَقَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } يَقُول : وَجَعَلْنَاكُمْ مُتَنَاسِبِينَ , فَبَعْضكُمْ يُنَاسِب بَعْضًا نَسَبًا بَعِيدًا , وَبَعْضكُمْ يُنَاسِب بَعْضًا نَسَبًا قَرِيبًا ; فَالْمُنَاسِب النَّسَب الْبَعِيد مَنْ لَمْ يَنْسُبهُ أَهْل الشُّعُوب , وَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ مِنْ الْعَرَب : مِنْ أَيّ شَعْب أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مِنْ مُضَر , أَوْ مِنْ رَبِيعَة . وَأَمَّا أَهْل الْمُنَاسَبَة الْقَرِيبَة أَهْل الْقَبَائِل , وَهُمْ كَتَمِيمٍ مِنْ مُضَر , وَبَكْر مِنْ رَبِيعَة , وَأَقْرَب الْقَبَائِل الْأَفْخَاذ وَهُمَا كَشَيْبَان مِنْ بَكْر وَدَارِم مِنْ تَمِيم , وَنَحْو ذَلِكَ , وَمِنْ الشَّعْب قَوْل اِبْن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ : مِنْ شَعْب هَمْدَان أَوْ سَعْد الْعَشِيرَة خَوْلَان أَوْ مَذْحِج هَاجُوا لَهُ طَرَبَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24595 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْجِمَاع وَالْقَبَائِل : الْبُطُون . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَم , قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْجِمَاع . قَالَ خَلَّاد , قَالَ أَبُو بَكْر : الْقَبَائِل الْعِظَام , مِثْل بَنِي تَمِيم , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ. 24596 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عَطِيَّة , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْجُمْهُور , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ . 24597 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { شُعُوبًا } قَالَ : النَّسَب الْبَعِيد . { وَقَبَائِل } دُون ذَلِكَ . 24598 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : النَّسَب الْبَعِيد , وَالْقَبَائِل كَقَوْلِهِ : فُلَان مِنْ بَنِي فُلَان , وَفُلَان مِنْ بَنِي فُلَان . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة . { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا } قَالَ : هُوَ النَّسَب الْبَعِيد . قَالَ : وَالْقَبَائِل : كَمَا تَسْمَعهُ يُقَال : فُلَان مِنْ بَنِي فُلَان . 24599 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا } قَالَ : أَمَّا الشُّعُوب : فَالنَّسَب الْبَعِيد . وَقَالَ بَعْضهمْ : الشُّعُوب : الْأَفْخَاذ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24600 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْأَفْخَاذ , وَالْقَبَائِل : الْقَبَائِل . وَقَالَ آخَرُونَ : الشُّعُوب : الْبُطُون , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24601 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة , قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْر ابْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْبُطُون , وَالْقَبَائِل : الْأَفْخَاذ الْكِبَار . وَقَالَ آخَرُونَ : الشُّعُوب : الْأَنْسَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل } قَالَ : الشُّعُوب : الْأَنْسَاب .' وَقَوْله : { لِتَعَارَفُوا } يَقُول : لِيَعْرِف بَعْضكُمْ بَعْضًا فِي النَّسَب , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّمَا جَعَلْنَا هَذِهِ الشُّعُوب وَالْقَبَائِل لَكُمْ أَيّهَا النَّاس , لِيَعْرِف بَعْضكُمْ بَعْضًا فِي قُرْب الْقَرَابَة مِنْهُ وَبُعْده , لَا لِفَضِيلَةٍ لَكُمْ فِي ذَلِكَ , وَقُرْبَة تُقَرِّبكُمْ إِلَى اللَّه , بَلْ أَكْرَمَكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24602 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَقَبَائِل لِتَعَارَفُوا } قَالَ : جَعَلْنَا هَذَا لِتَعَارَفُوا , فُلَان بْن فُلَان مِنْ كَذَا وَكَذَا . وَقَوْله : { لِتَعَارَفُوا } يَقُول : لِيَعْرِف بَعْضكُمْ بَعْضًا فِي النَّسَب , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّمَا جَعَلْنَا هَذِهِ الشُّعُوب وَالْقَبَائِل لَكُمْ أَيّهَا النَّاس , لِيَعْرِف بَعْضكُمْ بَعْضًا فِي قُرْب الْقَرَابَة مِنْهُ وَبُعْده , لَا لِفَضِيلَةٍ لَكُمْ فِي ذَلِكَ , وَقُرْبَة تُقَرِّبكُمْ إِلَى اللَّه , بَلْ أَكْرَمَكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24602 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَقَبَائِل لِتَعَارَفُوا } قَالَ : جَعَلْنَا هَذَا لِتَعَارَفُوا , فُلَان بْن فُلَان مِنْ كَذَا وَكَذَا . ' وَقَوْله : { إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ أَكْرَمكُمْ أَيّهَا النَّاس عِنْد رَبّكُمْ , أَشَدّكُمْ اِتِّقَاء لَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه , لَا أَعْظَمكُمْ بَيْتًا وَلَا أَكْثَركُمْ عَشِيرَة . 24603 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ الْحَارِث بْن يَزِيد , عَنْ عَلِيّ بْن رَبَاح , عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَالنَّاس لِآدَم وَحَوَّاء كَطَفِّ الصَّاع لَمْ يَمْلَأهُ , إِنَّ اللَّه لَا يَسْأَلكُمْ عَنْ أَحْسَابكُمْ وَلَا عَنْ أَنْسَابكُمْ يَوْم الْقِيَامَة , إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ " . 24604 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ الْحَارِث بْن يَزِيد , عَنْ عَلِيّ بْن رَبَاح , عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَإِنَّ أَنْسَابكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَابّ عَلَى أَحَد , وَإِنَّمَا أَنْتُمْ وَلَد آدَم طَفَّ الصَّاع لَمْ تَمْلَأهُ , لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَد فَضْل إِلَّا بِدِينٍ أَوْ عَمَل صَالِح حَسْب الرَّجُل أَنْ يَكُون فَاحِشًا بَذِيًّا بَخِيلًا جَبَانًا " . 24605 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : سَمِعْت عَطَاء يَقُول : قَالَ اِبْن عَبَّاس : ثَلَاث آيَات جَحَدَهُنَّ النَّاس : الْإِذْن كُلّه , وَقَالَ : { إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ } وَقَالَ النَّاس أَكْرَمكُمْ : أَعْظَمكُمْ بَيْتًا ; وَقَالَ عَطَاء : نَسِيت الثَّالِثَة . وَقَوْله : { إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ أَكْرَمكُمْ أَيّهَا النَّاس عِنْد رَبّكُمْ , أَشَدّكُمْ اِتِّقَاء لَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه , لَا أَعْظَمكُمْ بَيْتًا وَلَا أَكْثَركُمْ عَشِيرَة . 24603 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ الْحَارِث بْن يَزِيد , عَنْ عَلِيّ بْن رَبَاح , عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَالنَّاس لِآدَم وَحَوَّاء كَطَفِّ الصَّاع لَمْ يَمْلَأهُ , إِنَّ اللَّه لَا يَسْأَلكُمْ عَنْ أَحْسَابكُمْ وَلَا عَنْ أَنْسَابكُمْ يَوْم الْقِيَامَة , إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ " . 24604 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ الْحَارِث بْن يَزِيد , عَنْ عَلِيّ بْن رَبَاح , عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَإِنَّ أَنْسَابكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَابّ عَلَى أَحَد , وَإِنَّمَا أَنْتُمْ وَلَد آدَم طَفَّ الصَّاع لَمْ تَمْلَأهُ , لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَد فَضْل إِلَّا بِدِينٍ أَوْ عَمَل صَالِح حَسْب الرَّجُل أَنْ يَكُون فَاحِشًا بَذِيًّا بَخِيلًا جَبَانًا " . 24605 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : سَمِعْت عَطَاء يَقُول : قَالَ اِبْن عَبَّاس : ثَلَاث آيَات جَحَدَهُنَّ النَّاس : الْإِذْن كُلّه , وَقَالَ : { إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ } وَقَالَ النَّاس أَكْرَمكُمْ : أَعْظَمكُمْ بَيْتًا ; وَقَالَ عَطَاء : نَسِيت الثَّالِثَة . ' وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه عَلِيم خَبِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه أَيّهَا النَّاس ذُو عِلْم بِأَتْقَاكُمْ عِنْد اللَّه وَأَكْرَمكُمْ عِنْده , ذُو خِبْرَة بِكُمْ وَبِمَصَالِحِكُمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوركُمْ , لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة .وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه عَلِيم خَبِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه أَيّهَا النَّاس ذُو عِلْم بِأَتْقَاكُمْ عِنْد اللَّه وَأَكْرَمكُمْ عِنْده , ذُو خِبْرَة بِكُمْ وَبِمَصَالِحِكُمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوركُمْ , لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة .'

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم بن ذكر وأنثى} يعني آدم وحواء. ونزلت الآية في أبي هند، ذكره أبو داود في المراسيل حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قالا حدثنا بقية بن الوليد قال حدثني الزهري قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله عز وجل { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا} الآية. قال الزهري : نزلت في أبي هند خاصة. وقيل : إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له : ابن فلانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (من الذاكر فلانة)؟ قال ثابت : أنا يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (انظر في وجوه القوم) فنظر، فقال : (ما رأيت )؟ قال رأيت أبيض وأسود وأحمر، فقال : (فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى) فنزلت في ثابت هذه الآية. ونزلت في الرجل الذي لم يتفسح له { يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس} [المجادلة : 11] الآية. قال ابن عباس : لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم. قال الحارث بن هشام : ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا. وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. زجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، فإن المدار على التقوى. أي الجميع من آدم وحواء، إنما الفضل بالتقوى. وفي الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال : (يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها. فالناس رجلان : رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} ). خرجه من حديث عبدالله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف، ضعفه يحيى بن معين وغيره. وقد خرج الطبري في كتاب آداب النفوس وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة قال : حدثني أو حدثنا من شهد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال : (أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ - قالوا نعم قال - ليبلغ الشاهد الغائب). وفيه عن أبو مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم). ولعلي رضي الله عنه في هذا المعنى وهو مشهور من شعره : الناس من جهة التمثيل أكفاء ** أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلة ** وأعظم خلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهم من أصلهم حسب ** يفاخرون به فالطين والماء ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم ** على الهدى لمن استهدىأدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ** وللرجال على الأفعال سيماء وضد كل امرئ ما كان يجهله ** والجاهلون لأهل العلم أعداء الثانية: بين الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، وكذلك في أول سورة [النساء]. ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه لآدم، أو دون ذكر كخلقه لعيسى عليه السلام، أو دون أنثى كخلقه حواء من إحدى الجهتين. وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود. وقد جاء أن آدم خلق الله منه حواء من ضلع انتزعها من أضلاعه، فلعله هذا القسم، قاله ابن العربي. الثالثة: خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا وقبائل وشعوبا، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل للحكمة التي قدرها وهو أعلم بها، فصار كل أحد يحوز نسبه، فإذا نفاه رجل عنه استوجب الحد بقذفه، مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه، بقول للعربي : يا عجمي، وللعجمي : يا عربي، ونحو ذلك مما يقع به النفي حقيقة. انتهى. الرابعة: ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد من الدم الذي يكون فيه. واحتجوا بقوله تعالى { ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار مكين} [المرسلات : 21]. وقوله تعالى { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} [السجدة : 8]. وقوله { ألم يك نطفة من مني يمنى} [القيامة : 37]. فدل على أن الخلق من ماء واحد. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية، فإنها نص لا يحتمل التأويل. وقوله تعال { خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب} [الطارق : 6] والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء، على ما يأتي بيانه. وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر خلق الإنسان من الماء والسلالة والنطفة ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون الآخر. فدل على أن الماء والسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة ما ذكرنا. وبأن المرأة تمني كما يمني الرجل، وعن ذلك يكون الشبه، حسب ما تقدم بيانه في آخر [الشورى]. وقد قال في قصة نوج { فالتقى الماء على أمر قد قدر} [القمر : 12] وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض، لأن الالتقاء لا يكون إلا من أثنين، فلا ينكر أن يكون { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} [السجدة : 8]. وقوله تعالى { ألم نخلقكم من ماء مهين} [المرسلات : 21] ويريد ماءين. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى { وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} الشعوب رؤوس القبائل، مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، وأحدها شَعْب بفتح الشين، سموا به لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة. والشعب من الأضداد، يقال شعبته إذا جمعته، ومنه المشعب بكسر الميم وهو الإشفي، لأنه يجمع به ويشعب. قال : فكاب على حر الجبين ومتق ** بمدرية كأنه ذلق مشعب وشعبته إذا فرقته، ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة. فأما الشعب بالكسر فهو الطريق في الجبل، والجمع الشعاب. قال الجوهري : الشعب : ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والجمع الشعوب. والشعوبية : فرقة لا تفضل العرب على العجم. وأما الذي في الحديث : أن رجلا من الشعوب أسلم، فإنه يعني من العجم. والشعب : القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم. قال ابن عباس : الشعوب الجمهور، مثل مضر. والقبائل الأفخاذ. وقال مجاهد : الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك. وعنه أيضا أن الشعوب النسب الأقرب. وقال قتادة. ذكر الأول عنه المهدوي، والثاني الماوردي. قال الشاعر : رأيت سعودا من شعوب كثيرة ** فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك وقال آخر : قبائل من شعوب ليس فيهم ** كريم قد يعد ولا نجيب وقيل : إن الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان. وقيل : إن الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. وقال ابن عباس في رواية : إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. قال القشيري : وعلى هذا فالشعوب من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل والترك، والقبائل من العرب. الماوردي : ويحتمل أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل هم المشركون في الأنساب. قال الشاعر : وتفرقوا شعبا فكل جزيرة ** فيها أمير المؤمنين ومنبر وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه : الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ. وقيل : الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم العشيرة، وقد نظمها بعض الأدباء فقال : اقصد الشعب فهو أكثر حي ** عددا في الحواء ثم القبيله ثم تتلوها العمارة ثم الـ ** ـبطن والفخذ بعدها والفصيله ثم من بعدها العشيرة لكن ** هي في جنب ما ذكرناه قليله وقال آخر : قبيلة قبلها شعب وبعدهما ** عمارة ثم بطن تلوه فجذ وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته ** ولا سداد لسهم ماله قذذ السادسة: قوله تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقد تقدم في سورة [الزخرف]عند قوله تعالى { وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف : 44]. وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى هي المراعى عند الله تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب. وقريء { أن} بالفتح. كأنه قيل : لم يتفاخر بالأنساب؟ قيل : لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وفي الترمذي عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الحسب المال والكرم التقوى). قال : هذا حديث حسن غريب صحيح. وذلك يرجع إلى قوله تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ، وقد جاء منصوصا عنه عليه السلام : (من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله). والتقوى معناه مراعاة حدود الله تعالى أمرا ونهيا، والاتصاف بما أمرك أن تتصف به، والتنزه عما نهاك عنه. وقد مضى هذا في غير موضع. وفي الخبر من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله تعالى يقول يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم أين المتقون أين المتقون). و روى الطبري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب. يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا). وأعرض في كل عطفيه. وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول : (إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين). وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : من أكرم الناس؟ فقال : (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال : (فأكرمهم عند الله أتقاهم) فقالوا : ليس عن هذا نسألك، فقال : (عن معادن العرب؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) وأنشدوا في ذلك : ما يصنع العبد بعز الغني ** والعز كل العز للمتقي من عرف الله فلم تغنه ** معرفة الله فذاك الشقي السابعة: ذكر الطبري حدثني عمر بن محمد قال حدثنا عبيد بن إسحاق العطار قال حدثنا مندل بن علي عن ثور بن يزيد عن سالم بن أبي الجعد قال : تزوج رجل من الأنصار امرأة فطُعِن عليها في حسبها، فقال الرجل : إني لم أتزوجها لحسبها إنما تزوجتها لدينها وخلقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما يضرك ألا تكون من آل حاجب بن زرارة). ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام فرفع به الخسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم فلا لوم على مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية). وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) ولذلك كان أكرم البشر على الله تعالى. قال ابن العربي : وهذا الذي لحظ مالك في الكفاءة في النكاح. روى عبدالله عن مالك : يتزوج المولى العربية، واحتج بهذه الآية. وقال أبو حنيفة والشافعي : يراعى الحسب والمال. وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة - وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم - تبني سالما وأنكحه هندا بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار. وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود. قلت : وأخت عبدالرحمن بن عوف كانت تحت بلال. وزينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة. فدل على جواز نكاح الموالي العربية، وإنما تراعى الكفاءة في الدين. والدليل عليه أيضا ما روى سهل بن سعد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه رجل فقال : (ما تقولون في هذا)؟ فقالوا : حَري إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يُشْفَّع وإن قال أن يُسْمَع. قال : ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال : (ما تقولون في هذا) قالوا : حري إن خطب ألا يُنْكَح، وإن شفع ألا يُشَفّع، وإن قال ألا يُسمَع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا). وقال صلى الله عليه وسلم : (تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها - وفي رواية - ولحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك). وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ابنته فأجابه، وخطب إلى عمر ابنته فالتوى عليه، ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل سلمان. وخطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها، قال بلال : يا رسول الله، ماذا لقيت من بني البكير خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل بلال، فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا : ماذا لقينا من سببك؟ فقالت أختهم : أمري بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجوها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي هند حين حجمه : (أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه). وهو مولى بني بياضة. و روى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاما فحجم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (من سره أن ينظر إلى من صور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنكحوه وأنكحوا إليه). قال القشيري أبو نصر : وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو الاتصال بشجرة النبوة أو بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أو بالمرموقين في الزهد والصلاح. والتقي المؤمن أفضل من الفاجر النسيب، فإن كانا تقيين فحينئذ يقدم النسيب منهما، كما تقدم الشاب على الشيخ في الصلاة إذا استويا في التقوى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحجرات الايات 6 - 13


سورة الحجرات الايات 13 - 18


سورة الحجرات الايات 13 - 18

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

تلاحظ أن النداءات السابقة بيأيها الذين آمنوا، لأنها توجيهات وتشريعات خاصة بالذين آمنوا، لأن الله تعالى لا يُكلِّف إلا مَنْ آمن به.

أما النداء هنا فنداء عام للناس جميعاً يلفت أنظارنا إلى آية الخَلْق، وإلى عظمة الخالق سبحانه، وهذا الآية تشمل الجميع، فالخالق سبحانه خلق المؤمن والكافر، والذكر والأنثى، هما أصل هذا الخَلْق، فالذكر وحده لا تناسل، وكذلك الأثنى وحدها.

أما قوله تعالى في سورة السجدة:
{  ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ }
[السجدة: 7-8] فهذا خاص بالخلق الأول، وهو آدم عليه السلام، حيث خلقه الله وصوَّره بيديه، وكل شيء في الكون مقدور بقول: كُنْ فيكون.

لذلك قال تعالى لإبليس:
{  مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ... }
[ص: 75] يعني: كيف لا تسجد لشيء أنا خلقته بيدي، إذن: أنت لا تسجد لآدم إنما تسجد طاعة لمن أمرك بالسجود.

وبعد أن خنلق آدم من طين جعل ذريته من بعده
{  مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ }
[السجدة: 8] وهذا يقتضي الزوجية بين الذكر والأنثى.

وفي سورة النساء قال سبحانه:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ... }
[النساء: 1] أي آدم عليه السلام
{  وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا... }
[النساء: 1] يعني: حواء. إذن: حينما يقول سبحانه: { مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ... } [الحجرات: 13] لا يعني بداية الخلق، إنما النسل الذي جاء بعد الخلق الأول.

لذلك قال في آخر آية النساء:
{  وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً... }
[النساء: 1] وهؤلاء الرجال والنساء تفرقوا في أنحاء الأرض وصاروا { شُعُوباً وَقَبَآئِلَ... } [الحجرات: 13] فالعرب شعب، والروم شعب، والفرس شعب، ثم انقسمتْ الشعوب إلى قبائل، والقبائل إلى بطون، والبطون إلى أفخاذ وهكذا.

وفي داخل الأسرة الواحدة تختلف الأسماء، لأننا لا نترك الأشخاص بدون أسماء ليتم التعارف، فهذا محمد وهذا أحمد وهذه فاطمة.. والحكمة من ذلك هي { لِتَعَارَفُوۤاْ... } [الحجرات: 13] على مستوى الأفراد وعلى مستوى الشعوب.

والتعارف أمر ضروري بين البشر، لأن مصالحهم في أنْ يتعارفوا، وسوف تضطرهم ظروف الحياة لهذا التعارف، حيث سيحتاج بعضهم إلى بعض، لأنه كما قلنا: الحق سبحانه وزَّع أسباب فضله على خَلْقه، فما توفر لك قد لا يتوفر لغيرك.

لذلك رأينا مثلاً أوربا التي بلغت من الحضارة والتقدم مبلغاً تحتاج إلى سكان الصحراء رعاة الغنم والإبل حيث البترول وثروات الجبال من المعادن والأحجار الكريمة.

وهذا الاختلاف في الفضائل يؤدي إلى أنْ يتعاون الخَلْق ويتساندوا، بحيث يكمل بعضهم نقص بعض. إذن: اختلاف يؤدي إلى التكامل لا إلى التعاند.

وهذا التكامل شاهدناه في آية خَلْق الرجل والمرأة، فالرجل المرأة ليسا ضدين، بل هما عنصران متكاملات، لأن لكل منهما مهمة لا يؤديها الآخر.والحق سبحانه أوضح لنا هذه المسألة بقوله تعالى:
{  وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ }
[الليل: 1-2] فهل يقول عاقل أن الليل ضد النهار؟

ومثل الليل والنهار والذكر والأنثى، لذلك أقسم بعدها بخلقهما، فقال:
{  وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }
[الليل: 3] فالرجل لتحمُّل مشاقّ الحياة، للكدح وللعمل، والمرأة حنان وعاطفة، وكل مُيسَّر لما خُلِق له.

لذلك نعجب ممن ينادي بالمساواة بين الرجل والمرأة، كيف ولكلٍّ منهما مهمته التي خُلق لها. والبعض يظلم النساء ويقول: ناقصات عقل ودين، لأن العقل مهمته الترتيب والاختيار بين البدائل، وهذه ليست مهمة المرأة بل مهمة الرجل الذي يدير دفة الأسرة في رحلة الحياة.

أما المرأة فمهمتها عاطفية، تحنو على الصغير والكبير، وتفتح صدرها لتستوعب، وتريح المتعب والمريض في أسرتها، ومع ذلك نراها إذا ترملت قامتْ بالمهمتين وحلَّتْ محلّ الزوج، وربما كانت أكثر نجاحاً في تربية الأولاد وصيانتهم.

الحق سبحانه وتعالى خلق آدم من طين، وسوَّاه ونفخ فيه من روحه، لكن لم يخلق حواء بنفس الطريقة، إنما أخذ من ضلع آدم جزءاً وخلق منه حواء، لماذا إذن لم يخلقها كخَلْق آدم؟ قالوا: خلقها من الرجل لتكون له القوامة عليها.

كذلك في مسألة الحمل تأخذ منه البذرة، ثم تكمل هي عملية النسل، قال تعالى:
{  وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا... }
[النساء: 1].

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " خُلقت المراة من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه " وكما شرف آدم بأن الله خلقه وسوّاه بيده، كذلك شَرُفَتْ حواء أنها خُلقت من شيء خلقه الله بيده.

والعالم الآن مشغول بعملية الاستنساخ، وهو يعني أنْ نأخذ من الأصل نسخة مطابقة له، كما نقول نسخ الكتاب. يعني: أنْ نأتي منه بصورة أخرى مثله، وهذه العملية نراها في الجماد مثلاً، نرى الزلط منه الكبير والصغير والمتوسط، فهل رأينا (زلطة) مثلاً تكبر عن حجمها أبداً، لماذا؟

قالوا: لأن له مطامر تحت الأرض، تتم فيها عملية التكاثر أو الاستنساخ هذه، فإذا خرج إلى الهواء جَمُد على ما هو عليه.

كذلك نجده في النبات، فهل رأيتم مثلاً تقاوي القصب أو التين البشرومي؟ أبداً ليس له تقاوي، إنما نأخذ عقلة من عود القصب ونزرعها فتخرج عود القصب، ونأخذ لوحاً من ألواح التين ونزرعه فيعطينا شجرة تين، أليس هذا استنساخاً؟

كذلك بالإمكان أنْ نجده في الحيوان، وبالفعل تحدَّثوا عن استنساخ تم بالفعل في الحيوان، كما حدث في النعجة دوللي. وهي محاولة على أية حال.

أما في الإنسان فهي عملية لا يقدر أحدٌ عليها، لأن الإنسانَ مختلف عن باقي أجناس الكون، لأنه خليفة الله في الأرض، وهو المخلوق المكرَّم وباقي الأجناس في خدمته، فلو تصوَّرنا الاستنساخ في الجماد والنبات والحيوان فلا نتصوَّره أبداً في الإنسان، لأن التكاثر فيه له شروط وضوابط لا مجرد استخراج نسخ مكررة منه.لذلك لا يتم التكاثر في الإنسان إلا من خلال اللقاء بين الزوجين الذكر والأنثى، وداخل أسرة تحتضن الطفل وتحبه وتربيه وتعتني به، لا يليق بالإنسان أنْ يخرج من مفرخة مثل مفرخة الكتاكيت مثلاً.

لذلك نرى أن طفولة الإنسان هي أطول طفولة في المخلوقات كلها، وعندنا من الأطفال مَنْ تبلغ طفولته حتى سنِّ 14 سنة، أما الطيور والحيوانات فتعتني بصغارها حتى تستطيع الحركة والأكل ثم تتركها وكأنها لا تعرفها، وربما ذُبح الحيوان أمام أمه وهي لا تدرى به.

فكيف إذن نتصور الاستنساخ في الإنسان وهو الخليفة المكرّم، إن الأديان كلها ترفض الزنا وتأبى أنْ تأتي الولد بطريق غير شرعي، تأبى أنْ يُرمى المولود في الشارع، أو حتى يُربى في الملاجىء، فكيف الحال إذا تَمَّ استنساخه؟

من هنا نقول: إن عملية الاستنساخ لا تكون أبداً في الإنسان، ولا يقدر عليها إلا الله خالق الإنسان، ويريد له الصلاح، يريد له أنْ يأتي في أحضان أب يرعاه وأم تحنو عليه يأخذ منهما الفضائل، ويتعلم منهما القيم.

ثم إن نجاحهم في استنساخ الحيوان لا يعني أبداً الطعن في القدرة الإلهية، بل هو دليل جديد من أدلة الإيمان بالقدرة، فالذي استنستخ النعجة لم يأت بها من العدم، إنما جاء بها من نعجة أخرى هي خَلْق من خَلْق الله، والعقل الذي فكّر خَلْق من خَلْق الله.

ثم يضع الحق سبحانه القاعدة التي بها تتفاضل هذه الشعوب وهذه القبائل، فيقول: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ... } [الحجرات: 13] أي: أن أشخاص الشعوب تتميز بالتقوى.

لذلك ورد في الحديث القدسي: " يقول الرب: جعلتُ لكم نسباً وجعلتم لأنفسكم نسباً، قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتُم، وقلتم: فلان بن فلان. فاليوم - يعني: يوم القيامة - أرفع نسبي وأضع أنسابكم ".

وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات: 13] عليم بخَلْقه، يعطي كلاً منهم ما يناسب مهمته ودوره في حركة الحياة، كما قال سبحانه:
{  أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }
[الملك: 14].

فالله أعلم بخلْقه وأعلم بقدراتهم ومقدارهم، ويسَّر كلاً منهم للعمل الذي يناسبه، لذلك نراهم طبقات فيهم أستاذ الجامعة، وفيهم الحداد والسباك والنجار وماسح الأحذية فيهم الصانع والزارع، وإلا كيف تستقيم حركة الحياة لو أن الناس جميعاً ذكاترة جامعة؟

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ...} الآية. [13].
قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس وقولِهِ في الرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الذَّاكِرُ فلانة؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في وجوه القوم، فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ فقال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تَفْضُلُهم إلا في الدين والتقوى، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً حتى أذّن على ظهر الكعبة، فقال عَتَّاب بن أَسِيد بن أبي العِيس: الحمد لله الذي قَبَض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً! وقال سُهَيل بن عَمْرو: إن يرد الله شيئاً يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء. فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا: فأقروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتَّكَاثُر بالأفوال والإزْرَاءِ بالفقراء.
أخبرنا أبو حسان المُزَكِّي، قال: أخبرنا هارون بن محمد الإسْتَرَاباذَي، قال: حدَّثنا أبو محمد إسحاق بن محمد الخُزَاعي، قال: حدَّثنا أبو الوليد الأزْرَقي قال: حدثني جدي، قال: أخبرنا عبد الجبر بن الورد المكي، قال: أخبرنا ابن أبي مُلَيْكَة، قال:
لما كان يوم الفتح رقي بلال [على] ظهر الكعبة [فأذن] فقال بعض الناس: يا عباد الله، أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة؟ فقال بعضهم: إِن يَسْخَطِ الله هذا يُغَيِّره، فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} .
وقال يزيد بن شَجَرَة: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ببعض الأسواق بالمدينة، وإذا غلام أسود قائم ينادي عليه: بياع فيمن يزيد، وكان الغلام يقول: من اشتراني فعلى شَرْط، قيل: ما هو؟ قال: لا يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتراه رجل على هذا الشرط، وكان يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند كل صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم فقال لصاحبه: أين الغلام؟ فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: قوموا بنا نعوده، فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيام قال لصاحبه: ما حال الغلام؟ فقال: يا رسول الله إن الغلام لِمَا بِهِ، فقام ودخل عليه وهو في بُرَحَائه فقبض على تلك الحال، فتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم غسله وتكفينه ودفنه، فدخل على أصحابه من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هجرنا ديارنا وأموالنا وأهلينا فلم ير أحد منا في حياته ومرضه وموته ما لقي هذا الغلام. وقالت الأنصار: آويناه ونصرناه وواسيناه بأموالنا فآثر علينا عبداً حبشياً. فأنزل الله تبارك وتعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} يعني أنكم بنو أب واحد وامرأة واحدة. وأراهم فضل التقوى بقوله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .


www.alro7.net