سورة
اية:

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ

تفسير بن كثير

ينبّه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات. نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله اللّه تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله كقوله: { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين} ولهذا قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} أي لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن اللّه ويفهمون حججه. وقوله: { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه} لما نبه تعالى على معالم السماء نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها وما فيها من المنافع والخواص { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} أي آلاء اللّه ونعمه فيشكرونها.

تفسير الجلالين

{ و } سخر لكم { ما ذرَأ } خلق { لكم في الأرض } من الحيوان والنبات وغير ذلك { مختلفاً ألوانه } كأحمر وأصفر وأخضر وغيرها { إن في ذلك لآية لقوم يذكَّرون } يتعظون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مُخْتَلِفًا أَلْوَانه إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ } وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا ذَرَأَ : أَيْ مَا خَلَقَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مُخْتَلِفًا أَلْوَانه مِنْ الدَّوَابّ وَالثِّمَار . كَمَا : 16247 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْض } يَقُول : وَمَا خَلَقَ لَكُمْ مُخْتَلِفًا أَلْوَانه مِنْ الدَّوَابّ وَمِنْ الشَّجَر وَالثِّمَار , نِعَم مِنْ اللَّه مُتَظَاهِرَة فَاشْكُرُوهَا لِلَّهِ . 16248 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : مِنْ الدَّوَابّ وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار . وَنَصَبَ قَوْله : " مُخْتَلِفًا " لِأَنَّ قَوْله : " وَمَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَجَبَ أَنْ يَكُون " مُخْتَلِفًا أَلْوَانه " حَالًا مِنْ " مَا " , وَالْخَبَر دُونه تَامّ , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب , وَكَانَ الْكَلَام مُبْتَدَأ مِنْ قَوْله : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ } لَمْ يَكُنْ فِي مُخْتَلِف إِلَّا الرَّفْع , لِأَنَّهُ كَانَ يَصِير مَرَافِع " مَا " حِينَئِذٍ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مُخْتَلِفًا أَلْوَانه إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ } وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا ذَرَأَ : أَيْ مَا خَلَقَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مُخْتَلِفًا أَلْوَانه مِنْ الدَّوَابّ وَالثِّمَار . كَمَا : 16247 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْض } يَقُول : وَمَا خَلَقَ لَكُمْ مُخْتَلِفًا أَلْوَانه مِنْ الدَّوَابّ وَمِنْ الشَّجَر وَالثِّمَار , نِعَم مِنْ اللَّه مُتَظَاهِرَة فَاشْكُرُوهَا لِلَّهِ . 16248 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : مِنْ الدَّوَابّ وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار . وَنَصَبَ قَوْله : " مُخْتَلِفًا " لِأَنَّ قَوْله : " وَمَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَجَبَ أَنْ يَكُون " مُخْتَلِفًا أَلْوَانه " حَالًا مِنْ " مَا " , وَالْخَبَر دُونه تَامّ , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب , وَكَانَ الْكَلَام مُبْتَدَأ مِنْ قَوْله : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ } لَمْ يَكُنْ فِي مُخْتَلِف إِلَّا الرَّفْع , لِأَنَّهُ كَانَ يَصِير مَرَافِع " مَا " حِينَئِذٍ .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { وما ذرأ} أي وسخر ما ذرأ في الأرض لكم. { ذرأ} أي خلق؛ ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم، فهو ذارئ؛ ومنه الذرية وهي نسل الثقلين، إلا أن العرب تركت همزها، والجمع الذراري. يقال : أنمى الله ذرأك وذروك، أي ذريتك. وأصل الذرو والذرء التفريق عن جمع. وفي الحديث : ذرء النار؛ أي أنهم خلقوا لها. الثانية: ما ذرأه الله سبحانه منه مسخر مذلل كالدواب والأنعام والأشجار وغيرها، ومنه غير ذلك. والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار قال : لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا. فقيل له : وما هن؟ فقال : أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وبرأ وذرأ. وفيه عن يحيى بن سعيد أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، الحديث. وفيه : وشر ما ذرأ في الأرض. وقد ذكرناه وما في معناه في غير هذا الموضع. الثالثة: قوله تعالى { مختلفا ألوانه} { مختلفا} نصب على الحال. و { ألوانه} هيئاته ومناظره، يعني الدواب والشجر وغيرها. { إن في ذلك} أي في اختلاف ألوانها. { لآية} أي لعبرة. { لقوم يذكرون} أي يتعظون ويعلمون أن في تسخير هذه المكونات لعلامات على وحدانية الله تعالى، وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 12 - 15

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكلمة { ذَرَأَ } تعني أنه خلق خَلْقاً يتكاثر بذاته؛ إما بالحَمْل للأنثى من الذَّكَر؛ في الإنسان أو الحيوان والنبات؛ وإما بواسطة تفريخ البيض كما في الطيور.

وهكذا نفهم الذَّرْءَ بمعنى أنه ليس مطلقَ خَلْق؛ بل خلق بذاته في التكاثر بذاته، والحق سبحانه قد خلق آدم أولاً، ثم أخرج منه النسل ليتكاثر النسلُ بذاته حين يجتمع زوجان ونتجا مثيلاً لهما، ولذلك قال الحق سبحانه:
{  فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ }
[المؤمنون: 14].

وهكذا شاء الحق سبحانه أن يفيض على عباده بأن يُعطِيهم صفة أنهم يخلقون، ولكنهم لا يخلقون كخَلْقه؛ فهو قد خلق آدم ثم أوجدهم من نسله. والبشر قد يخلقون بعضاً من مُعِدات وأدوات حياتهم، لكنهم لا يخلقون كخَلْق الله؛ فهم لا يخلقون من معدوم؛ بل من موجود، والحق سبحانه يخلق من المعدوم مَنْ لا وجود له؛ وهو بذلك أحسَنُ الخالقين.

والمَثل الذي أضربه دائماً هو الحبة التي تُنبِت سبْعَ سنابل وفي كل سُنْبلة مائة حَبّة؛ وقد أوردها الحق سبحانه ليشوِّق للإنسان عملية الإنفاق في سبيل الله، وهذا هو الخَلْق الماديّ الملموس؛ فمن حَبَّة واحدة أنبت سبحانه كل ذلك.

وهنا يقول الحق سبحانه:

{ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ... } [النحل: 13].

أي: ما خلق لنا من خَلْق متكاثر بذاته تختلف ألوانه. واختلاف الألوان وتعدُّدها دليل على طلاقة قدرة الله في أن الكائنات لا تخلق على نَمَطٍ واحد.

ويعطينا الحق سبحانه الصورة على هذا الأمر في قوله سبحانه:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }
[فاطر: 27-28].

وأنت تمشي بين الجبال، فتجدها من ألوان مختلفة؛ وعلى الجبل الواحد تجد خطوطاً تفصل بين طبقاتٍ مُتعدّدة، وهكذا تختلف الألوان بين الجمادات وبعضها، وبين النباتات وبعضها البعض، وبين البشر أيضاً.

وإذا ما قال الحق سبحانه:
{  إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ... }
[فاطر: 28].

فلَنا أن نعرفَ أن العلماء هنا مقصودٌ بهم كُلّ عالم يقف على قضية كونية مَرْكوزة في الكون أو نزلتْ من المُكوِّن مباشرة.

ولم يقصد الحق سبحانه بهذا القول علماء الدين فقط، فالمقصود هو كل عالم يبحث بحثاً ليستنبط به معلوماً من مجهول، ويُجلّي أسرار الله في خلقه. وقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يفرق فَرْقاً واضحاً في هذا الأمر، كي لا يتدخل علماء الدين في البحث العلميّ التجريبيّ الذي يفيد الناس، ووجد صلى الله عليه وسلم الناس تُؤبّر النخيل؛ بمعنى أنهم يأتون بطَلْع الذُّكورة؛ ويُلقِّحون النخيل التي تتصف بالأنوثة، وقال: لو لم تفعلوا لأثمرتْ.ولما لم تثمر النخيل، قَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر؛ وأمر بإصلاحه وقال القولة الفصل " أنتم أعلم بشئون دنياكم ".

أي: أنتم أعلم بالأمور التجريبية المعملية، ونلحظ أن الذي حجز الحضارة والتطوُّر عن أوربا لقرون طويلة؛ هو محاولة رجال الدين أنْ يحجُروا على البحث العلمي؛ ويتهموا كُلَّ عالم تجريبيّ بالكفر.

ويتميز الإسلام بأنه الدين الذي لم يَحُلْ دون بَحْث أي آية من آيات الله في الكون، ومن حنان الله أنْ يُوضِّح لخَلْقه أهمية البحث في أسرار الكون، فهو القائل:
{  وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }
[يوسف: 105].

أي: عليك أيُّها المؤمن ألاَّ تُعرِض عن أيِّ آية من آيات الله التي في الكون؛ بل على المؤمن أنْ يُعمِلَ عقله وفِكْره بالتأمُّل ليستفيد منها في اعتقاده وحياته. يقول الحق:
{  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }
[فصلت: 53].

أما الأمور التي يتعلَّق بها حساب الآخرة؛ فهي من اختصاص العلماء الفقهاء.

ويذيل الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } [النحل: 13].

وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى التسخير، فيقول: { وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ... }.


www.alro7.net