سورة
اية:

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ

تفسير بن كثير

أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية، في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات، استخلف اللّه هؤلاء القوم من بعدهم، وأرسل إليهم رسولاً لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن اللّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء)

تفسير الجلالين

{ ولقد أهلكنا القرون } الأمم { من قبلكم } يا أهل مكة { لما ظلموا } بالشرك { و } قد { جاءتهم رسلهم بالبينات } الدالات على صدقهم { وما كانوا ليؤمنوا } عطف على ظلموا { كذلك } كما أهلكنا أولئك { نجزي القوم المجرمين } الكافرين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُون مِنْ قَبْلكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْأُمَم الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُل اللَّه مِنْ قَبْلِكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ { لَمَّا ظَلَمُوا } يَقُول : لَمَّا أَشْرَكُوا وَخَالَفُوا أَمْر اللَّه وَنَهْيه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُون مِنْ قَبْلكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْأُمَم الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُل اللَّه مِنْ قَبْلِكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ { لَمَّا ظَلَمُوا } يَقُول : لَمَّا أَشْرَكُوا وَخَالَفُوا أَمْر اللَّه وَنَهْيه .' { وَجَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ } مِنْ عِنْد اللَّه , { بِالْبَيِّنَاتِ } وَهِيَ الْآيَات وَالْحُجَج الَّتِي تُبَيِّن عَنْ صِدْق مَنْ جَاءَ بِهَا . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَجَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَات أَنَّهَا حَقّ . { وَجَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ } مِنْ عِنْد اللَّه , { بِالْبَيِّنَاتِ } وَهِيَ الْآيَات وَالْحُجَج الَّتِي تُبَيِّن عَنْ صِدْق مَنْ جَاءَ بِهَا . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَجَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَات أَنَّهَا حَقّ .' يَقُول : فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا لِيُؤْمِنُوا بِرُسُلِهِمْ وَيُصَدِّقُوهُمْ إِلَى مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ .يَقُول : فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا لِيُؤْمِنُوا بِرُسُلِهِمْ وَيُصَدِّقُوهُمْ إِلَى مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ .' يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَهْلَكْنَا هَذِهِ الْقُرُون مِنْ قَبْلكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسهمْ وَتَكْذِيبهمْ رُسُلهمْ وَرَدّهمْ نَصِيحَتهمْ , كَذَلِكَ أَفْعَل بِكُمْ فَأُهْلِككُمْ كَمَا أَهْلَكْتهمْ بِتَكْذِيبِكُمْ رَسُولكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَظُلْمكُمْ أَنْفُسكُمْ بِشِرْكِكُمْ بِرَبِّكُمْ , إِنْ أَنْتُمْ لَمْ تُنِيبُوا وَتَتُوبُوا إِلَى اللَّه مِنْ شِرْككُمْ , فَإِنَّ مِنْ ثَوَاب الْكَافِر بِي عَلَى كُفْره عِنْدِي أَنْ أُهْلِكهُ بِسَخَطِي فِي الدُّنْيَا وَأُورِدهُ النَّار فِي الْآخِرَة .يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَهْلَكْنَا هَذِهِ الْقُرُون مِنْ قَبْلكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسهمْ وَتَكْذِيبهمْ رُسُلهمْ وَرَدّهمْ نَصِيحَتهمْ , كَذَلِكَ أَفْعَل بِكُمْ فَأُهْلِككُمْ كَمَا أَهْلَكْتهمْ بِتَكْذِيبِكُمْ رَسُولكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَظُلْمكُمْ أَنْفُسكُمْ بِشِرْكِكُمْ بِرَبِّكُمْ , إِنْ أَنْتُمْ لَمْ تُنِيبُوا وَتَتُوبُوا إِلَى اللَّه مِنْ شِرْككُمْ , فَإِنَّ مِنْ ثَوَاب الْكَافِر بِي عَلَى كُفْره عِنْدِي أَنْ أُهْلِكهُ بِسَخَطِي فِي الدُّنْيَا وَأُورِدهُ النَّار فِي الْآخِرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم. { لما ظلموا} أي كفروا وأشركوا. { وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات. { وما كانوا ليؤمنوا} أي أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون. يخوف كفار مكة عذاب الأمم الماضية؛ أي نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، ولكن نمهلهم لعلمنا بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. وهذه الآية ترد على أهل الضلال القائلين بخلق الهدى والإيمان. وقيل : معنى { ما كانوا ليؤمنوا} أي جازاهم على كفرهم بأن طبع على قلوبهم؛ ويدل على هذا أنه قال: { كذلك نجزي القوم المجرمين} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 12 - 13


سورة يونس الايات 13 - 16

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فإياكم أن تسوّل لكم أنفسكم أن تظلوا على عداوتكم لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنكم لن تنالوا منه شيئاً، وسيتم الله نوره، فلستم بدعاً عن سابق الخلق.

و { ٱلْقُرُونَ }: جمع قرن، والقرن من المقارنة، وكل جماعة اقترنوا في شيء نسميهم " قرنا ". وقد يكون القرن في الزمنية، ولذلك حسبوا القرن مائة سنة، والبشر الذين يجتمعون في مائة سنة يسمونهم قرناً.

أو القرن جماعة يقترنون في شيء يجمعهم، مهما طال بهم الأمد.

وقوله الحق: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } فهل لو أمهلهم الله - تعالى - كانوا سيؤمنون؟ لا، فلله علمٌ أزليٌّ، يعلم الأشياء على وفق ما تكون عليه اضطراراً أو اختياراً.

والمثل من حياتنا وأعرافنا - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان حين يريد بناء بيت، فالأمر يختلف حسب مقدرته؛ الفقير مثلاً يطلب بناء حجرتين؛ فيخطط رجل البناء لبناء حجرتين، وإذا كان الإنسان متوسط الحال؛ فهو يتجه إلى مهندس يصمِّم له بناء على قدر سعته، وإن كان الإنسان ثرياً؛ فهو يستدعي المهندس الذي يبني له بيتاً حسب إمكانات ورغبات هذا الثرى، ويصمم المهندس نموذجاً للبناء قبل أن يبدأ فيه، وتظهر فيه كل التفاصيل، حتى ألوان النوافذ والأبواب والحجرات.

والعالم قبل أن يخلقه الله سبحانه وتعالى كانت هيئته مقدرة أزلاً عنده سبحانه، وهذا هو مطلق القدرة من الحق تعالى، ويأتي واقع الكون على وفق ما قدره الخالق سبحانه أزلاً؛ حتى ولو كان هناك اختيار للمخلوق الكافر، فالله سبحانه يعلمه.

وقد صحَّ أن القلم جفَّ حتى في الأمور الاختيارية، وسبحانه يعلم ما تجري به الأمور القهرية وما يقضيه على خلقه بدون اختيار منهم، أما في الأمور الاختيارية فقد أعطى لخلقه الاختيار. وقد علم ما سوف يفعلونه غيباً؛ فصمم المسألة على وفق ما علم.

وإياك أن تظن أنه أراد بذلك أن يُلزمك، لا، فقد علم أنك ستختار. وهكذا علم الحق سبحانه من سيظلم نفسه - أزلاً - وسبق في علمه أن أهل القرون السابقة الذين أهلكهم لا يؤمنون.

{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ } والظلم معناه نقل الحق من صاحبه إلى غيره، والحقوق الموهوبة من الخالق للبشر قد يظلمون فيها بعضهم البعض، لكن أعلى درجات الظلم حين يظلم أحدٌ حقَّ الإله الأعلى في أن يكون إلهاً واحداً، وأن ينقل ذلك لغيره. تلك هي قمة الظلم؛ لذلك قال سبحانه:
{  إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
[لقمان: 13].

وهم قد ظلموا في قضية العقيدة الأولى، أو ظلموا في الحقوق بينهم وبين أنفسهم مصداقاً لقوله تعالى:
{  وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[يونس: 44].

والواحد منهم ظالم ومظلوم في آن واحد؛ لأن الإنسان ملكاته متعددة، ومن هذه الملكات ملكة الإيمان الفطري، وملكة النفع العاجل الذاتي.فإذا تغلبت ملكة النفع العاجل؛ تخرج النفس اللوَّامة؛ لتعيد الأمر إلى صوابه، أما إن كانت نفس تأمر بالسوء فهي تطلب تحقيق الشهوات فقط؛ لأنها نفس أمَّارة بالسوء. أما إن اطمأنت النفس إلى حكم الله تعالى ورضيت به ونفذت ما قاله الله سبحانه، فهي نفس مطمئنة. ومن يظلم نفسه فهو الذي يتبع شهوات نفسه، وهو قد أعطاها متعة عاجلة؛ ليستقبل بعد ذلك شقاءً آجلاً؛ فيكون قد ظلم نفسه.

والحق سبحانه لم يتركهم، بل أرسل الرسل مُؤيَّدين بالمعجزات؛ ليبصّروهم. لكن الله تعالى يعلم أنهم لا يؤمنون؛ لذلك قال: { وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } أي: أنه سبحانه لو تركهم أحياء فلن يؤمنوا، فهو الذي خلقهم وقد علم أزلاً لن يختاروا الإيمان.

والحق سبحانه هو العالم الأعلى الذي يعلم الأشياء على وفق ما تكون عليه، لا على وفق ما يقهر خلقه عليه، فلو كان علمه - سبحانه - على وفق ما يَقْهر الخلق عليه لكانت المسألة منتهية.

والمثال - ولله المثل الأعلى - أنت في البيت وتريد أن تقوم وزوجتك برحلة، فإن كان الأولاد صغاراً؛ فأنت تغلق عليهم الباب بعد أن تقول لهم: إن طعامكم في الثلاجة؛ لحماً وسمكاً وجبناً وزيتوناً. وبعد أن تخرج أنت وزوجتك تقول لها: إن أبناءنا لن يأكلوا إلا جبناً وزيتوناً؛ لأنهم سوف يستسهلون هذا الطعام. ولو لم يكن في الثلاجة إلا الجبن، لما قلت ذلك؛ لأن هذا هو لون الطعام القهري.

لكن ما دام في الأمر اختيار؛ فأنت تستشف من سابق سلوك الأبناء. وعندما ترجع تجد أبناءك قد تصرفوا وفق ما حكمت به، رغم أنك تركت لهم الاختيار. ومثال هذا في القرآن قوله الحق:
{  تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ }
[المسد: 1-3].

وفي هذا حكم من الله تعالى بان أبا لهب سيموت كافراً، وهذا حكم مُعْلَن ويُردَّد في الصلاة، ونحفظه، وأبو لهب هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كافراً مثل غيره من الكفار. وقد آمن من الكفار الكثير. ألم يسلم عمر؟ ألم يسلم عكرمة بن أبي جهل؟ ألم يسلم عمرو بن العاص؟ ألم يسلم خالد بن الوليد؟ فما المانع أن يسلم أبو لهب هو الآخر؟ لا، لم يسلم وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه أن ذلك لن يكون منه. وما كان من الممكن أن يمكر أبو لهب ويعلن إسلامه تكذيباً للقرآن؛ لأن الحق علم أزلاً سلوك أبي لهب.

{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ }.

وقوله: { كَذٰلِكَ } أي: مثل هذا الجزاء الذي كان للأمم السابقة التي أهلكت في القرون الماضية تجري ممن يحدِّد كل شيء؛ لأن القضايا في الكون واحدة. فالقضية الإيمانية موجودة من أول ما أرسلت الرسل إلى أن تنتهي الدنيا.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ... }.


www.alro7.net