سورة
اية:

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً رسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى اللّه بالحكمة. قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنّة والموعظة الحسنة، أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها ليحذروا بأس اللّه تعالى، وقوله: { وجادلهم بالتي هي أحسن} ، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كقوله تعالى: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} الآية، فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} . وقوله: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} الآية، أي قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه فادعهم إلى اللّه، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير، عليك البلاغ وعلينا الحساب، { إنك لا تهدي من أحببت} ، { ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء} .

تفسير الجلالين

{ ادع } الناس يا محمد { إلى سبيل ربك } دينه { بالحكمة } بالقرآن { والموعظة الحسنة } مواعظه أو القول الرقيق { وجادلهم بالتي } أي بالمجادلة التي { هي أحسن } كالدعاء إلى الله بآياته والدعاء إلى حججه { إن ربك هو أعلم } أي عالم { بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } فيجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال ونزل لما قتل حمزة ومثِّل به فقال صلى الله عليه وسلم وقد رآه: لأمثلن بسبعين منهم مكانك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُدْعُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُدْعُ } يَا مُحَمَّد مَنْ أَرْسَلَك إِلَيْهِ رَبّك بِالدُّعَاءِ إِلَى طَاعَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُدْعُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُدْعُ } يَا مُحَمَّد مَنْ أَرْسَلَك إِلَيْهِ رَبّك بِالدُّعَاءِ إِلَى طَاعَته .' { إِلَى سَبِيل رَبّك } يَقُول : إِلَى شَرِيعَة رَبّك الَّتِي شَرَعَهَا لِخَلْقِهِ , وَهُوَ الْإِسْلَام . { إِلَى سَبِيل رَبّك } يَقُول : إِلَى شَرِيعَة رَبّك الَّتِي شَرَعَهَا لِخَلْقِهِ , وَهُوَ الْإِسْلَام .' { بِالْحِكْمَةِ } يَقُول بِوَحْيِ اللَّه الَّذِي يُوحِيه إِلَيْك وَكِتَابه الَّذِي يُنْزِلهُ عَلَيْك . { بِالْحِكْمَةِ } يَقُول بِوَحْيِ اللَّه الَّذِي يُوحِيه إِلَيْك وَكِتَابه الَّذِي يُنْزِلهُ عَلَيْك .' { وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة } يَقُول : وَبِالْعِبَرِ الْجَمِيلَة الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه حُجَّة عَلَيْهِمْ فِي كِتَابه وَذَكِّرْهُمْ بِهَا فِي تَنْزِيله , كَاَلَّتِي عَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ حُجَجه وَذَكِّرْهُمْ فِيهَا مَا ذَكَّرَهُمْ مِنْ آلَائِهِ . { وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة } يَقُول : وَبِالْعِبَرِ الْجَمِيلَة الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه حُجَّة عَلَيْهِمْ فِي كِتَابه وَذَكِّرْهُمْ بِهَا فِي تَنْزِيله , كَاَلَّتِي عَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ حُجَجه وَذَكِّرْهُمْ فِيهَا مَا ذَكَّرَهُمْ مِنْ آلَائِهِ .' { وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } يَقُول : وَخَاصِمْهُمْ بِالْخُصُومَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَن مِنْ غَيْرهَا أَنْ تَصْفَح عَمَّا نَالُوا بِهِ عِرْضك مِنْ الْأَذَى , وَلَا تَعْصِهِ فِي الْقِيَام بِالْوَاجِبِ عَلَيْك مِنْ تَبْلِيغهمْ رِسَالَة رَبّك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16601 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . { وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } يَقُول : وَخَاصِمْهُمْ بِالْخُصُومَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَن مِنْ غَيْرهَا أَنْ تَصْفَح عَمَّا نَالُوا بِهِ عِرْضك مِنْ الْأَذَى , وَلَا تَعْصِهِ فِي الْقِيَام بِالْوَاجِبِ عَلَيْك مِنْ تَبْلِيغهمْ رِسَالَة رَبّك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16601 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .' وَقَوْله : { إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد هُوَ أَعْلَم بِمَنْ جَارَ عَنْ قَصْد السَّبِيل مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ فِي السَّبْت وَغَيْره مِنْ خَلْقه , وَحَادَ اللَّه , وَهُوَ أَعْلَم بِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَالِكًا قَصْد السَّبِيل وَمَحَجَّة الْحَقّ , وَهُوَ مُجَازٍ جَمِيعهمْ جَزَاءَهُمْ عِنْد وُرُودهمْ عَلَيْهِ .وَقَوْله : { إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد هُوَ أَعْلَم بِمَنْ جَارَ عَنْ قَصْد السَّبِيل مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ فِي السَّبْت وَغَيْره مِنْ خَلْقه , وَحَادَ اللَّه , وَهُوَ أَعْلَم بِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَالِكًا قَصْد السَّبِيل وَمَحَجَّة الْحَقّ , وَهُوَ مُجَازٍ جَمِيعهمْ جَزَاءَهُمْ عِنْد وُرُودهمْ عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

فيه مسألة واحدة: هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة 0 فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل : إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 119 - 126

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فبعد أن تحدثتْ الآيات عن النموذج الإيماني الأعلى في الإنسان في شخص أبي الأنبياء إبراهيم، وجعلتْ من أعظم مناقبه أن الله أمر خاتم رسُله باتباعه، أخذتْ في بيان الملامح العامة لمنهج الدعوة إلى الله.

قوله: { ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ.. } [النحل: 125].

الحق تبارك وتعالى لا يُوجّه هذا الأمر بالدعوة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يعلم أنه سيُنفِّذ ما أُمِر به، وسيقوم بأمر الدعوة، ويتحمل مسئوليتها.

{ ٱدْعُ }: بمعنى دُلَّ الناس وارشدهم.

{ سَبِيلِ رَبِّكَ } [النحل: 125].

السبيل هو الطريق والمنهج، والحكمة: وَضْع الشيء في موضعه المناسب، ولكن لماذا تحتاج الدعوةُ إلى الله حكمةً؟

لأنك لا تدعو إلى منهج الله إلا مَنِ انحرف عن هذا المنهج، ومَنِ انحرف عن منهج الله تجده أَلِف المعصية وتعوَّد عليها، فلا بُدَّ لك أنْ ترفقَ به لِتُخرجه عما ألف وتقيمه على المنهج الصحيح، فالشدة والعنف في دعوة مثل هذا تنفره، لأنك تجمع عليه شدتين:

شدة الدعوة والعنف فيها، وشدة تَرْكه لما أحبَّ وما أَلِفَ من أساليب الحياة، فإذا ما سلكتَ معه مَسْلَك اللِّين والرِّفق، وأحسنت عَرْض الدعوة عليه طاوعك في أنْ يترك ما كان عليه من مخالفة المنهج الإلهي.

ومعلوم أن النصْح في عمومه ثقيل على النفس، وخاصة في أمور الدين، فإياك أن تُشعِر مَنْ تنصحه أنك أعلم منه أو افضل منه، إياك أن تواجهه بما فيه من النقص، أو تحرجه أمام الآخرين؛ لأن كل هذه التصرّفات من الداعية لا تأتي إلا بنتيجة عكسية، فهذه الطريقة تثير حفيظته، وربما دَعَتْه إلى المكابرة والعناد.

وهذه الطريقة في الدعوة هي المرادة من قوله تعالى:

{ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ.. } [النحل: 125].

ويُروى في هذا المقام ـ مقام الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ـ قصة دارت بين الحسن والحسين رضي الله عنهما، هذه القصة تجسيدٌ صادق لما ينبغي أنْ يكون عليه الداعية.

فيُروى أنهما رَأيَا رجلاً لا يُحسِن الوضوء، وأراد أنْ يُعلِّماه الوضوء الصحيح دون أنْ يجرحَا مشاعره، فما كان منهما إلا أنهما افتعلا خصومة بينهما، كل منهما يقول للآخر: أنت لا تُحسِن أنْ تتوضأ، ثم تحاكما إلى هذا الرجل أنْ يرى كلاً منهما يتوضأ، ثم يحكم: أيهما أفضل من الآخر، وتوضأ كل منهما فأحسن الوضوء، بعدها جاء الحُكْم من الرجل يقول: كل منكما أحسن، وأنا الذي ما أحسنْتُ.

إنه الوعظ في أعلى صورة، والقدوة في أحكم ما تكون.

" مثال آخر للدعوة يضربه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما أتاه شاب في فَوْرة شبابه، يشتكي عدم صَبْره عن رغبة الجنس، وهي ـ كما قلنا ـ من أشرس الغرائز في الإنسان.

جاء الشاب وقال: " يا رسول الله إئذن لي في الزنا ".

هكذا تجرأ الشاب ولم يُخْفِ عِلّته، هكذا لجأ إلى الطبيب ليطلب الدواء صراحة، ومعرفة العلة أولَ خَطوات الشفاء. فماذا قال رسول الله؟

انظر إلى منهج الدعوة، كيف يكون، وكيف استلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الداء من نفس هذا الشاب؟ فلم يزجره، ولم ينهره، ولم يُؤذه، بل أخذه وربَّت على كتفه في لطف ولين، ثم قال: " أتحبه لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، جُعِلْتَ فِدَاك. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، قال: أَتُحبه لأختكَ؟

قال: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِدَاك، قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم ".

وهكذا حتى ذكر العمة والخالة والزوجة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة على صدر الشاب ودعا له: " اللهم نَقِّ صدره، وحَصِّن فَرْجه " فقام الشاب وأبغض ما يكون إليه أن يزني، وهو يقول: فوالله ما هَمَّتْ نفسي بشيء من هذا، إلا ذكرْتُ أمي وأختي وزوجتي ".

فلنتأمل هذا التلطُّف في بيان الحكم الصحيح، فمعالجة الداءات في المجتمع تحتاج إلى فقه ولباقة ولين وحُسْن تصرف، إننا نرى حتى الكفرة حينما يصنعون دواءً مُرّاً يغلفونه بغُلالة رقيقة حُلْوة المذاق ليستسيغه المريض، ويسهل عليه تناوله. وما أشبه علاج الأبدان بعلاج القلوب في هذه المسألة.

ويقول أهل الخبرة في الدعوة إلى الله: النصح ثقيل فلا تُرْسِله جبلاً، ولا تجعله جدلاً.. والحقائق مُرّة فاستعيروا لها خِفّة البيان.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع عن شيء لا يرضيه من ذنب أو فاحشة في مجتمع الإيمان بالمدينة كان يصعد منبره الشريف، ويقول: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ".

ويكتفي بالتوجيه العام دون أنْ يجرحَ أحداً من الناس على حَدِّ قولهم في الأمثال: إياك أعني واسمعي يا جاره.

ومن ذلك ما كان يلجأ إليه العقلاء في الريف حينما يتعرض أحدٌ للسرقة، أو يضيع منه شيء ذو قيمة، فكانوا يعتلون عن فَقْد الشيء الذي ضاع أو سُرِق ويقول: ليلة كذا بعد غياب القمر سوف نرمي التراب.

ومعنى " نرمي التراب " أن يحضر كل منهم كمية من التراب يلقيها أمام بيت صاحب هذا الشيء المفقود، وفي الصباح يبحثون في التراب حتى يعثروا على ما فقد منهم، ويصلوا إلى ضالَّتهم دون أنْ يُفتضحَ الأمر، ودون أن يُحرَج أحد، وربما لو واجهوا السارق لأنكر وتعقدت المسألة.

وقوله سبحانه:

{ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. } [النحل: 125].

والجدل مناقشة الحجج في قضية من القضايا، وعلى كُلِّ من الطرفين أنْ يعرضَ حُجّته بالتي هي احسن. أي: في رفق ولين ودون تشنُّج أو غَطْرسة.

ويجب عليك في موقف الجدال هذا ألاَّ تُغضِبَ الخصْم، فقد يتمحَّك في كلمة منك، ويأخذها ذريعة للانصراف من هذا المجلس.وقوله سبحانه:

{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } [النحل: 125].

قد يتساءل البعض: ما علاقة هذا التذييل للآية بموضوع الدعوة إلى الله؟

يريد الحق سبحانه أن يُبيّن لنا حساسية هذه المهمة، وأنها تُبنى على الإخلاص لله في توجيه النصيحة، ولا ينبغي للداعية أبداً أنْ يغُشَّ في دعوته، فيقصد من ورائها شيئاً آخر، وقد تقوم بموعظة وفي نفسه استكبار على الموعوظ، أو شعور أنك أفضل منه أو أعلم منه.

ومن الناس ـ والعياذ بالله ـ مَنْ يجمع القشور عن موضوع ما، فيظن أنه أصبح عالماً، فيضر الناس أكثر مِمّا ينفعهم.

إذن: إنْ قُبِل الغش في شيء فإنه لا يُقبل في مجال الدعوة إلى الله، فإياك أنْ تغشَّ بالله في الله؛ لأنه سبحانه وتعالى أعلم بمَنْ يضل الناس، ويصدهم عن سبيل الله، وهو أعلم بالمهتدين.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ... }.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله عز وجل: { ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ...} الآية. [125].
أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا الحكم بن موسى، قال: حدثنا إسماعيل بن عيَّاش عن عبد الملك بن أبي غَنِيّة، عن الحكم بن عُتَيْبَة عن مجاهد، عن ابن عباس، قال:
لما انصرف المشركون عن قتلى أحد، انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى منظراً ساءه، ورأى حمزَةَ: قد شُقَّ بطنه، واصْطُلِمَ أنفُه، وجُدِعَت أذناه. فقال: لولا أن تحزن النساء أو تكون سنة بعدي، لتركته حتى يبعثه الله تعالى من بطون السباع والطير، لأقتلن مكانه سبعين رجلاً منهم. ثم دعا ببردة فغطّى بها وجهَه فخرجت رجلاه، فجعل على رجليه شيئاً من الإذْخر، ثم قدمه وكبر عليه عشراً، ثم جعل يُجاءُ بالرجل فيُوضَعُ وحمزةُ مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين. فلما دُفنوا وفُرغ منهم: نزلت هذه الآية: { ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} إلى قوله تعالى: { وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} فَصَبَر ولم يُمَثِّل بأحد.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا بشر بن الوليد الكِنْدي، قال: حدثنا صالح المُرِّي قال: حدثنا سليمان التيمِي عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن أبي هريرة، قال:
أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة فرآه صريعاً، فلم ير شيئاً كان أوجع لقلبه منه، وقال: والله لأقتلن بك سبعين منهم. فنزلت: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} .
أخبرنا أبو حسان المزكي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق [حدثنا موسى بن إسحاق] قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا قيس عن [ابن] أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن عباس، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قُتِل حمزة ومُثِّل به: لئن ظفرت بقريش لأمثّلنّ بسبعين رجلاً منهم، فأنزل الله عز وجل: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نصبر يا رب.
قال المفسرون: إن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تَبْقِيرِ البُطُون وقطع المَذّاكِيرِ والمثلة السيئة، قالوا حين رأوا ذلك: لئن أظفرنا الله عليهم لنزيدن على صنيعهم، ولنُمَثِّلَنّ بهم مثله لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، ولنفعلن ولنفعلن. ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة وقد جدعوا أنفه [وأذنه] وقطعوا مَذَاكِيرَه وبقُرُوا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم اسْتَرَطَتْهَا لتأكلها، فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها، فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إنها لو أكلتها لم تدخل النار أبداً، حمزُة أكرمُ على الله من أن يدخل شيئاً من جسده النار. فلما نظر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزةَ، نظر إلى شيء لم ينظر [قط] إلى شيء كان أوجع لقلبه منه، فقال: رحمة الله عليك، إنك كنت ما علمتُ: وصُولاً للرحم، فعّالاً للخيرات، ولولا حزنُ مَنْ بَعدَك عليك لسرني أن أدعك حتى تُحشر من أجْوَاف شتى، أما والله لئن أظفرني الله تعالى بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فأنزل الله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى نصبر، وأمسك عما أراد، وكَفَّرَ عن يمينه.
قال الشيخ ابو الحسن: ونحتاج أن نذكرها هنا مقتل حمزة:
أخبرنا عمرو بن ابي عمرو المُزَكِّي، قال: أخبرنا محمد بن مكي، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الجُعْفِيّ، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله حدثنا حُجَيْنُ بن المُثَنَّى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وأخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: أخبرنا والدي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن الفضل بن عيّاش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن يَسَار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، قال:
خرجت أنا وعُبيد الله بن عَدِي بن الخِيَار، فمررنا بحمْص، فلما قَدِمناها قال لي عُبيد الله بن عدي: هل لك أن تأتيَ وَحْشِياً نسأله كيف كان قتله حمزة؟ فقلت له: إن شئت [فخرجنا نسأل عنه] فقال لنا رجل: أما إنكما ستجدانه بفناء داره، وهو رجل قد غلب عليه الخمر، فإن تجداه صاحياً تجدا رجلاً عريباً [وتجدا] عنده بعض ما تريدان. فلما انتهينا إليه سلّمنا عليه فرفع رأسه، قلنا: جئناك لتحدثنا عن قتلك حمزة رحمة الله عليه، فقال: إما إني سأحدثكما كما حدَّثْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سألني عن ذلك: كنت غلاماً لجُبَيْر بن مُطْعِم بن عَدِي بن نَوْفَل، وكان عمه طُعَيْمَة بن عدي قد أُصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال لي جُبَير بن مطعم: إن قتلت حمزة عمّ محمد بَعَمِّي طعيمَة فأنت عتيق. قال: فخرجت وكنت حَبشِياً أقذف بالحربة قذْفَ الحبشة قلَّما أخطئ بها شيئاً، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة [وأتبّصره] حتى رأيته في عُرْض الجيش مثل الجَمَل الأوْرَق يهدُّ الناس بسيفه هدَّاً ما يقوم له شيء، فوالله إني لأتَهَيَّأ له واستتر منه بحجر أو شجر لِيَدْنُوَ مني، إذ تَقَدَّمَنِي إليه سِباعُ بن عبد العُزَّى، فلما رآه حمزة رحمة الله عليه قال: ها [هنا] يا ابن مُقَطَّهَةِ البُظُورِ، قال: ثم ضربه فوالله ما أخطأ رأسه، وهَزَزْتُ حربتي حتى إِذا [ما] رضيت منها دَفَعْتُها إليه، فوقعت في ثُنَّتِه حتى خرجت من بين رجليه، فذهب لِيَنُوءَ نحوي فغُلب وتركته حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى الناس فقعدت في العسكر، ولم يكن لي بغيره حادة، إنما قتلته لأعتق. فلما قدمت مكة أُعْتِقْتُ، فأقمت بها حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً، وقيل لي: إِن محمداً لا يهيج الرسل. قال: فخرجت معهم حتى قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال [لي] أنت وحشي؟ قلت: نعم قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر ما قد بلغك، قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني. [فخرجت] قال: فلما قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج الناس إلى مسيلمةَ الكذاب - قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتُله فأكافئَ به حمزة. فخرجت مع الناس، وكان من أمره ما كان.


www.alro7.net