سورة
اية:

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً أي في الضلالة هالكاً حائراً، فأحياه اللّه، أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه ووفقه لاتباع رسله، { وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} أي يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به، والنور هو القرآن، كما روي عن ابن عباس، وقال السدي: الإسلام، والكل صحيح، { كمن مثله في الظلمات} أي الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة { ليس بخارج منها} أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه. وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن اللّه خلق خلقة في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل) ""رواه أحمد في المسند""، كما قال تعالى: { اللّه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ، وقال تعالى: { أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم يمشي سوياً على صراط مستقيم} ؟ وقال تعالى: { مثل الفريقين كالأعمى والأصمّ والبصير والسميع هل يستويان مثلاً أفلا تذكرون} ، وقال تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن اللّه يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير *إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ، والآيات في هذه كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين ههنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة { وجعل الظلمات والنور} ، وزعم بعضهم: أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتاً فأحياه اللّه وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه اللّه. والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر، وقوله تعالى: { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} أي حسنَّا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة قدراً من اللّه وحكمة بالغة، لا إله إلا هو وحده لا شريك له.

تفسير الجلالين

ونزل في أبي جهل وغيره: { أو من كان ميتا } بالكفر { فأحييناه } بالهدى { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان { كمن مثله } مثل زائدة أي كمن هو { في الظلمات ليس بخارج منها } وهو الكافر ؟ لا { كذلك } كما زيِّن للمؤمنين الإيمان { زيِّن للكافرين ما كانوا يعلمون } من الكفر والمعاصى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } وَهَذَا الْكَلَام مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَدُلّ عَلَى نَهْيه الْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِهِ يَوْمئِذٍ عَنْ طَاعَة بَعْض الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَادَلُوهُمْ فِي أَكْل الْمَيْتَة بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ مِنْ جِدَالهمْ إِيَّاهُمْ بِهِ , وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِطَاعَةِ مُؤْمِن مِنْهُمْ كَانَ كَافِرًا , فَهَدَاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِرُشْدِهِ وَوَفَّقَهُ لِلْإِيمَانِ , فَقَالَ لَهُمْ : إِطَاعَة مَنْ كَانَ مَيْتًا , يَقُول : مَنْ كَانَ كَافِرًا . فَجَعَلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِانْصِرَافِهِ عَنْ طَاعَته وَجَهْله بِتَوْحِيدِهِ وَشَرَائِع دِينه وَتَرْكه الْأَخْذ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْعَمَل لِلَّهِ بِمَا يُؤَدِّيه إِلَى نَجَاته , بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّت الَّذِي لَا يَنْفَع نَفْسه بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَع عَنْهَا مِنْ مَكْرُوه نَازِلَة { فَأَحْيَيْنَاهُ } يَقُول : فَهَدَيْنَاهُ لِلْإِسْلَامِ , فَأَنْعَشْنَاهُ , فَصَارَ يَعْرِف مَضَارّ نَفْسه وَمَنَافِعهَا , وَيَعْمَل فِي خَلَاصهَا مِنْ سَخَط اللَّه وَعِقَابه فِي مَعَاده , فَجَعَلَ إِبْصَاره الْحَقّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعْد عَمَاهُ عَنْهُ وَمَعْرِفَته بِوَحْدَانِيِّتِهِ وَشَرَائِع دِينه بَعْد جَهْله بِذَلِكَ حَيَاة وَضِيَاء يَسْتَضِيء بِهِ , فَيَمْشِي عَلَى قَصْد السَّبِيل وَمَنْهَج الطَّرِيق فِي النَّاس . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } لَا يَدْرِي كَيْف يَتَوَجَّه وَأَيّ طَرِيق يَأْخُذ لِشِدَّةِ ظُلْمَة اللَّيْل وَإِضْلَاله الطَّرِيق , فَكَذَلِكَ هَذَا الْكَافِر الضَّالّ فِي ظُلُمَات الْكُفْر لَا يُبْصِر رُشْدًا وَلَا يَعْرِف حَقًّا , يَعْنِي فِي ظُلُمَات الْكُفْر . يَقُول : أَفَطَاعَة هَذَا الَّذِي هَدَيْنَاهُ لِلْحَقِّ وَبَصَّرْنَاهُ الرَّشَاد كَطَاعَةِ مَنْ مَثَلُهُ مَثَل مَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَات مُتَرَدِّد لَا يَعْرِف الْمَخْرَج مِنْهَا فِي دُعَاء هَذَا إِلَى تَحْرِيم مَا حَرَّمَ اللَّه وَتَحْلِيل مَا أَحَلَّ وَتَحْلِيل هَذَا مَا حَرَّمَ اللَّه وَتَحْرِيمه مَا أَحَلَّ ؟ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا مَعْرُوفَيْنِ , أَحَدُهُمَا مُؤْمِن , وَالْآخَر كَافِر . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيهِمَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَّا الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَاهُ اللَّه فَعُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; وَأَمَّا الَّذِي مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا : فَأَبُو جَهْل بْن هِشَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 0772 1 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَان بْن أَبِي هَوْذَة , عَنْ شُعَيْب السَّرَّاج , عَنْ أَبِي سِنَان عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } قَالَ : عُمَر بْن الْخَطَّاب { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } قَالَ : أَبُو جَهْل بْن هِشَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْمَيْت الَّذِي أَحْيَاهُ اللَّه عَمَّار بْن يَاسِر ; وَأَمَّا الَّذِي مَثَله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا : فَأَبُو جَهْل بْن هِشَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10773 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ بِشْر بْن تَيْم , عَنْ رَجُل , عَنْ عِكْرِمَة : { مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَمَّار بْن يَاسِر . 10774 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ بِشْر , عَنْ تَيْم , عَنْ عِكْرِمَة : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } عَمَّار بْن يَاسِر . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } أَبُو جَهْل بْن هِشَام . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي الْآيَة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10775 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } قَالَ : ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ , { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي لِلنَّاسِ } قَالَ : هُدًى , { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } قَالَ : فِي الضَّلَالَة أَبَدًا . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } هَدَيْنَاهُ , { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } فِي الضَّلَالَة أَبَدًا . 10776 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } قَالَ : ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ . 10777 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } يَعْنِي : مَنْ كَانَ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ , { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } يَعْنِي بِالنُّورِ : الْقُرْآن مَنْ صَدَّقَ بِهِ وَعَمِلَ بِهِ , { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } يَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ : الْكُفْر وَالضَّلَالَة . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } يَقُول : الْهُدَى يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس , يَقُول : فَهُوَ الْكَافِر يَهْدِيه اللَّه لِلْإِسْلَامِ , يَقُول : كَانَ مُشْرِكًا فَهَدَيْنَاهُ , { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } . 10778 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } هَذَا الْمُؤْمِن مَعَهُ مِنْ اللَّه نُور وَبَيِّنَة يَعْمَل بِهَا وَيَأْخُذ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي , كِتَاب اللَّه . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } وَهَذَا مَثَل الْكَافِر فِي الضَّلَالَة مُتَحَيِّر فِيهَا مُتَسَكِّع , لَا يَجِد مَخْرَجًا وَلَا مَنْفَذًا . 10779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } يَقُول : مَنْ كَانَ كَافِرًا فَجَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس وَهُوَ الْإِسْلَام , يَقُول : هَذَا كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَات , يَعْنِي الشِّرْك . 10780 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } قَالَ : الْإِسْلَام الَّذِي هَدَاهُ اللَّه إِلَيْهِ . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } لَيْسَ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام . وَقَرَأَ : { اللَّه وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور } 2 257 قَالَ : وَالنُّور يَسْتَضِيء بِهِ مَا فِي بَيْته وَيُبْصِرهُ , وَكَذَلِكَ الَّذِي آتَاهُ اللَّه هَذَا النُّور يَسْتَضِيء بِهِ فِي دِينه وَيَعْمَل بِهِ فِي نُوره كَمَا يَسْتَضِيء صَاحِب هَذَا السِّرَاج . قَالَ : { كَمَنْ مَثَله فِي الظُّلُمَات } لَا يَدْرِي مَا يَأْتِي وَلَا مَا يَقَع عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } وَهَذَا الْكَلَام مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَدُلّ عَلَى نَهْيه الْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِهِ يَوْمئِذٍ عَنْ طَاعَة بَعْض الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَادَلُوهُمْ فِي أَكْل الْمَيْتَة بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ مِنْ جِدَالهمْ إِيَّاهُمْ بِهِ , وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِطَاعَةِ مُؤْمِن مِنْهُمْ كَانَ كَافِرًا , فَهَدَاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِرُشْدِهِ وَوَفَّقَهُ لِلْإِيمَانِ , فَقَالَ لَهُمْ : إِطَاعَة مَنْ كَانَ مَيْتًا , يَقُول : مَنْ كَانَ كَافِرًا . فَجَعَلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِانْصِرَافِهِ عَنْ طَاعَته وَجَهْله بِتَوْحِيدِهِ وَشَرَائِع دِينه وَتَرْكه الْأَخْذ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْعَمَل لِلَّهِ بِمَا يُؤَدِّيه إِلَى نَجَاته , بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّت الَّذِي لَا يَنْفَع نَفْسه بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَع عَنْهَا مِنْ مَكْرُوه نَازِلَة { فَأَحْيَيْنَاهُ } يَقُول : فَهَدَيْنَاهُ لِلْإِسْلَامِ , فَأَنْعَشْنَاهُ , فَصَارَ يَعْرِف مَضَارّ نَفْسه وَمَنَافِعهَا , وَيَعْمَل فِي خَلَاصهَا مِنْ سَخَط اللَّه وَعِقَابه فِي مَعَاده , فَجَعَلَ إِبْصَاره الْحَقّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعْد عَمَاهُ عَنْهُ وَمَعْرِفَته بِوَحْدَانِيِّتِهِ وَشَرَائِع دِينه بَعْد جَهْله بِذَلِكَ حَيَاة وَضِيَاء يَسْتَضِيء بِهِ , فَيَمْشِي عَلَى قَصْد السَّبِيل وَمَنْهَج الطَّرِيق فِي النَّاس . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } لَا يَدْرِي كَيْف يَتَوَجَّه وَأَيّ طَرِيق يَأْخُذ لِشِدَّةِ ظُلْمَة اللَّيْل وَإِضْلَاله الطَّرِيق , فَكَذَلِكَ هَذَا الْكَافِر الضَّالّ فِي ظُلُمَات الْكُفْر لَا يُبْصِر رُشْدًا وَلَا يَعْرِف حَقًّا , يَعْنِي فِي ظُلُمَات الْكُفْر . يَقُول : أَفَطَاعَة هَذَا الَّذِي هَدَيْنَاهُ لِلْحَقِّ وَبَصَّرْنَاهُ الرَّشَاد كَطَاعَةِ مَنْ مَثَلُهُ مَثَل مَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَات مُتَرَدِّد لَا يَعْرِف الْمَخْرَج مِنْهَا فِي دُعَاء هَذَا إِلَى تَحْرِيم مَا حَرَّمَ اللَّه وَتَحْلِيل مَا أَحَلَّ وَتَحْلِيل هَذَا مَا حَرَّمَ اللَّه وَتَحْرِيمه مَا أَحَلَّ ؟ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا مَعْرُوفَيْنِ , أَحَدُهُمَا مُؤْمِن , وَالْآخَر كَافِر . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيهِمَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَّا الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَاهُ اللَّه فَعُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; وَأَمَّا الَّذِي مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا : فَأَبُو جَهْل بْن هِشَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 0772 1 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَان بْن أَبِي هَوْذَة , عَنْ شُعَيْب السَّرَّاج , عَنْ أَبِي سِنَان عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } قَالَ : عُمَر بْن الْخَطَّاب { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } قَالَ : أَبُو جَهْل بْن هِشَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْمَيْت الَّذِي أَحْيَاهُ اللَّه عَمَّار بْن يَاسِر ; وَأَمَّا الَّذِي مَثَله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا : فَأَبُو جَهْل بْن هِشَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10773 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ بِشْر بْن تَيْم , عَنْ رَجُل , عَنْ عِكْرِمَة : { مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَمَّار بْن يَاسِر . 10774 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ بِشْر , عَنْ تَيْم , عَنْ عِكْرِمَة : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } عَمَّار بْن يَاسِر . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } أَبُو جَهْل بْن هِشَام . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي الْآيَة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10775 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } قَالَ : ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ , { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي لِلنَّاسِ } قَالَ : هُدًى , { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } قَالَ : فِي الضَّلَالَة أَبَدًا . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } هَدَيْنَاهُ , { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } فِي الضَّلَالَة أَبَدًا . 10776 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } قَالَ : ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ . 10777 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } يَعْنِي : مَنْ كَانَ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ , { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } يَعْنِي بِالنُّورِ : الْقُرْآن مَنْ صَدَّقَ بِهِ وَعَمِلَ بِهِ , { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } يَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ : الْكُفْر وَالضَّلَالَة . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } يَقُول : الْهُدَى يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس , يَقُول : فَهُوَ الْكَافِر يَهْدِيه اللَّه لِلْإِسْلَامِ , يَقُول : كَانَ مُشْرِكًا فَهَدَيْنَاهُ , { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } . 10778 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } هَذَا الْمُؤْمِن مَعَهُ مِنْ اللَّه نُور وَبَيِّنَة يَعْمَل بِهَا وَيَأْخُذ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي , كِتَاب اللَّه . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } وَهَذَا مَثَل الْكَافِر فِي الضَّلَالَة مُتَحَيِّر فِيهَا مُتَسَكِّع , لَا يَجِد مَخْرَجًا وَلَا مَنْفَذًا . 10779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } يَقُول : مَنْ كَانَ كَافِرًا فَجَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس وَهُوَ الْإِسْلَام , يَقُول : هَذَا كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَات , يَعْنِي الشِّرْك . 10780 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس } قَالَ : الْإِسْلَام الَّذِي هَدَاهُ اللَّه إِلَيْهِ . { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات } لَيْسَ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام . وَقَرَأَ : { اللَّه وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور } 2 257 قَالَ : وَالنُّور يَسْتَضِيء بِهِ مَا فِي بَيْته وَيُبْصِرهُ , وَكَذَلِكَ الَّذِي آتَاهُ اللَّه هَذَا النُّور يَسْتَضِيء بِهِ فِي دِينه وَيَعْمَل بِهِ فِي نُوره كَمَا يَسْتَضِيء صَاحِب هَذَا السِّرَاج . قَالَ : { كَمَنْ مَثَله فِي الظُّلُمَات } لَا يَدْرِي مَا يَأْتِي وَلَا مَا يَقَع عَلَيْهِ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَمَا خَذَلْت هَذَا الْكَافِر الَّذِي يُجَادِلُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله فِي أَكْل مَا حَرَّمْت عَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِم عَنْ الْحَقّ , فَزَيَّنْت لَهُ سُوء عَمَله , فَرَآهُ حَسَنًا لِيَسْتَحِقّ بِهِ مَا أَعْدَدْت لَهُ مِنْ أَلِيم الْعِقَاب , كَذَلِكَ زَيَّنْت لِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ عَلَى مِثْل مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَآيَاته مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّه , لِيَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ مَا لَهُمْ عِنْد رَبّهمْ مِنْ النَّكَال . وَفِي هَذَا أَوْضَحُ الْبَيَان عَلَى تَكْذِيب اللَّه الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّه فَوَّضَ الْأُمُور إِلَى خَلْقه فِي أَعْمَالهمْ فَلَا صُنْع لَهُ فِي أَفْعَالهمْ , وَأَنَّهُ قَدْ سَوَّى بَيْن جَمِيعهمْ فِي الْأَسْبَاب الَّتِي بِهَا يَصِلُونَ إِلَى الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا , لَكَانَ قَدْ زَيَّنَ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنْ الضَّلَالَة وَالْكُفْر نَظِيرَ مَا زَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِأَعْدَائِهِ وَأَهْل الْكُفْر بِهِ . وَزَيَّنَ لِأَهْلِ الْكُفْر بِهِ مِنْ الْإِيمَان بِهِ نَظِير الَّذِي زَيَّنَ مِنْهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ . وَفِي إِخْبَارِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ زَيَّنَ لِكُلِّ عَامِل مِنْهُمْ عَمَله مَا يُنْبِئ عَنْ تَزْيِين الْكُفْر وَالْفُسُوق وَالْعِصْيَان , وَخَصَّ أَعْدَاءَهُ وَأَهْل الْكُفْر بِتَزْيِينِ الْكُفْر لَهُمْ وَالْفُسُوق وَالْعِصْيَان , وَكَرَّهَ إِلَيْهِمْ الْإِيمَان بِهِ وَالطَّاعَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَمَا خَذَلْت هَذَا الْكَافِر الَّذِي يُجَادِلُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله فِي أَكْل مَا حَرَّمْت عَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِم عَنْ الْحَقّ , فَزَيَّنْت لَهُ سُوء عَمَله , فَرَآهُ حَسَنًا لِيَسْتَحِقّ بِهِ مَا أَعْدَدْت لَهُ مِنْ أَلِيم الْعِقَاب , كَذَلِكَ زَيَّنْت لِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ عَلَى مِثْل مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَآيَاته مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّه , لِيَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ مَا لَهُمْ عِنْد رَبّهمْ مِنْ النَّكَال . وَفِي هَذَا أَوْضَحُ الْبَيَان عَلَى تَكْذِيب اللَّه الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّه فَوَّضَ الْأُمُور إِلَى خَلْقه فِي أَعْمَالهمْ فَلَا صُنْع لَهُ فِي أَفْعَالهمْ , وَأَنَّهُ قَدْ سَوَّى بَيْن جَمِيعهمْ فِي الْأَسْبَاب الَّتِي بِهَا يَصِلُونَ إِلَى الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا , لَكَانَ قَدْ زَيَّنَ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنْ الضَّلَالَة وَالْكُفْر نَظِيرَ مَا زَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِأَعْدَائِهِ وَأَهْل الْكُفْر بِهِ . وَزَيَّنَ لِأَهْلِ الْكُفْر بِهِ مِنْ الْإِيمَان بِهِ نَظِير الَّذِي زَيَّنَ مِنْهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ . وَفِي إِخْبَارِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ زَيَّنَ لِكُلِّ عَامِل مِنْهُمْ عَمَله مَا يُنْبِئ عَنْ تَزْيِين الْكُفْر وَالْفُسُوق وَالْعِصْيَان , وَخَصَّ أَعْدَاءَهُ وَأَهْل الْكُفْر بِتَزْيِينِ الْكُفْر لَهُمْ وَالْفُسُوق وَالْعِصْيَان , وَكَرَّهَ إِلَيْهِمْ الْإِيمَان بِهِ وَالطَّاعَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أو من كان ميتا فأحييناه} قرأ الجمهور بفتح الواو، دخلت عليها همزة الاستفهام. وروى المسيبي عن نافع بن أبي نعيم { أو من كان} بإسكان الواو. قال النحاس : يجوز أن يكون محمولا على المعنى، أي انظروا وتدبروا أغير الله أبتغي حكما. { أو من كان ميتا فأحييناه} قيل : معناه كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح فيه؛ حكاه ابن بحر. وقال ابن عباس : أو من كان كافرا فهديناه. نزلت في حمزة بن عبدالمطلب وأبي جهل. وقال زيد بن أسلم والسدي { فأحييناه} عمر رضي الله عنه. { كمن مثله في الظلمات} أبو جهل لعنه الله. والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر. وقيل : كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم. وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ** فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم يحي بالعلم مـــيت ** فليس له حتى النشور نشور والنور عبارة عن الهدى والإيمان. وقال الحسن : القرآن. وقيل : الحكمة. وقيل : هو النور المذكور في قوله { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} [الحديد : 12]، وقوله { انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد : 13]. { يمشي به} أي بالنور { كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} أي كمن هو فمثل زائدة. تقول : أنا أكرم مثلك؛ أي أكرمك. ومثله { فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة : 95]، { ليس كمثله شيء} [الشورى : 11]. وقيل : المعنى كمن مثله ما قتل من هو في الظلمات. والمثل والمثل واحد. { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} أي زين لهم الشيطان عبادة الأصنام وأوهمهم أنهم أفضل من المسلمين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 120 - 123

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحق سبحانه وتعالى- كما عرفنا- يعرض بعض القضايا لا عرضاً إخبارياً منه، ولكن يعرضها باستفهام؛ لأنه- جل وعلا- عليم بأنه حين يأتي لك الاستفهام، ثم تدير ذهنك لتجيب فلن تجد إلا جواباً واحداً هو ما يريده الحق. إذن فالأسلوب أحياناً يكون أسلوباً خبرياً أو يكون استفهاماً بالإثبات أو استفهاماً بالنفي. وأقواها الاستفهام بالنفي. وحين يعرض سبحانه القضية التي نحن بصددها يوضح وهو العليم أنك إن أحببت أن تجيب فلن تجد إلا الجواب الذي يريده الحق.

إننا نجد في الآية الكريمة موتاً وحياة، وظلاماً ونوراً.

وما هي الحياة؟. الحياة هي وجود الكائن على حالة تمكنه من أداء مهمته المطلوبة منه، وما دام الشيء يكون على حالة يؤدي بها مهمته ففيه حياة، وأرقى مستوى للحياة هو ما تجتمع فيه الحركة والحس والفكر، وهذه الأمور توجد كلها في الإنسان. أمّا الحيوان ففيه حس وحركة وليس عنده فكر. غير أن الحيوان له غريزة أقوى من فكر الإنسان، فهو محكوم بالغريزة في أشياء وبالاختيار في أشياء، وليس لك في الغريزة عمل. لكن في مجال الاختيار لك عمل، تستطيع أن تعمله وتستطيع ألا تعمله.

إذن فالحياة هي أن يكون الكائن على حال يؤدي به مهمته المطلوبة منه. وعلى هذا الاعتبار ففي الإنسان حياة، وفي الحياة حياة، وفي النبات حياة، وفي الجماد حياة، وكلما تقدم العلم يثبت لنا حيوات أشياء كثيرة جداً كنا نظن ألا حياة فيها، وإن ظهر لنا في التفاعلات أن بعض الأشياء تتحول إلى أشياء أخرى، فعلى سبيل المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه، ورمينا عظامه، كانت فيها حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها، بدليل أنه حين يمر بعض من الزمن يتفتت العظم.

وكنا قديماً في الريف نحلب اللبن في أوعية من الفخار وتوضع في مراقد، ويستمر اللبن أسبوعاً في المرقد، ويكون أحلى في يومه عن أمسه. ويزداد اللبن حلاوة كل يوم، ثم تأخذ زوجة الفلاح قطعة القشطة الأخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم. أو الزُّبد لكن بعد أن غلينا اللبن نجده يفسد بعد عدة ساعات؛ لأنك حين وضعته في المرقد، أخذته بالحياة فيه فظلت فيه حيوية حياته، لكن حين غليته فقد قتلت ما فيه من الحياة، فإن لم تضعه في ثلاجة لابد من أن يتعفن، ومعنى التعفن أنه لم يعد يؤدي مهمته كلبن، وإنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتريا وغيرها، ولا يُذهب الحياة إلا الهلاك وهو ما قاله الحق:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ.. }
[القصص: 88]

إذن، لا تأخذ الميت على أنه شيء ليس فيه حياة، ولكنه انتقل إلى حياة ثانية.{ أوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ.. } [الأنعام: 122]

كأن للإنسان حياة في ذاته، ثم جعل الحق له نوراً يمشي به. كأن الحياة متنقلة في أشياء، ويحتاج الإنسان إلى حياة، ويحتاج إلى نور تتضح به مرائي الأشياء. وكانوا قديماً يعتقدون أن الإنسان يرى حين ينتقل شعاع من عينه إلى المرئي فيراه، إلى أن جاء العربي المسلم ابن الهيثم. وقال هذا رأي جانبه الصواب في قانون الضوء، وقال: إن الإنسان يرى؛ لأن شعاعاً من المرئي يصل إلى عين الرائي. بدليل أن المرئي إن كان في ضوء يدركه الإنسان، وإن كان في ظلمة لا يدركه الإنسان، ولو كانت الأشعة تخرج من عين الإنسان لرأى الأشياء سواء أكانت في نور أم في ظلمة، وتعدلت كل النظريات في الضوء على يد العالم المسلم، وجاءت من بعد ذلك الصور الفوتوغرافية والسينما. إذن فالنور وسيلة إلى المرئيات.

ويترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على الأقضية المعنوية؛ فالنور الحسيب الذي نراه إما ضوء الشمس وإما ضوء القمر، وإما ضوء المصباح، وإما غير ذلك، وهذا ما يجعل الإنسان يرى الأشياء، ومعنى رؤية الإنسان للأشياء أن يتعامل معها تعاملاً نفعياً غير ضار. ونحن نضيء المصباح بالكهرباء حين يغيب النور الطبيعي- نور الشمس- وعندما نضيء مصابيحنا نرى الأشياء ونتفاعل معها ولا نحطمها ولا تحطمنا، وكل واحد منا يأخذ من النور على قدر إمكاناته. إذن كل واحد يضيء المكان المظلم الذي اضطر إليه بغيبة المنير الطبيعي على حسب استطاعته، فإذا ظهرت الشمس أطفأنا جميعاً مصابيحنا؛ هذا دليل من أدلة الكون الحسيّة الملموسة لنأخذ منها دليلاً على أن الله إن فعل لقيمنا نورا فلا نأتي بقيم من عندنا، مادامت قيمُهُ موجودة.

ويوضح الله أن الإنسان بدون قيم هو ميت متحرك، ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية. ويوضح سبحانه لكل إنسان: احرص على الحياة الثانية الخالدة التي لا تنتهي وذلك لا يتأتى الا اتباع المنهج، وإياك أن تظن أن الحياة فقط هي ما تراه في هذا الوجود لأنه إن كانت هذه هي غاية الحياة لما أحس الإنسان بالسعادة؛ لأنه لو كانت الدنيا هي غايتنا للزم أن يكون حظنا من الدنيا جميعاً واحداً وأعمارنا واحدة، وحالاتنا واحدة، والاختلاف فيها طولاً وقصراً وحالاً دليل على أنها ليست الغاية؛ لأن غاية المتساوي لا بد أن تكون متساوية.

إذن فقول الله هو القول الفصل:
{  وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ.. }
[العنكبوت: 64]

فهذه هي الحياة التي لا تضيع منك ولا تضيع منها، ولا يفوتك خيرها ولا تفوته. إذن فالذي يحيا الحياة الحسية الأولى وهي الحركة بالنفخ في الروح هو ميت متحرك. { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ } [الأنعام: 122]

أي أنه سبحانه قد أعطى لمثل هذا العبد حياة خالدة ونوراً يمشي به، ولا يحطِّم ولا يتحطم.أما من يقول: إن الحياة بمعناها الدنيوي، لا تختلف عن الحياة في ضوء الإِيمان، لمثل هذا نقول: لا، ليس بينهما تساوٍ فهما مختلفان بدليل ان الحق يقول:
{  ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ }
[الأنفال 24]

فسبحانه يخاطبهم، وما دام يخاطبهم فهم أحياء بالقانون العادي، لكنه سبحانه أنزل لرسوله المنهج الذي يحيا به المؤمن حياة راقية، وافطنوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى أعطى ومنح الروح الأولى التي ينفخها في المادة فتتحرك وتحس بالحياة الدنيا، إنّه أعطاها المؤمن والكافر. ثم يأتي بروح ثانية تعطي حياة أبدية. ولذلك سمّي منهج الله لخلقه روحاً:
{  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا }
[الشورى: 52]

فالمنهج يعطي حياة خالدة.

إذن فقوله الحق: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } أي أَوَ من كان ضالاً فهديناه، أو من كان كافراً فجعلناه مؤمناً. ولنلحظ أن فيه " ميْتاً " بالتخفيف، وفيه ميّت بالتشديد. والميّت هو من يكون مآله الموت وإن كان حيًّا، فكل منا ميّت وإن كان حيَّا. ولكن الميْت هو من مات بالفعل وسلبت وأزهقت روحه. ولذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول له: (إنك ميّت).

أي تؤول إلى الموت وإن كنت حيًّا الآن. لأن كٌلاًّ من مستمر في الحياة إلى أن يتلبس بصفة الفناء، ويقول الحق: " فأحييناه " أي بالمنهج الذي يعطيه حياة ثانية، ولذلك سمّي القرآن روحاً، وسمّي من نزل بالقرآن روحاً أيضاً.

{ وجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ } ولماذا يمشي به في الناس فقط، وليس بين كل الأشياء؟؛ لأن الأشياء الأخرى من الممكن أن تحتاط أنت منها، ولكن كلمة الناس تعبر عن التفاعل الصعب لأنهم أصحاب أغيار. ويتابع الحق: { كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } وهذا تساؤل جوابه: لا، أي ليس كل منهما مساويا للآخر، مثلما نقول: هل يستوي الأعمى والبصير؟. والفطرة هنا تقول: لا، مثلما تؤكد الفطرة عدم استواء الظلمات والنور، أو الظل والحرور، وهنا يَأْمَنُنَا الله على الجواب؛ لأنه سبحانه - يعلم الأمر إذا طرح السؤال كسؤال وكاستفهام فلن نجد إلا جواباً واحداً هو ما يريد الحق أن يقوله خبراً.

ويذيل الحق الآية: { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [الأنعام: 122]

والمعنى هنا أي تركناهم عرضة لأن ينفعلوا للتزيين، ولم يحمهم الحق بالعصمة في اختيارهم؛ لأنه سبحانه قد ترك الاختيار حرًّا للإنسان:
{  فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }
[الكهف: 29]

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي.. }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ...} الآية. [122].
قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، وحمزة لم يؤمن بعد، فأُخْبِرَ حمزةُ بما فعل أبو جهل، وهو راجع من قَنْصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما جاء به: سفه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف آباءنا؟! قال حمزة: ومَنْ أَسَفْه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، قال: أخبرنا أبو محمد بن حيان، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب، والوليد بن أبان، قالا: حدَّثنا أبو حاتم، قال: حدَّثنا أبو تقي قال: حدَّثنا بقية بن الوليد، قال: حدَّثنا مُبَشِّر بن عُبيد عن زيد بن أسلم، في قوله عز وجل: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه { كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} قال: ابو جهل بن هشام.


www.alro7.net