سورة
اية:

يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { إذا السماء انفطرت} أي انشقت، كما قال تعالى: { السماء منفطر به} ، { وإذا الكواكب انتثرت} أي تساقطت، { وإذا البحار فجرت} قال ابن عباس: فجر اللّه بعضها في بعض، وقال الحسن: فجر اللّه بعضها في بعض فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها، وقال الكلبي: ملئت. { وإذا القبور بعثرت} قال ابن عباس: بحثت. وقال السدي: تبعثر - تحرك فيخرج من فيها، { علمت نفس ما قدمت وأخرت} أي إذا كان هذا حصل هذا، وقوله تعالى: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} ؟ هذا تهديد من اللّه للإنسان ـ (الكلام تهديد كما قال ابن كثير، وليس كما زعم بعضهم أنه إرشاد إلى الجواب حتى قالوا) ـ والمعنى: ما غرك يا ابن آدم { بربك الكريم} أي العظيم، حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: (يقول اللّه تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين)؟ وعن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} قال ابن عمر: غره واللّه جهله، وقال قتادة: ما غرّ ابن آدم غيرهذا العدو الشيطان، وقال الفضيل ابن عياض: لو قال لي: ما غرّك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم، لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقوله تعالى: { الذي خلقك فسواك فعدلك} أي جعلك سوياً مستقيماً معتدل القامة، منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال، روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بصق يوماً في كفه، فوضع عليها إصبعه ثم قال: (قال اللّه عزَّ وجلَّ: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي: قلت: أتصدق وأنّى أوان الصدقة؟) ""أخرجه أحمد وابن ماجه"". وقوله تعالى: { في أي صورة ما شاء ركبك} قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم، أو خال أوعم، وقال عكرمة في قوله تعالى: { في أي صورة ما شاء ركبك} إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير، وقال قتادة: قادر واللّه ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عندهم أن اللّه عزَّ وجلَّ قادر على خلق النطفة على شكل قبيح، من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه، يخلقه على شكل حسن مستقيم، معتدل تام حسن المنظر والهيئة، وقوله تعالى: { كلا بل تكذبون بالدين} أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب، وقوله تعالى: { وإن عليكم لحافظين . كراماً كاتبين . يعلمون ما تفعلون} يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراماً، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة اللّه الذين معكم الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره). وفي الحديث: (ما من حافظين يرفعان إلى اللّه عزَّ وجلَّ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة، وفي آخرها استغفاراً إلا قال اللّه تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة) ""أخرجه الحافظ البزار عن أنَس بن مالك مرفوعاً""، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن للّه ملائكة يعرفون بني آدم - وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم - فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة اللّه ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية اللّه ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان) ""أخرجه البزار أيضاً وفي سنده سلام المدائني ليّن الحديث"".

تفسير الجلالين

{ يعلمون ما تفعلون } جميعه.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } يَقُول : يَعْلَم هَؤُلَاءِ الْحَافِظُونَ مَا تَفْعَلُونَ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , يُحْصُونَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ .وَقَوْله : { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } يَقُول : يَعْلَم هَؤُلَاءِ الْحَافِظُونَ مَا تَفْعَلُونَ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , يُحْصُونَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإن عليكم لحافظين} أي رقباء من الملائكة { كراما} أي علي؛ كقوله { كرام بررة} [عبس : 16]. وهنا ثلاث مسائل : الأولى : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين : الخراءة أو الجماع، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم [حائط] أو بغيره، أو ليستره أخوه). وروي عن علي رضي الله عنه قال : (لا يزال الملك موليا عن العبد ما دام بادي العورة) وروي (إن العبد إذا دخل الحمام بغير مئزر لعنه ملكاه). الثانية : واختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟ فقال بعضهم : لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد؛ قال الله تعالى { يعرف المجرمون بسيماهم} [الرحمن : 41]. وقيل : بل عليهم حفظة؛ لقوله تعالى { كلا بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون} [الانفطار : 9 - 12]. وقال { وأما من أوتي كتابه بشماله} [الحاقة : 25] وقال { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} [الإنشقاق : 10]، فأخبر أن الكفار يكون لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة. فإن قيل : الذي على يمينه أي شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له : الذي يكتب عن شمال يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدا على ذلك وإن لم يكتب. والله أعلم. الثالثة : سئل سفيان : كيف تعلم الملائكة أن العبد قد هم بحسنة أو سيئة؟ قال : إذا هم العبد بحسنة وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة وجدوا منه ريح النتن. وقد مضى في [ق] قوله { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق : 18] زيادة بيان لمعنى هذه الآية. وقد كره العلماء الكلام عن الغائط والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك. وقد مضى في آخر [آل عمران] القول في هذا. وعن الحسن : يعلمون لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وقيل : يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم. والله أعلم.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي - صوتي

الإنفطار من اية 9 الى 19


www.alro7.net