سورة
اية:

قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ

تفسير بن كثير

{ والنازعات غرقاً} الملائكة حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: { والناشطات نشطاً} قال ابن عباس وغيره، وعنه { والنازعات} هي أنفس الكفّار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار ""رواه ابن أبي حاتم""، وقال مجاهد: { والنازعات غرقاً} : الموت. وقال الحسن وقتادة { والنازعات غرقاً . والناشطات نشطاً} هي النجوم، والصحيح الأول وعليه الأكثرون، أما قوله تعالى: { والسابحات سبحاً} فقال ابن مسعود: هي الملائكة، وقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء: هي السفن، وقوله تعالى { فالسابقات سبقاً} يعني الملائكة، قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق، وقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء: هي الخيل في سبيل اللّه، وقوله تعالى: { فالمدبرات أمراً} قال علي ومجاهد: هي الملائكة تدبر الأمر من السماء إلى الأرض، يعني بأمر ربها عزَّ وجلَّ، وقوله تعالى: { يوم ترجف الراجفة . تتبعها الرادفة} قال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية وهو قول مجاهد والحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم قال مجاهد: أما الأولى { يوم ترجف الراجفة} فكقوله جلَّت عظمته: { يوم ترجف الأرض والجبال} ، وأما الثانية وهي الرادفة، كقوله: { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} ، وفي الحديث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه) فقال رجل: يا رسول اللّه أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: (إذاً يكفيك اللّه ما أهمك من دنياك وآخرتك) ""رواه أحمد والترمذي""، ولفظ الترمذي: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: (يا أيها الناس اذكروا اللّه جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه). وقوله تعالى: { قلوب يومئذ واجفة} فقال ابن عباس: يعني خائفة { أبصارها خاشعة} أي أبصار أصحابها وإنما أضيفت إليها للملابسة، أي ذليلة حقيرة مما عانت من الأهوال. وقوله تعالى: { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة} يعني مشركي قريش، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى { الحافرة} وهي القبور قاله مجاهد وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها، ولهذا قالوا: { أئذا كنا عظاماً نخرة} وقرئ: ناخرة أي بالية، قال ابن عباس: وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه، { قالوا تلك إذاً كَرَّةٌ خاسرة} . وعن ابن عباس وقتادة: الحافرة الحياة بعد الموت، وقال ابن زيد: الحافرة النار، وما أكثر أسماءها! هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة، وأما قولهم: { تلك إذاً كَرَّةٌ خاسرة} فقال محمد بن كعب، قالت قريش: لئن أحيانا اللّه بعد أن نموت لنخسرن، قال اللّه تعالى: { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} أي فإنما هو من أمر اللّه لا مثنوية فيه ولا تأكيد فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عزَّ وجلَّ ينظرون، كما قال تعالى: { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} ، وقال تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} وقال تعالى: { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} قال مجاهد: { فإنما هي زجرة واحدة} صيحة واحدة، وأشد ما يكون الرب عزَّ وجلَّ غضباً على خلقه يوم يبعثهم، قال الحسن البصري: زجرة من الغضب، وقوله تعالى: { فإذا هم بالساهرة} قال ابن عباس: الساهرة الأرض كلها، وقال عكرمة والحسن: الساهرة وجه الأرض، قال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها، عن سهل بن سعد الساعدي { فإذا هم بالساهرة} قال: أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي ""رواه ابن أبي حاتم""، وقال الربيع بن أنَس: { فإذا هم بالساهرة} يقول اللّه عزَّ وجلَّ: { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا للّه الواحد القهار} ، ويقول تعالى: { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً . فيذرها قاعاً صفصفاً . لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} ، ويقول تعالى: { ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة} ، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهرق عليها دم.

تفسير الجلالين

{ قالوا تلك } أي رجعتنا إلى الحياة { إذا } إن صحت { كرة } رجعة { خاسرة } ذات خسران قال تعالى:

تفسير الطبري

قَالُوا { تِلْكَ إِذًا كَرَّة خَاسِرَة } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ قِيل هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ , قَالُوا : تِلْكَ , يَعْنُونَ تِلْكَ الرَّجْعَة , أَحْيَاء بَعْد الْمَمَات , إِذًا : يَعْنُونَ الْآن كَرَّة , يَعْنُونَ رَجْعَة خَاسِرَة , يَعْنُونَ غَابِنَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28068 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذًا كَرَّة خَاسِرَة } : أَيْ رَجْعَة خَاسِرَة . 28069 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا كَرَّة خَاسِرَة } . قَالَ : وَأَيّ كَرَّة أَخْسَر مِنْهَا , أُحْيُوا ثُمَّ صَارُوا إِلَى النَّار , فَكَانَتْ كَرَّة سُوء . قَالُوا { تِلْكَ إِذًا كَرَّة خَاسِرَة } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ قِيل هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ , قَالُوا : تِلْكَ , يَعْنُونَ تِلْكَ الرَّجْعَة , أَحْيَاء بَعْد الْمَمَات , إِذًا : يَعْنُونَ الْآن كَرَّة , يَعْنُونَ رَجْعَة خَاسِرَة , يَعْنُونَ غَابِنَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28068 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذًا كَرَّة خَاسِرَة } : أَيْ رَجْعَة خَاسِرَة . 28069 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا كَرَّة خَاسِرَة } . قَالَ : وَأَيّ كَرَّة أَخْسَر مِنْهَا , أُحْيُوا ثُمَّ صَارُوا إِلَى النَّار , فَكَانَتْ كَرَّة سُوء . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { والنازعات غرقا} أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، على أن القيامة حق. و { النازعات} : الملائكة التي تنزع أرواح الكفار؛ قاله علي رضي الله عنه، وكذا قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد : هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم. قال ابن مسعود : يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت كل شعرة، ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نزعا كالسفود ينزع من الصوف الرطب، يغرقها، أي يرجعها في أجسادهم، ثم ينزعها فهذا عمله بالكفار. وقاله ابن عباس. وقال سعيد بن جبير : نزعت أرواحهم، ثم غرقت، ثم حرقت؛ ثم قذف بها في النار. وقيل : يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرق. وقال السدي : و { النازعات} هي النفوس حين تغرق في الصدور. مجاهد : هي الموت ينزع النفوس. الحسن وقتادة : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق؛ أي تذهب، من قولهم : نزع إليه أي ذهب، أو من قولهم : نزعت الخيل أي جرت. { غرقا} أي إنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر. وقاله أبو عبيدة وابن كيسان والأخفش. وقيل : النازعات القسي تنزع بالسهام؛ قاله عطاء وعكرمة. و { غرقا} بمعنى إغراقا؛ وإغراق النازع في القوس أن يبلغ غاية المد، حتى ينتهي إلى النصل. يقال : أغرق في القوس أي استوفي مدها، وذلك بأن تنتهي إلى العقب الذي عند النصف الملفوف عليه. والاستغراق الاستيعاب. ويقال لقشرة البيضة الداخلة { غِرقِئ} . وقيل : هم الغزاة الرماة. قلت : هو والذي قبله سواء؛ لأنه إذا أقسم بالقسي فالمراد النازعون بها تعظيما لها؛ وهو مثل قوله تعالى { والعاديات ضبحا} [العاديات : 1] والله أعلم. وأراد بالإغراق : المبالغة في النزع وهو سائر في جميع وجوه تأويلها. وقيل : هي الوحش تنزع من الكلأ وتنفر. حكاه يحيى ابن سلام. ومعنى { غرقا} أي إبعادا في النزع. قوله تعالى { والناشطات نشطا} قال ابن عباس : يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير : إذا حل عنه. وحكى هذا القول الفراء ثم قال : والذي سمعت من العرب أن يقولوا أنشطت وكأنما أنشط من عقال. وربطها نشطها والرابط الناشط، وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نشطته، فأنت ناشط، وإذا حللته فقد أنشطته وأنت منشط. وعن ابن عباس أيضا : هي أنفس المؤمنين عند الموت تنشط للخروج؛ وذلك أنه ما من مؤمن [يحضره الموت] إلا وتعرض عليه الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعد الله له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشطة أن تخرج فتأتيهم. وعنه أيضا قال : يعني أنفس الكفار والمنافقين تنشط كما ينشط العقب، الذي يعقب به السهم. والعقب بالتحريك : العصب الذي تعمل منه الأوتار، الواحدة عقبة؛ تقول منه : عقب السهم والقدح والقوس عقبا : إذا لوى شيئا منه عليه. والنشط : الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة : عقدة يسهل أنحلالها إذا جذبت مثل عقدة التكة. وقال أبو زيد : نشطت الحجل أنشطة نشطا : عقدته بأنشوطة، وأنشطته أي حللته، وأنشطت الحبل أي مددته حتى ينحل. وقال الفراء : أنشط العقال أي حل، ونشط : أي ربط الحبل في يديه. وقال الليث : أنشطته بأنشوطة وأنشوطتين أي أوثقته، وأنشطت العقال : أي مددت أنشوطته فانحلت. قال : ويقال نشط بمعنى أنشط، لغتان بمعنى؛ وعليه يصح قول ابن عباس المذكور أولا. وعنه أيضا : الناشطات الملائكة لنشاطها، تذهب وتجيء بأمر الله حيثما كان. وعنه أيضا وعن علي رضي الله عنهما : هي الملائكة تنشط أرواح الكفار، ما بين الجلد والأظفار، حتى تخرجها من أجوافهم نشطا بالكرب والغم، كما تنشط الصوف من سفود الحديد، وهي من النشط بمعنى الجذب؛ يقال : نشطت الدلو أنشطها بالكسر، وأنشطها بالضم : أي نزعتها. قال الأصمعي : بئر أنشاط : أي قريبة القعر، تخرج الدلو منها بجذبة واحدة. وبئر نشوط؛ قال : وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى تنشط كثيرا. وقال مجاهد : هو الموت ينشط نفس الإنسان. السدي : هي النفوس حين تنشط من القدمين. وقيل : النازعات : أيدي الغزاة أو أنفسهم، تنزع القسي بإغراق السهام، وهي التي تنشط الأوهاق. عكرمة وعطاء : هي الأوهاق تنشط السهام. وعن عطاء أيضا وقتادة والحسن والأخفش : هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق : أي تذهب. وكذا في الصحاح. { والناشطات نشطا} يمني النجوم من برج إلى برج، كالثور الناشط من بلد إلى بلد. والهموم تنشط بصاحبها؛ قال هميان بن قحافة : أمست همومي تنشط المناشطا ** الشام بي طورا وطورا واسطا أبو عبيدة وعطاء أيضا : الناشطات : هي الوحش حين تنشط من بلد إلى بلد، كما أن الهموم تنشط الإنسان من بلد إلى بلد؛ وأنشد قول هميان : أمست همومي... البيت. وقيل { والنازعات} للكافرين { والناشطات} للمؤمنين، فالملائكة يجذبون روح المؤمن برفق، والنزع جذب : شدة، والنشط جذب برفق. وقيل : هما جميعا للكفار والآيتان بعدهما للمؤمنين عند فراق الدنيا. قوله تعالى { والسابحات سبحا} قال علي رضي الله عنه : هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين. الكلبي : هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين، كالذي يسبح في الماء، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع، يسلونها سلا رفيقا بسهولة، ثم يدعونها حتى تستريح. وقال مجاهد وأبو صالح : هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأم الله، كما يقال للفرس الجواد سابح : إذا أسرع في جريه. وعن مجاهد أيضا : الملائكة تسبح في نزولها وصعودها. وعنه أيضا : السابحات : الموت يسبح في أنفس بني آدم. وقيل : هي الخيل الغزاة؛ قال عنترة : والخيل تعلم حين تسـ ** ـبح في حياض الموت سبحا وقال امرؤ القيس : مسح إذا ما السابحات على الونى ** أثرن غبارا بالكديد المركل قتادة والحسن : هي النجوم تسبح في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر؛ قال الله تعالى { كل في فلك يسبحون} . عطاء : هي السفن تسبح في الماء. ابن عباس : السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج. قوله تعالى { فالسابقات سبقا} قال علي رضي الله عنه : هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام. وقاله مسروق ومجاهد. وعن مجاهد أيضا وأبي روق : هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقيل : تسبق بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه. وعن مجاهد أيضا : الموت يسبق الإنسان. مقاتل : هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. ابن مسعود : هي أنفس المؤمنين تسبق، إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت السرور، شوقا إلى لقاء الله تعالى ورحمته. ونحو عن الربيع، قال : هي النفوس تسبق بالخروج عند الموت. وقال قتادة والحسن ومعمر : هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. عطاء : هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد. وقيل : يحتمل أن تكون السابقات ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار؛ قال الماوردي. وقال الجرجاني : ذكر { فالسابقات} بالفاء لأنها مشتقة من التي قبلها؛ أي واللائي يسبحن فيسبقن، تقول : قام فذهب؛ فهذا يوجب أن يكون القيام سببا للذهاب، ولو قلت : قام وذهب، لم يكن القيام سببا للذهاب. قوله تعالى { فالمدبرات أمرا} قال القشيري : أجمعوا على أن المراد الملائكة. وقال الماوردي : فيه قولان : أحدهما الملائكة؛ قال الجمهور. والقول الثاني هي الكواكب السبعة. حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. وفي تدبيرها الأمر وجهان : أحدهما تدبير طلوعها وأفولها. الثاني تدبيرها ما قضاه الله تعالى فيها من تقلب الأحوال. وحكى هذا القول أيضا القشيري في تفسيره، وأن الله تعالى علق كثيرا من تدبير أم العالم بحركات النجوم، فأضيف التدبير إليها وإن كان من الله، كما يسمى الشيء باسم ما يجاوره. وعلى أن المراد بالمدبرات الملائكة، فتدبيرها نزولها بالحلال والحرام وتفصيله؛ قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. وهو إلى الله جل ثناؤه، ولكن لما نزلت الملائكة به سميت بذلك؛ كما قال عز وجل { نزل به الروح الأمين} [الشعراء : 193]. وكما قال تعالى { فإنه نزله على قلبك} [البقرة : 97]. يعني جبريل نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل هو الذي أنزل. وروى عطاء عن ابن عباس { فالمدبرات أمرا} : الملائكة وكلت بتدبير أحوال الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك. قال عبدالرحمن بن ساباط : تدبير أمر الدنيا إلى أربعة؛ جبريل وميكائيل وملك الموت واسمه عزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس في البر والبحر، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وليس من الملائكة أقرب من إسرافيل، وبينه وبين العرش مسيرة خمسمائة عام. وقيل : أي وكلوا بأمور عرفهم الله بها. ومن أول السورة إلى هنا قسم أقسم الله به، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك إلا به عز وجل. وجواب القسم مضمر، كأنه قال : والنازعات وكذا وكذا لتبعثن ولتحاسبن. أضمر لمعرفة السامعين بالمعنى؛ قاله الفراء. ويدل عليه قوله تعالى { أئذا كنا عظاما نخرة} ألست ترى أنه كالجواب لقولهم { أئذا كنا عظاما نخرة} نبعث؟ فاكتفى بقول { أئذا كنا عظاما نخرة} ؟ وقال قوم : وقع القسم على قوله { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [النازعات : 26] وهذا اختيار الترمذي بن علي. أي فيما قصصت من ذكر يوم القيامة وذكر موسى وفرعون { لعبرة لمن يخشى} ولكن وقع القسم على ما في السورة مذكورا ظاهرا بارزا أحرى وأقمن من أن يؤتي بشيء ليس بمذكور فيما قال ابن الأنباري : وهذا قبيح، لأن الكلام قد طال فيما بينهما. وقيل : جواب القسم { هل أتاك حديث موسى} لأن المعنى قد أتاك. وقيل : الجواب { يوم ترجف الراجفة} على تقدير ليوم ترجف، فحذف اللام. وقيل : فيه تقديم وتأخير، وتقديره يوم ترجف الراجفة وتتبعها الرادفة والنازعات غرقا. وقال السجستاني : يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير، كأنه قال : فإذا هم بالساهرة والنازعات. ابن الأنباري : وهذا خطأ؛ لأن الفاء لا يفتح بها الكلام، والأول الوجه. وقيل : إنما وقع القسم على أن قلوب أهل النار تجف، وأبصارهم تخشع، فانتصاب { يوم ترجف الراجفة} على هذا المعنى، ولكن لم يقع عليه. قال الزجاج : أي قلوب واجفة يوم ترجف، وقيل : انتصب بإضمار اذكر و { ترجف} أي تضطرب. والراجفة : أي المضطربة كذا قال عبدالرحمن بن زيد؛ قال : هي الأرض، والرادفة الساعة. مجاهد : الراجفة الزلزلة { تتبعها الرادفة} الصيحة. وعنه أيضا وابن عباس والحسن وقتادة : هما الصيحتان. أي النفختان. أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (بينهما أربعون سنة) وقال مجاهد أيضا : الرادفة حين تنشق السماء وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة، وذلك بعد الزلزلة. وقيل : الراجفة تحرك الأرض، والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين . فالله أعلم. وقد مضى في آخر النمل ما فيه كفاية في النفخ في الصور. وأصل الرجفة الحركة، قال الله تعالى { يوم ترجف الأرض} وليست الرجفة ههنا من الحركة فقظ، بل من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا : أي أظهر الصوت والحركة، ومنه سميت الأراجيف، لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس فيها؛ قال : أبالأراجيف يا ابن اللؤم توعدني ** وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ربع الليل قام ثم قال : (يا أيها الناس أذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه). { قلوب يومئذ واجفة} أي خائفة وجلة؛ قاله ابن عباس وعليه عامة المفسرين. وقال السدي : زائلة عن أماكنها. نظيره { إذ القلوب لدى الحناجر} [غافر : 18]. وقال المؤرج : قلقة مستوفزة، مرتكضة غير ساكنة. وقال المبرد : مضطربة. والمعنى متقارب، والمراد قلوب الكفار؛ يقال وجف القلب يجف وجيفا إذا خفق، كما يقال : وجب يجب وجيبا، ومنه وجيف الفرس والناقة في العدو، والإيجاف حمل الدابة على السير السريع، قال : بدلن بعد جرة صريفا ** وبعد طول النفس الوجيفا و { قلوب} رفع بالابتداء و { واجفة} صفتها. و { أبصارها خاشعة} خبرها؛ مثل قول { ولعبد مؤمن خير من مشرك} [البقرة : 221]. ومعنى { خاشعة} منكسرة ذليلة من هول ما ترى. نظيره { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة} [القلم : 43]. والمعنى أبصار أصحابها، فحذف المضاف. { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة} أي يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث، إذا قيل لهم إنكم تبعثون، قالوا منكرين متعجبين : أنرد بعد موتنا إلى أول الأم، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم { أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} يقال : رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته، أي رجع من حيث جاء؛ قال قتادة. وأنشد ابن الأعرابي : أحافرة على صلع وشيب ** معاذ الله من سفه وعار يقول : أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت! ويقال : رجع على حافرته : أي الطريق الذي جاء منه. وقولهم في المثل : النقد عند الحافرة. قال يعقوب : أي عند أول كلمة. ويقال : ألتقي القوم فاقتتلوا عند الحافرة. أي عند أول ما التقوا. وقيل : الحافرة العاجلة؛ أي أئنا لمردودون إلى الدنيا فنصبر أحياء كما كنا؟ قال الشاعر : آليت لا أنساكم فاعلموا ** حتى يرد الناس في الحافرة وقيل : الحافرة : الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فهي بمعنى المحفورة؛ كقوله تعالى { ماء دافق} و { عيشة راضية} . والمعنى أئنا لمردودون في قبورنا أحياء. قال مجاهد والخليل والفراء. وقيل : سميت الأرض الحافرة؛ لأنها مستقر الحوافر، كما سميت القدم أرضا؛ لأنها على الأرض. والمعنى أئنا لراجعون بعد الموت إلى الأرض فنمشي على أقدامنا. وقال ابن زيد : الحافرة : النار، وقرأ { تلك إذا كرة خاسرة} . وقال مقاتل وزيد بن أسلم : هي اسم من أسماء النار. وقال ابن عباس : الحافرة في كلام العرب : الدنيا. وقرأ أبو حيوة { الحفرة} بغير ألف، مقصور من الحافر. وقيل : الحفرة : الأرض المنتنة بأجساد موتاها؛ من قولهم : حفرت أسنانه، إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها. يقال : في أسنانه حفر، وقد حفرت تحفر حفرا، مثل كسر يكسر كسرا إذا فسدت أصولها. وبنو أسد يقولون : في أسنانه حفر بالتحريك. وقد حفرت مثال تعب تعبا، وهي أردأ اللغتين؛ قاله في الصحاح. قوله تعالى { أئذا كنا عظاما نخرة} أي بالية متفتتة. يقال : نخر العظم بالكسر : أي بلي وتفتت؛ يقال : عظام نخرة. وكذا قرأ الجمهور من أهل المدينة ومكة والشام والبصرة، واختاره أبو عبيد؛ لأن الآثار التي تذكر فيها العظام، نظرنا فيها فرأينا نخرة لا ناخرة. وقرأ أبو عمرو وابنه عبدالله وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وحمزة والكسائي وأبو بكر { ناخرة} بألف، واختاره الفراء والطبري وأبو معاذ النحوي؛ لوفاق رؤوس الآي. وفي الصحاح : والناخر من العظام التي تدخل الريح فيه ثم تخرج منه ولها نخير. ويقال : ما بها ناخر، أي ما بها أحد. حكاه يعقوب عن الباهلي. وقال أبو عمرو بن العلاء : الناخرة التي لم تنخر بعد، أي لم تبل ولا بد أن تنخر. وقيل : الناخر المجوفة. وقيل : هما لغتان بمعنى؛ كذلك تقول العرب : نخر الشيء فهو نخر وناخر؛ كقولهم : طمع فهو طمع وطامع، وحذر وحاذر، وبخل وباخل، وفره وفاره؛ قال الشاعر : يظل بها الشيخ الذي كان بادنا ** يدب على عوج له نخرات عوج : يعني قوائم. وفي بعض التفسير : ناخرة بالألف : بالية، ونخرة : تنخر فيها الريح أي تمر فيها، على عكس الأول؛ قال : من بعد ما صرت عظاما ناخره وقال بعضهم : الناخرة : التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها. والنخرة : التي فسدت كلها. قال مجاهد : نخرة أي مرفوتة؛ كما قال تعالى { عظاما ورفاتا} ونخرة الريح بالضم : شدة هبوبها. والنخرة أيضا والنخرة مثال الهمزة : مقدم أنف الفرس والحمار والخنزير؛ يقال : هشم نخرته : أي أنفه. { قالوا تلك إذا كرة خاسرة} أي رجعة خائبة، كاذبة باطلة، أي ليست كائبة؛ قاله الحسن وغيره. الربيع بن أنس { خاسرة} على من كذب بها. وقيل : أي هي كرة خسران. والمعنى أهلها خاسرون؛ كما يقال : تجارة رابحة أي يربح صاحبها. ولا شيء أخسر من كرة تقتضي المصير إلى النار. وقال قتادة ومحمد بن كعب : أي لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنحشرن بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار. والكر : الرجوع؛ يقال : كرة، وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. والكرة : المرة، والجمع الكرات. قوله تعالى { فإنما هي زجرة واحدة} ذكر جل ثناؤه سهولة البعث عليه فقال { فإنما هي زجرة واحدة} . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : نفخة واحدة { فإذا هم} أي الخلائق أجمعون { بالساهرة} أي على وجه الأرض، بعد ما كانوا في بطنها. قال الفراء : سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم. والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، بمعنى ذات سهو؛ لأنه يسهر فيها خوفا منها، فوصفها بصفة ما فيها؛ واستدل ابن عباس والمفسرون بقول أمية ابن أبي الصلت : وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحر ** وما فاهوا به لهم مقيم وقال آخر يوم ذي قار لفرسه : أقدم محاج إنها الأساوره ** ولا يهولنك رجل نادره فإنما قصرك ترب الساهره ** ثم تعود بعدها في الحافره من بعد ما صرت عظاما ناخره وفي الصحاح. ويقال : الساهور : ظل الساهرة، وهي وجه الأرض. ومنه قوله تعالى { فإذا هم بالساهرة} ، قال أبو كبير الهذلي : يرتدن ساهرة كان جميمها ** وعميمها أسداف ليل مظلم ويقال : الساهور : كالغلاف للقمر يدخل فيه إذا كسف، وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت : قمر وساهور يسل ويغمد وأنشدوا الآخر في وصف امرأة : كأنها عرق سام عند ضاربه ** أو شقة خرجت من جوف ساهور يريد شقة القمر. وقيل : الساهرة : هي الأرض البيضاء. وروى الضحاك عن ابن عباس قال : أرض من فضة لم يعص الله جل ثناؤه عليها قط خلقها حينئذ. وقيل : أرض جددها الله يوم القيامة. وقيل : الساهرة اسم الأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض. وقال الثوري : الساهرة : أرض الشام. وهب بن منبه : جبل بيت المقدس. عثمان بن أبي العاتكة : إنه اسم مكان من الأرض بعينه، بالشام، وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان يمده الله كيف يشاء. قتادة : هي جهنم أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم. وإنما قيل لها ساهرة؛ لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. وقيل : الساهرة : بمعنى الصحراء على شفير جهنم؛ أي يوقفون بأرض القيامة، فيدوم السهر حينئذ. ويقال : الساهرة : الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك، لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة : جارية الماء، وفي ضدها : نائمة؛ قال الأشعث بن قيس : وساهرة يضحي السراب مجللا ** لأقطارها قد جئتها متلثما أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي - صوتي

النازعات من اية 9 الى 17


www.alro7.net