سورة
اية:

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

ينبّه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات. نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله اللّه تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله كقوله: { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين} ولهذا قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} أي لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن اللّه ويفهمون حججه. وقوله: { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه} لما نبه تعالى على معالم السماء نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها وما فيها من المنافع والخواص { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} أي آلاء اللّه ونعمه فيشكرونها.

تفسير الجلالين

{ وسخَّر لكم الليل والنهار والشمس } بالنصب عطفاً على ما قبله والرفع مبتدأ { والقمر والنجوم } بالوجهين { مسخرات } بالنصب حال والرفع خبر { بأمره } بإرادته { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } يتدبرون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ نِعَمه عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس مَعَ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْل أَنْ سَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْكُمْ , هَذَا لِتَصَرُّفِكُمْ فِي مَعَاشكُمْ وَهَذَا لِسَكَنِكُمْ فِيهِ { وَالشَّمْس وَالْقَمَر } لِمَعْرِفَةِ أَوْقَات أَزْمِنَتكُمْ وَشُهُوركُمْ وَسِنِينِكُمْ وَصَلَاح مَعَايِشكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ نِعَمه عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس مَعَ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْل أَنْ سَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْكُمْ , هَذَا لِتَصَرُّفِكُمْ فِي مَعَاشكُمْ وَهَذَا لِسَكَنِكُمْ فِيهِ { وَالشَّمْس وَالْقَمَر } لِمَعْرِفَةِ أَوْقَات أَزْمِنَتكُمْ وَشُهُوركُمْ وَسِنِينِكُمْ وَصَلَاح مَعَايِشكُمْ .' { وَالنُّجُوم مُسَخَّرَات } لَكُمْ بِأَمْرِ اللَّه تَجْرِي فِي فَلَكهَا لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر . { وَالنُّجُوم مُسَخَّرَات } لَكُمْ بِأَمْرِ اللَّه تَجْرِي فِي فَلَكهَا لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر .' { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِي تَسْخِير اللَّه ذَلِكَ عَلَى مَا سَخَّرَهُ لَدَلَالَات وَاضِحَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ حُجَج اللَّه وَيَفْهَمُونَ عَنْهُ تَنْبِيهه إِيَّاهُمْ . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِي تَسْخِير اللَّه ذَلِكَ عَلَى مَا سَخَّرَهُ لَدَلَالَات وَاضِحَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ حُجَج اللَّه وَيَفْهَمُونَ عَنْهُ تَنْبِيهه إِيَّاهُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وسخر لكم الليل والنهار} أي للسكون والأعمال؛ كما قال { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} [القصص : 73]. { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات. وقرأ ابن عامر وأهل الشام { والشمس والقمر والنجوم مسخرات} بالرفع على الابتداء والخبر. الباقون بالنصب عطفا على ما قبله. وقرأ حفص عن عاصم برفع { والنجوم} ، { مسخرات} خبره. وقرئ { والشمس والقمر والنجوم} بالنصب. { مسخرات} بالرفع، وهو خبر ابتداء محذوف أي في مسخرات، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة؛ كقوله { وهو الحق مصدقا} [البقرة : 91]. { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} أي يعقلون عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 8 - 12


سورة النحل الايات 12 - 15

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونعلم أن الليل والنهار آيتان واضحتان؛ والليل يناسبه القمر، والنهار تناسبه الشمس، وهم جميعاً متعلقون بفعل واحد، وهم نسق واحد، والتسخير يعني قَهْر مخلوق لمخلوق؛ لِيُؤدِّي كُلٌّ مهمته. وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر؛ كُلٌّ له مهمة، فالليل مُهِمته الراحة.

قال الحق سبحانه:
{  وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[القصص: 73].

والنهار له مهمة أنْ تكدحَ في الأرض لتبتغي رِزْقاً من الله وفَضْلاً، والشمس جعلها مصدراً للطاقة والدِّفْء، وهي تعطيك دون أنْ تسألَ، ولا تستطيع هي أيضاً أن تمتنعَ عن عطاء قَدَّره الله.

وهي ليست مِلْكاً لأحد غير الله؛ بل هي من نظام الكون الذي لم يجعل الحق سبحانه لأحد قدرةً عليه، حتى لا يتحكَّم أحدٌ في أحدٍ، وكذلك القمر جعل له الحق مهمة أخرى.

وإياك أنْ تتوهَم أن هناك مهمة تعارض مهمة أخرى، بل هي مهام متكاملة. والحق سبحانه هو القائل:
{  وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ }
[الليل: 1-4].

أي: أن الليل والنهار وإنْ تقابلا فليسَا متعارضين؛ كما أن الذكر والأنثى يتقابلان لا لتتعارض مهمة كل منهما بل لتتكامل.

ويضرب الحق سبحانه المثل لِيُوضّح لنا هذا التكامل فيقول:
{  قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ }
[القصص: 72].

وأيُّ إنسان إنْ سهر يومين متتابعين لا يستطيع أنْ يقاومَ النوم؛ وإن أدَّى مهمة في هذين اليومين؛ فقد يحتاج لراحة من بعد ذلك تمتدُّ أسبوعاً؛ ولذلك قال الله:
{  وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً }
[النبأ: 10-11].

والإنسان إذا ما صلَّى العشاء وذهب إلى فراشه سيستيقظ حَتْماً قبل الفجر وهو في قِمّة النشاط؛ بعد أنْ قضى ليلاً مريحاً في سُبَاتٍ عميق؛ لا قلقَ فيه.

ولكن الإنسان في بلادنا استورد من الغرب حثالة الحضارة من أجهزة تجعله يقضي الليل ساهراً، ليتابع التليفزيون أو أفلام الفيديو أو القنوات الفضائية، فيقوم في الصباح مُنْهكاً، رغم أن أهل تلك البلاد التي قدَّمتْ تلك المخترعات؛ نجدهم وهم يستخدمون تلك المخترعات يضعونها في موضعها الصحيح، وفي وقتها المناسب؛ لذلك نجدهم ينامون مُبكِّرين، ليستيقظوا في الفجر بهمَّة ونشاط.

ويبدأ الحق سبحانه جملة جديدة تقول:

{ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ.. } [النحل: 12].

نلحظ أنه لم يَأْتِ بالنجوم معطوفةً على ما قبلها، بل خَصَّها الحق سبحانه بجملة جديدة على الرغم من أنها أقلُّ الأجرام، وقد لا نتبيَّنها لكثرتها وتعدُّد مواقعها ولكِنَّا نجد الحق يُقسِم بها فهو القائل:
{  فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }
[الواقعة: 75-76].

فكلُّ نجم من تلك النجوم البعيدة له مُهمة، وإذا كنتَ أنت في حياتك اليومية حين ينطفيء النور تذهب لترى: ماذا حدث في صندوق الأكباس الذي في منزلك؛ ولكنك لا تعرف كيف تأتيك الكهرباء إلى منزلك، وكيف تقدَّم العلم ليصنعَ لك المصباح الكهربائي.وكيف مدَّتْ الدولة الكهرباء من مواقع توليدها إلى بيتك.

وإذا كنتَ تجهل ما خَلْف الأثر الواحد الذي يصلك في منزلك، فما بالك بقول الحق سبحانه:
{  فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ }
[الواقعة: 75].

وهو القائل:
{  وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }
[النحل: 16].

وقد خصَّها الحق سبحانه هنا بجملة جديدة مستقلة أعاد فيها خبر التسخير، ذلك أن لكلٍّ منها منازلَ، وهي كثيرة على العَدِّ والإحصاء، وبعضها بعيد لا يصلنا ضوؤه إلا بعد ملايين السنين.

وقد خصَّها الحق سبحانه بهذا الخبر من التسخير حتى نتبينَ أن لله سراً في كل ما خلق بين السماء والأرض.

ويريد لنا أن نلتفتَ إلى أن تركيبات الأشياء التي تنفعنا مواجهةً وراءها أشياء أخرى تخدمها.

ونجد الحق سبحانه وهو يُذيِّل الآية الكريمة بقوله:

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [النحل: 12].

ونعلم أن الآيات هي الأمورُ العجيبة التي يجب ألاَّ يمرَّ عليها الإنسان مراً مُعرِضاً؛ بل عليه أنْ يتأملَها، ففي هذا التأمل فائدة له؛ ويمكنه أنْ يستنبطَ منها المجاهيل التي تُنعِّم البشر وتُسعِدهم.

وكلمة { يَعْقِلُونَ } تعني إعمالَ العقل، ونعلم أن للعقل تركيبةً خاصة؛ وهو يستنبط من المُحسّات الأمورَ المعنوية، وبهذا يأخذ من الملوم نتيجةً كانت مجهولةً بالنسبة له؛ فيَسعد بها ويُسعد بها مَنْ حوله، ثم يجعل من هذا المجهول مقدمةً يصل بها إلى نتيجة جديدة.

وهكذا يستنبط الإنسان من أسرار الكون ما شاء له الله أنْ يستنبطَ ويكتشف من أسرار الكون.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي.... }.


www.alro7.net