سورة
اية:

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ

تفسير بن كثير

هذا مثل أريد به أهل مكة؟ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمناً لا يخاف، كما قال تعالى: { أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} ، وهكذا قال هاهنا: { يأتيها رزقها رغدا} ، أي هنيئاً سهلاً، { من كل مكان فكفرت بأنعم الله} أي جحدت آلاء اللّه عليها وأعظمها بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم إليهم، كما قال تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة اللّه كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} ولهذا بدلهم اللّه بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: { فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف} أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغداً من كل مكان، وذلك أنهم استعصوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز، وهو وبر يخلط بدمه إذا نحروه. وقوله: { والخوف} وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفاً من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال، حتى فتحها اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم الذي بعثه اللّه فيهم منهم وامتن عليهم في قوله: { لقد منّ اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} الآية. وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة والزهري رحمهم اللّه.

تفسير الجلالين

{ ولقد جاءهم رسول منهم } محمد صلى الله عليه وسلم { فكذبوه فأخذهم العذاب } الجوع والخوف { وهم ظالمون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُول مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَاب وَهُمْ ظَالِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ جَاءَ أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة الَّتِي وَصَفَ اللَّه صِفَتهَا فِي هَذِهِ الْآيَة الَّتِي قَبْل هَذِهِ الْآيَة { رَسُول مِنْهُمْ } يَقُول : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ , يَقُول : مِنْ أَنْفُسهمْ يَعْرِفُونَهُ وَيَعْرِفُونَ نَسَبه وَصِدْق لَهْجَته , يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم . { فَكَذَّبُوهُ } وَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه . { فَأَخَذَهُمْ الْعَذَاب } وَذَلِكَ لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف مَكَان الْأَمْن وَالطُّمَأْنِينَة وَالرِّزْق الْوَاسِع الَّذِي كَانَ قَبْل ذَلِكَ يَرْزُقُونَهُ , وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ . { وَهُمْ ظَالِمُونَ } يَقُول : وَهُمْ مُشْرِكُونَ , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَتَلَ عُظَمَاءَهُمْ يَوْم بَدْر بِالسَّيْفِ عَلَى الشِّرْك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُول مِنْهُمْ } إِي وَاَللَّه , يَعْرِفُونَ نَسَبه وَأَمْره . { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَاب وَهُمْ ظَالِمُونَ } , فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِالْجُوعِ وَالْخَوْف وَالْقَتْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُول مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَاب وَهُمْ ظَالِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ جَاءَ أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة الَّتِي وَصَفَ اللَّه صِفَتهَا فِي هَذِهِ الْآيَة الَّتِي قَبْل هَذِهِ الْآيَة { رَسُول مِنْهُمْ } يَقُول : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ , يَقُول : مِنْ أَنْفُسهمْ يَعْرِفُونَهُ وَيَعْرِفُونَ نَسَبه وَصِدْق لَهْجَته , يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم . { فَكَذَّبُوهُ } وَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه . { فَأَخَذَهُمْ الْعَذَاب } وَذَلِكَ لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف مَكَان الْأَمْن وَالطُّمَأْنِينَة وَالرِّزْق الْوَاسِع الَّذِي كَانَ قَبْل ذَلِكَ يَرْزُقُونَهُ , وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ . { وَهُمْ ظَالِمُونَ } يَقُول : وَهُمْ مُشْرِكُونَ , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَتَلَ عُظَمَاءَهُمْ يَوْم بَدْر بِالسَّيْفِ عَلَى الشِّرْك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُول مِنْهُمْ } إِي وَاَللَّه , يَعْرِفُونَ نَسَبه وَأَمْره . { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَاب وَهُمْ ظَالِمُونَ } , فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِالْجُوعِ وَالْخَوْف وَالْقَتْل . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه} هذا يدل على أنها مكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. { فأخذهم العذاب} وهو الجوع الذي وقع بمكة. وقيل : الشدائد والجوع منها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 112 - 119

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

رأينا كيف كانت النعمة تامة على أهل مكة، وقد تمثلت هذه النعمة في كَوْنها آمنة مطمئنة، وهذه نعمة مادية يحفظ الله بها القالب الإنساني، لكنه ما يزال في حاجة إلى ما يحفظ قِيَمه وأخلاقه.

وهذه هي نعمة النعم، وقد امتنَّ الله عليهم بها حينما أرسل فيهم رسولاً منهم، فما فائدة النعم المادية في بلد مهزوزة القيم، مُنْحلة الأخلاق، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُقوِّم ما اعوجّ من سلوكهم، ويُصلح ما فسد من قِيَمهِم ومبادئهم.

وقوله: { مِّنْهُمْ... } [النحل: 113].

أي: من جنسهم، وليس غريباً عنهم، وليس من مُطْلق العرب، بل من قريش أفضل العرب وأوسطها.

يقول تعالى: { فَكَذَّبُوهُ.. } [النحل: 113].

وكان المفترض فيهم أن يستقبلوه بما علموا عنه من صفات الخير والكمال، وبما اشتهر به بينهم من الصدق والأمانة، ولكنهم كما كفروا بالنعم المادية كفروا أيضاً بالنعم القيمية متمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: { فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ.. } [النحل: 113].

مَنِ الذي أخذهم؟

لم تقُلْ الآية: أخذهم الله بالعذاب، بل: أخذهم العذاب، كأن العذابَ نفسه يشتاق لهم، وينقضُّ عليهم، ويسارع لأخذهم، ففي الآية تشخيص يُوحي بشدة عذابهم.

كما قال تعالى في آية أخرى:
{  يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }
[ق: 30].

ثم يقول تعالى: { فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ... }.


www.alro7.net