سورة
اية:

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضاً أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} الآية، وقال تعالى: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} ، وقال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين} الآية. وقال ورقة بن نوفل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلاَّ عودي) ""هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه في باب بدء الوحي""، والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء قبحهم اللّه ولعنهم، قال عبد الرزاق عن قتادة في قوله { شياطين الإنس والجن} قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يوماً يصلي فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن) فقال: أو إن من الإنس شياطين؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (نعم) ""قال ابن كثير: هذا منقطع بين قتادة وأبي ذر"". وقال ابن جرير عن أبي ذر قال: أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس قال، فقال: (يا أبا ذر هل صليت؟ قلت: لا، يا رسول اللّه. قال: (قم فاركع ركعتين) قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: (يا أبا ذر هل تعوذت باللّه من شياطين الجن والإنس)؟ قال، قلت: لا يا رسول اللّه وهل للإنس من شياطين؟ قال: (نعم هم شر من شياطين الجن) ""وهذا أيضاً فيه انقطاع وروي متصلاً عن أحمد وابن مردويه بمثله"". طريق أخرى للحديث روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (يا أبا ذر تعوذت من شياطين الجن والإنس)؟ قال: يا رسول اللّه وهل للإنس من شياطين؟ قال: (نعم: { شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي أمامة مرفوعاً""، فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته، واللّه أعلم، وعن عكرمة في قوله: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} قال: للإنس شياطين وللجن شياطين، فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وقال السدي عن عكرمة: أما شياطين الإنس فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن التي تضل الجن، يلتقيان فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضاً ""رواه ابن جرير""، وقد روي نحو هذا عن ابن عباس فقال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا، أضلله بكذا، فهو قوله: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} . ولما أخبر عبد اللّه بن عمر أن المختار "" المراد بالمختار هنا ابن عبيد قبحه اللّه الذي كان يزعم أنه يأتيه الوحي"" يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، قال اللّه تعالى: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} . وقوله تعالى: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره، { ولو شاء ربك ما فعلوه} أي وذلك كله بقدر اللّه وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء، { فذرهم} أي فدعهم، { وما يفترون} أي يكذبون. أي دع أذاهم وتوكل على اللّه فإن اللّه كافيك وناصرك عليهم. وقوله تعالى: { ولتصغى إليه} أي ولتميل إليه قاله ابن عباس، { أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي قلوبهم وعقولهم وأسماعهم، وقال السدي: قلوب الكافرين { وليرضوه} أي يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: { فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم} ، وقال تعالى: { إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} ، وقوله: { وليقترفوا ما هم مقترفون} ، قال ابن عباس، وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون.

تفسير الجلالين

{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } كما جعلنا هؤلاء أعداءك ويبدل منه { شياطين } مردة { الإنس والجن يوحي } يوسوس { بعضهم إلى بعض زخرف القول } مموهه من الباطل { غرورا } أي ليغروهم { ولو شاء ربُّك ما فعلوه } أي الإيحاء المذكور { فذرْهم } دع الكفار { وما يفترون } من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَلِّيه بِذَلِكَ عَمَّا لَقِيَ مِنْ كَفَرَة قَوْمه فِي ذَات اللَّه , وَحَاثًّا لَهُ عَلَى الصَّبْر عَلَى مَا نَالَ فِيهِ : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا } يَقُول : وَكَمَا اِبْتَلَيْنَاك يَا مُحَمَّد بِأَنْ جَعَلْنَا لَك مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك أَعْدَاء شَيَاطِين { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل } لِيَصُدُّوهُمْ بِمُجَادَلَتِهِمْ إِيَّاكَ بِذَلِكَ عَنْ اِتِّبَاعِك وَالْإِيمَان بِك وَبِمَا جِئْتهمْ لَهُ مِنْ عِنْد رَبّك ; كَذَلِكَ اِبْتَلَيْنَا مَنْ قَبْلك مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , بِأَنْ جَعَلْنَا لَهُمْ أَعْدَاء مِنْ قَوْمهمْ يُؤْذُونَهُمْ بِالْجِدَالِ وَالْخُصُومَات , يَقُول : فَهَذَا الَّذِي اِمْتَحَنْتُك بِهِ لَمْ تُخْصَصْ بِهِ مِنْ بَيْنهمْ وَحْدك , بَلْ قَدْ عَمَّمْتهمْ بِذَلِكَ مَعَك لِأَبْتَلِيَهُمْ وَأَخْتَبِرهُمْ مَعَ قُدْرَتِي عَلَى مَنْع مَنْ آذَاهُمْ مِنْ إِيذَائِهِمْ , فَلَمْ أَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا لِأَعْرِفَ أُولِي الْعَزْم مِنْهُمْ مِنْ غَيْرهمْ ; يَقُول : فَاصْبِرْ أَنْتَ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْم مِنْ الرُّسُل . وَأَمَّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ فَإِنَّهُمْ مَرَدَتهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا الْفِعْل الَّذِي مِنْهُ بُنِيَ هَذَا الِاسْم بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَنَصّ الْعَدُوّ وَالشَّيَاطِين بِقَوْلِهِ : { جَعَلْنَا } . وَأَمَّا قَوْله : { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ يُلْقِي الْمُلْقِي مِنْهُمْ الْقَوْل الَّذِي زَيَّنَّهُ وَحَسَّنَهُ بِالْبَاطِلِ إِلَى صَاحِبه , لِيَغْتَرَّ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ فَيَضِلّ عَنْ سَبِيل اللَّه . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : شَيَاطِين الْإِنْس الَّتِي مَعَ الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْجِنّ الَّتِي مَعَ الْجِنّ ; وَلَيْسَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10714 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَصَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ } أَمَّا شَيَاطِين الْإِنْس : فَالشَّيَاطِين الَّتِي تُضِلّ الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْجِنّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ الْجِنّ ; يَلْتَقِيَانِ فَيَقُول كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا : إِنِّي أَضْلَلْت صَاحِبِي بِكَذَا وَكَذَا , وَأَضْلَلْت أَنْتَ صَاحِبك بِكَذَا وَكَذَا , فَيُعْلِم بَعْضهمْ بَعْضًا . 10715 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } قَالَ : لَيْسَ فِي الْإِنْس شَيَاطِين ; وَلَكِنَّ شَيَاطِين الْجِنّ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْإِنْس يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْجِنّ . 10716 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : لِلْإِنْسَانِ شَيْطَان , وَلِلْجِنِّيِّ شَيْطَان , فَيَلْقَى شَيْطَان الْإِنْس شَيْطَان الْجِنّ , فَيُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : جَعَلَ عِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ فِي تَأْوِيلهمَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْت عَنْهُمَا عَدُوّ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي قَوْله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا } أَوْلَاد إِبْلِيس دُون أَوْلَاد آدَم وَدُون الْجِنّ , وَجَعَلَ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّ بَعْضهمْ يُوحِي إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا , وَلَد إِبْلِيس , وَأَنَّ مَنْ مَعَ اِبْن آدَم مِنْ وَلَد إِبْلِيس يُوحِي إِلَى مَنْ مَعَ الْجِنّ مِنْ وَلَده زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . وَلَيْسَ لِهَذَا التَّأْوِيل وَجْه مَفْهُوم , لِأَنَّ اللَّه جَعَلَ إِبْلِيس وَوَلَده أَعْدَاء اِبْن آدَم , فَكُلّ وَلَده لِكُلِّ وَلَده عَدُوّ . وَقَدْ خَصَّ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة الْخَبَر عَنْ الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ الشَّيَاطِين أَعْدَاء , فَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ الشَّيَاطِين الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ السُّدِّيّ , الَّذِينَ هُمْ وَلَد إِبْلِيس , لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ الْأَنْبِيَاء بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ الشَّيَاطِين أَعْدَاء وَجْه . وَقَدْ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ لِأَعْدَى أَعْدَائِهِ مِثْل الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ , وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَاَلَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ مَرَدَة الْإِنْس وَالْجِنّ لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ الْقَوْل مَا يُؤْذِيهِمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10717 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال , قَالَ : ثَنِي رَجُل مِنْ أَهْل دِمَشْق , عَنْ عَوْف بْن مَالِك , عَنْ أَبِي ذَرّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ , هَلْ تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ؟ " قَالَ : قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , هَلْ لِلْأُنْسِ مِنْ شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . 10718 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَيُّوب وَغَيْره مِنْ الْمَشْيَخَة , عَنْ اِبْن عَائِذ , عَنْ أَبِي ذَرّ , أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِس قَدْ أَطَالَ فِيهِ الْجُلُوس , قَالَ : فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرّ , هَلْ صَلَّيْت ؟ " قَالَ : قُلْت : لَا يَا رَسُول اللَّه ! قَالَ : " قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ! " قَالَ : ثُمَّ جِئْت فَجَلَسْت إِلَيْهِ , فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرّ هَلْ تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ؟ " قَالَ : قُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ , شَرّ مِنْ شَيَاطِين الْجِنّ " . 10719 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرّ قَامَ يَوْمًا يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَعَوَّذْ يَا أَبَا ذَرّ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ! " فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه : أَوَإِنَّ مِنْ الْإِنْس شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ إِنَّهُ إِخْبَار مِنْ اللَّه أَنَّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10720 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } قَالَ : مِنْ الْجِنّ شَيَاطِين , وَمِنْ الْإِنْس شَيَاطِين يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . قَالَ قَتَادَة : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرّ كَانَ يَوْمًا يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ : " تَعَوَّذْ يَا أَبَا ذَرّ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ! " فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه , أَوَإِنَّ مِنْ الْإِنْس شَيَاطِين ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " . - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } . . . الْآيَة , ذَكَرَ لَنَا أَبَا ذَرّ قَامَ ذَات يَوْم يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه : " تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَيَاطِين الْجِنّ وَالْإِنْس ! " فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَوَلِلْإِنْسِ شَيَاطِين كَشَيَاطِين الْجِنّ ؟ قَالَ : " نَعَمْ , أَوَكَذَبْت عَلَيْهِ ؟ " . 10721 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } فَقَالَ : كُفَّار الْجِنّ شَيَاطِين يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْإِنْس كُفَّار الْإِنْس زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . وَأَمَّا قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } فَإِنَّهُ الْمُزَيِّن بِالْبَاطِلِ كَمَا وَصَفْت قَبْل , يُقَال مِنْهُ : زَخْرَفَ كَلَامه وَشَهَادَته إِذَا حَسَّنَ ذَلِكَ بِالْبَاطِلِ وَوَشَّاهُ . كَمَا : 10722 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : تَزْيِين الْبَاطِل بِالْأَلْسِنَةِ . 0723 1 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا الزُّخْرُف , فَزَخْرَفُوهُ : زَيَّنُوهُ . 10724 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : تَزْيِين الْبَاطِل بِالْأَلْسِنَةِ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10725 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } يَقُول : حَسَّنَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ الْقَوْل لِيَتَّبِعُوهُمْ فِي فِتْنَتِهِمْ . 10726 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : الزُّخْرُف : الْمُزَيِّن , حَيْثُ زَيَّنَّ لَهُمْ هَذَا الْغُرُور , كَمَا زَيَّنَ إِبْلِيس لِآدَم مَا جَاءَهُ بِهِ وَقَاسَمَهُ إِنَّهُ لَمِنْ النَّاصِحِينَ . وَقَرَأَ : { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُمْ } 41 25 قَالَ : ذَلِكَ الزُّخْرُف . وَأَمَّا الْغُرُور : فَإِنَّهُ مَا غَرَّ الْإِنْسَان فَخَدَعَهُ فَصَدَّهُ عَنْ الصَّوَاب إِلَى الْخَطَأ وَمِنْ الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل . وَهُوَ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : غَرَرْت فُلَانًا بِكَذَا وَكَذَا , فَأَنَا أَغِرُّهُ غُرُورًا وَغَرًّا . كَاَلَّذِي : 10727 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { غُرُورًا } قَالَ : يَغِرُّونَ بِهِ النَّاس وَالْجِنّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَلِّيه بِذَلِكَ عَمَّا لَقِيَ مِنْ كَفَرَة قَوْمه فِي ذَات اللَّه , وَحَاثًّا لَهُ عَلَى الصَّبْر عَلَى مَا نَالَ فِيهِ : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا } يَقُول : وَكَمَا اِبْتَلَيْنَاك يَا مُحَمَّد بِأَنْ جَعَلْنَا لَك مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك أَعْدَاء شَيَاطِين { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل } لِيَصُدُّوهُمْ بِمُجَادَلَتِهِمْ إِيَّاكَ بِذَلِكَ عَنْ اِتِّبَاعِك وَالْإِيمَان بِك وَبِمَا جِئْتهمْ لَهُ مِنْ عِنْد رَبّك ; كَذَلِكَ اِبْتَلَيْنَا مَنْ قَبْلك مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , بِأَنْ جَعَلْنَا لَهُمْ أَعْدَاء مِنْ قَوْمهمْ يُؤْذُونَهُمْ بِالْجِدَالِ وَالْخُصُومَات , يَقُول : فَهَذَا الَّذِي اِمْتَحَنْتُك بِهِ لَمْ تُخْصَصْ بِهِ مِنْ بَيْنهمْ وَحْدك , بَلْ قَدْ عَمَّمْتهمْ بِذَلِكَ مَعَك لِأَبْتَلِيَهُمْ وَأَخْتَبِرهُمْ مَعَ قُدْرَتِي عَلَى مَنْع مَنْ آذَاهُمْ مِنْ إِيذَائِهِمْ , فَلَمْ أَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا لِأَعْرِفَ أُولِي الْعَزْم مِنْهُمْ مِنْ غَيْرهمْ ; يَقُول : فَاصْبِرْ أَنْتَ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْم مِنْ الرُّسُل . وَأَمَّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ فَإِنَّهُمْ مَرَدَتهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا الْفِعْل الَّذِي مِنْهُ بُنِيَ هَذَا الِاسْم بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَنَصّ الْعَدُوّ وَالشَّيَاطِين بِقَوْلِهِ : { جَعَلْنَا } . وَأَمَّا قَوْله : { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ يُلْقِي الْمُلْقِي مِنْهُمْ الْقَوْل الَّذِي زَيَّنَّهُ وَحَسَّنَهُ بِالْبَاطِلِ إِلَى صَاحِبه , لِيَغْتَرَّ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ فَيَضِلّ عَنْ سَبِيل اللَّه . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : شَيَاطِين الْإِنْس الَّتِي مَعَ الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْجِنّ الَّتِي مَعَ الْجِنّ ; وَلَيْسَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10714 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَصَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ } أَمَّا شَيَاطِين الْإِنْس : فَالشَّيَاطِين الَّتِي تُضِلّ الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْجِنّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ الْجِنّ ; يَلْتَقِيَانِ فَيَقُول كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا : إِنِّي أَضْلَلْت صَاحِبِي بِكَذَا وَكَذَا , وَأَضْلَلْت أَنْتَ صَاحِبك بِكَذَا وَكَذَا , فَيُعْلِم بَعْضهمْ بَعْضًا . 10715 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } قَالَ : لَيْسَ فِي الْإِنْس شَيَاطِين ; وَلَكِنَّ شَيَاطِين الْجِنّ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْإِنْس يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْجِنّ . 10716 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : لِلْإِنْسَانِ شَيْطَان , وَلِلْجِنِّيِّ شَيْطَان , فَيَلْقَى شَيْطَان الْإِنْس شَيْطَان الْجِنّ , فَيُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : جَعَلَ عِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ فِي تَأْوِيلهمَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْت عَنْهُمَا عَدُوّ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي قَوْله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا } أَوْلَاد إِبْلِيس دُون أَوْلَاد آدَم وَدُون الْجِنّ , وَجَعَلَ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّ بَعْضهمْ يُوحِي إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا , وَلَد إِبْلِيس , وَأَنَّ مَنْ مَعَ اِبْن آدَم مِنْ وَلَد إِبْلِيس يُوحِي إِلَى مَنْ مَعَ الْجِنّ مِنْ وَلَده زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . وَلَيْسَ لِهَذَا التَّأْوِيل وَجْه مَفْهُوم , لِأَنَّ اللَّه جَعَلَ إِبْلِيس وَوَلَده أَعْدَاء اِبْن آدَم , فَكُلّ وَلَده لِكُلِّ وَلَده عَدُوّ . وَقَدْ خَصَّ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة الْخَبَر عَنْ الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ الشَّيَاطِين أَعْدَاء , فَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ الشَّيَاطِين الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ السُّدِّيّ , الَّذِينَ هُمْ وَلَد إِبْلِيس , لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ الْأَنْبِيَاء بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ الشَّيَاطِين أَعْدَاء وَجْه . وَقَدْ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ لِأَعْدَى أَعْدَائِهِ مِثْل الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ , وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَاَلَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ مَرَدَة الْإِنْس وَالْجِنّ لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ الْقَوْل مَا يُؤْذِيهِمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10717 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال , قَالَ : ثَنِي رَجُل مِنْ أَهْل دِمَشْق , عَنْ عَوْف بْن مَالِك , عَنْ أَبِي ذَرّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ , هَلْ تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ؟ " قَالَ : قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , هَلْ لِلْأُنْسِ مِنْ شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . 10718 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَيُّوب وَغَيْره مِنْ الْمَشْيَخَة , عَنْ اِبْن عَائِذ , عَنْ أَبِي ذَرّ , أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِس قَدْ أَطَالَ فِيهِ الْجُلُوس , قَالَ : فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرّ , هَلْ صَلَّيْت ؟ " قَالَ : قُلْت : لَا يَا رَسُول اللَّه ! قَالَ : " قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ! " قَالَ : ثُمَّ جِئْت فَجَلَسْت إِلَيْهِ , فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرّ هَلْ تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ؟ " قَالَ : قُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ , شَرّ مِنْ شَيَاطِين الْجِنّ " . 10719 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرّ قَامَ يَوْمًا يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَعَوَّذْ يَا أَبَا ذَرّ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ! " فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه : أَوَإِنَّ مِنْ الْإِنْس شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ إِنَّهُ إِخْبَار مِنْ اللَّه أَنَّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10720 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } قَالَ : مِنْ الْجِنّ شَيَاطِين , وَمِنْ الْإِنْس شَيَاطِين يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . قَالَ قَتَادَة : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرّ كَانَ يَوْمًا يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ : " تَعَوَّذْ يَا أَبَا ذَرّ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ! " فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه , أَوَإِنَّ مِنْ الْإِنْس شَيَاطِين ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " . - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } . . . الْآيَة , ذَكَرَ لَنَا أَبَا ذَرّ قَامَ ذَات يَوْم يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه : " تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَيَاطِين الْجِنّ وَالْإِنْس ! " فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَوَلِلْإِنْسِ شَيَاطِين كَشَيَاطِين الْجِنّ ؟ قَالَ : " نَعَمْ , أَوَكَذَبْت عَلَيْهِ ؟ " . 10721 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } فَقَالَ : كُفَّار الْجِنّ شَيَاطِين يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْإِنْس كُفَّار الْإِنْس زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . وَأَمَّا قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } فَإِنَّهُ الْمُزَيِّن بِالْبَاطِلِ كَمَا وَصَفْت قَبْل , يُقَال مِنْهُ : زَخْرَفَ كَلَامه وَشَهَادَته إِذَا حَسَّنَ ذَلِكَ بِالْبَاطِلِ وَوَشَّاهُ . كَمَا : 10722 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : تَزْيِين الْبَاطِل بِالْأَلْسِنَةِ . 0723 1 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا الزُّخْرُف , فَزَخْرَفُوهُ : زَيَّنُوهُ . 10724 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : تَزْيِين الْبَاطِل بِالْأَلْسِنَةِ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10725 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } يَقُول : حَسَّنَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ الْقَوْل لِيَتَّبِعُوهُمْ فِي فِتْنَتِهِمْ . 10726 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : الزُّخْرُف : الْمُزَيِّن , حَيْثُ زَيَّنَّ لَهُمْ هَذَا الْغُرُور , كَمَا زَيَّنَ إِبْلِيس لِآدَم مَا جَاءَهُ بِهِ وَقَاسَمَهُ إِنَّهُ لَمِنْ النَّاصِحِينَ . وَقَرَأَ : { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُمْ } 41 25 قَالَ : ذَلِكَ الزُّخْرُف . وَأَمَّا الْغُرُور : فَإِنَّهُ مَا غَرَّ الْإِنْسَان فَخَدَعَهُ فَصَدَّهُ عَنْ الصَّوَاب إِلَى الْخَطَأ وَمِنْ الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل . وَهُوَ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : غَرَرْت فُلَانًا بِكَذَا وَكَذَا , فَأَنَا أَغِرُّهُ غُرُورًا وَغَرًّا . كَاَلَّذِي : 10727 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { غُرُورًا } قَالَ : يَغِرُّونَ بِهِ النَّاس وَالْجِنّ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : وَلَوْ شِئْت يَا مُحَمَّد أَنْ يُؤْمِن الَّذِينَ كَانُوا لِأَنْبِيَائِي أَعْدَاء مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ فَلَا يَنَالهُمْ مَكْرهمْ وَيَأْمَنُوا غَوَائِلهمْ وَأَذَاهُمْ , فَعَلْت ذَلِكَ ; وَلَكِنِّي لَمْ أَشَأْ ذَلِكَ لِأَبْتَلِيَ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ فَيَسْتَحِقّ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ مَا سَبَقَ لَهُ فِي الْكِتَاب السَّابِق . { فَذَرْهُمْ } يَقُول : فَدَعْهُمْ , يَعْنِي الشَّيَاطِين الَّذِينَ يُجَادِلُونَك بِالْبَاطِلِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك وَيُخَاصِمُونَك بِمَا يُوحِي إِلَيْهِمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ , { وَمَا يَفْتَرُونَ } يَعْنِي : وَمَا يَخْتَلِقُونَ مِنْ إِفْك وَزُور , يَقُول لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِصْبِرْ عَلَيْهِمْ فَإِنِّي مِنْ وَرَاء عِقَابهمْ عَلَى اِفْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّه وَاخْتِلَافهمْ عَلَيْهِ الْكَذِب وَالزُّور . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : وَلَوْ شِئْت يَا مُحَمَّد أَنْ يُؤْمِن الَّذِينَ كَانُوا لِأَنْبِيَائِي أَعْدَاء مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ فَلَا يَنَالهُمْ مَكْرهمْ وَيَأْمَنُوا غَوَائِلهمْ وَأَذَاهُمْ , فَعَلْت ذَلِكَ ; وَلَكِنِّي لَمْ أَشَأْ ذَلِكَ لِأَبْتَلِيَ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ فَيَسْتَحِقّ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ مَا سَبَقَ لَهُ فِي الْكِتَاب السَّابِق . { فَذَرْهُمْ } يَقُول : فَدَعْهُمْ , يَعْنِي الشَّيَاطِين الَّذِينَ يُجَادِلُونَك بِالْبَاطِلِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك وَيُخَاصِمُونَك بِمَا يُوحِي إِلَيْهِمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ , { وَمَا يَفْتَرُونَ } يَعْنِي : وَمَا يَخْتَلِقُونَ مِنْ إِفْك وَزُور , يَقُول لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِصْبِرْ عَلَيْهِمْ فَإِنِّي مِنْ وَرَاء عِقَابهمْ عَلَى اِفْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّه وَاخْتِلَافهمْ عَلَيْهِ الْكَذِب وَالزُّور .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وكذلك جعلنا لكل نبي} يعزي نبيه ويسليه، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك. { عدوا} أي أعداء. ثم نعتهم فقال { شياطين الإنس والجن} حكى سيبويه جعل بمعنى وصف. { عدوا} مفعول أول. { لكل نبي} في موضع المفعول الثاني. { شياطين الإنس والجن} بدل من عدو. ويجوز أن يكون { شياطين} مفعولا أول، { عدوا} مفعولا ثانيا؛ كأنه قيل : جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا. وقرأ الأعمش { شياطين الجن والإنس} بتقديم الجن. والمعنى واحد. { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس. وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه؛ ومنه سمي الذهب زخرفا. وكل شيء حسن مموه فهو زخرف. والمزخرف المزين. وزخارف الماء طرائقه. و { غرورا} نصب على المصدر، لأن معنى { يوحي بعضهم إلى بعض} يغرونهم بذلك غرورا. ويجوز أن يكون في موضع الحال. والغرور الباطل. قال النحاس : وروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل { يوحي بعضهم إلى بعض} قال : مع كل جني شيطان، ومع كل إنسي شيطان، فيلقى أحدهما الآخر فيقول : إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله. ويقول الآخر مثل ذلك؛ فهذا وحي بعضهم إلى بعض. وقاله عكرمة والضحاك والسدي والكلبي. قال النحاس : والقول الأول يدل عليه { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} [الأنعام : 121]؛ فهذا يبين معنى ذلك. قلت : ويدل عليه من صحيح السنة قوله عليه السلام : (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن) قيل : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : (ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير). روي (فأسلم) برفع الميم ونصبها. فالرفع على معنى فأسلم من شره. والنصب على معنى فأسلم هو. فقال : (ما منكم من أحد) ولم يقل ولا من الشياطين؛ إلا أنه يحتمل أن يكون نبه على أحد الجنسين بالآخر؛ فيكون من باب { سرابيل تقيكم الحر } [النحل : 81] وفيه بعد، والله أعلم. وروى عوف بن مالك عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن)؟ قال قلت : يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال : (نعم هم شر من شياطين الجن). وقال مالك بن دينار : إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة تنشد : إن النساء رياحين خلقن لكم ** وكلكم يشتهي شم الرياحين فأجابها عمر رضي الله عنه : إن النساء شياطين خلقن لنا ** نعوذ بالله من شر الشياطين قوله تعالى { ولو شاء ربك ما فعلوه} أي ما فعلوا إيحاء القول بالغرور. { فذرهم} أمر فيه معنى التهديد. قال سيبويه : ولا يقال وذر ولا ودع، استغنوا عنهما بترك. قلت : هذا إنما خرج على الأكثر. وفي التنزيل { وذر الذين} و { ذرهم} و { ما ودعك} [الضحى : 3]. وفي السنة (لينتهن أقوام عن ودعهم الجمعات). وقول : (إذا فعلوا - يريد المعاصي - فقد تودع منهم). قال الزجاج : الواو ثقيلة؛ فلما كان { ترك} ليس فيه واو بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو. وهذا معنى قول وليس بنصه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 109 - 112


سورة الانعام الايات 112 - 115

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ وَكَذَلِكَ } إشارة من الحق سبحانه وتعالى إلى الرسل والأنبياء ليعطي الأسوة للرسول بإخوانه السابقين له في موكب الرسالات، فلست بدعا - يا محمد - في أنك رسول يُواجَه بأعداء، فكل رسول من الرسل ووجه وقوبل بهؤلاء الأعداء.

وهل فَتّ أعداء الرسل في عضد مَن أرسل إليهم وأضعفوا قوتهم وأوهنوا عزائمهم وأثنوهم عن دعوتهم؟ أو ظل الرسل أيضا صامدين؟.. إنهم صمدوا وأيدهم الله ونصرهم وإذا كنت أنت خاتم الرسل، وسيد المرسلين، والمعقب على رسالات سبقتك ولا معقب على رسالتك فلابد أن يكون الأعداء الذين يواجهونك مناسبين للمهمة التي تؤديها. وإياك أن تظن أن المقصد في هذه العداوة أننا تركناهم أعداء لمجرد العداء، لا، بل نحن قد أردنا هذه العداوة لصالح الدعوة؛ لأن الإنسان إذا ما كان في منهج خير وأهاجه الشر يتحمس لمزيد من الخير. ولذلك لا تجد الصحوات الإيمانية إلا حين يجد المؤمنون تحديا من خصومهم، هنا تجد الصحوة الإيمانية قد استيقظت لأن هناك خصوما يتحدونها، ولو لم يكن هناك خصوم لبقيت الصحوة فاترة. وهذا ما نراه حين يوجد من خصوم الإسلام من أي لون من ألوانهم مَن يتحدى أي قضية من قضايا الدين. في هذه الحالة نجد حتى غير الملتزم بمنهج الإسلام يغار على الدين.

إذن فالعداوة لها فائدة، وإياك أن تظن أن في أي مظهر في الوجود يُغلب الله على مراداته في كونه، والشر له رسالة لأنه لولا أن الشر موجود ويصاب الناس من أذاه لما تحمس الناس للخير، فالذي يجعلنا نتحمس للخير هو وجود الشر، وأوضحنا من قبل أن الباطل جندي من جنود الحق: لأن الباطل حين يعض ويعربد في الناس يتساءل الناس متى يأتي الحق لينقذنا، وأنك ساعة ترى مريضا يتألم إياك أن تظن أن الألم قد جاءه دون سبب، بل الألم جندي من جند الشفاء. وكأن الألم يقول لمن يصيبه: يا إنسان تنبه أن عطبا في هذا المكان فسارع إلى علاجه. ولذلك نجد أعنف الأمراض وأشرسها وأخبثها، هي الأمراض التي تأتي بلا ألم يسبقها، ولا تظهر أعراضها إلا أن يستعصي شفاؤها، وهكذا نرى أن الألم جندي من جنود العافية.

وحين يكون لك عدو في الحارة أو في البلدة وعيونه مركزة عليك فأنت تخاف أن تقع منك هَنة وعيب حتى لا يشنّع عليك؛ لذلك تسير على الصراط المستقيم لأنك لا تريد أن تنصره على نفسك.

والشاعر القديم، الذي أعجبه الشعر فشطره. يقول لك:
عداي لهم فضل عليّ ومنة   فعندي لهم شكر على نفعهم ليا
فهم كدواء والشفاء بمرّه   فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا
همُ بحثوا عن زلَّتي فاجتنبتها   فأصبحت مِمَّا دنس العرض خاليا
وهم أججوا جهدي ولكن ببغضهم   وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
لذلك لابد أن تنظر إلى كل شيء بحكمة إيجاد الحكيم له فقد شاء الحق أن يوجد الأعداء للدعوة الإسلامية حتى تنتصر وتقوى.

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } [الأنعام: 112]

وجعل الحق سبحانه وتعالى الأعداء للأنبياء، مهيَّجين ومثيرين للنبي ولأتباعه؛ لأن الأمر إذا حصلت فيه معارضة من مخالف أججت في نفس المقابل قوة حتى لا يهزم أمامه ولا يغلب أمام منطقه. ولذلك قال الحق: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا } لأي أنهم لم يتطوعوا بالعداوة إنما هو تسخير للعداوة { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً }.

وكيف يجعل الله لكل نبي عدوا؟ إنه يفعل ذلك بما أودع في الناس من الاختيار، وما داموا مختارين فالذي اختار الهدى يكون نصيراً للنبي، والذي اختار الضلال يكون عدوا للنبي.

إذن فهم لم يكونوا أعداء بطبيعتهم، وإنما بما أودع الله فيهم من الاختيار.

وإذا كان الله هو الذي أودع الاختيار فقد أراد أن يحقق مشيئته في قوله:
{  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ.. }
[الأنفال: 42]

ولو شاء الله الا يكون للنبوة أعداء لفعل ذلك؛ لأن له طلاقة القدرة، ولكن ذلك سيكون بالقهر، والله لا يريد قهراً للعقلاء، وإنما يريد أن يذهبوا إليه بمحض اختيارهم؛ اي وهم قادرون على الا يذهبوا. وكلمة " عدو " في ظاهرها أنها مفرد، ولكنها تطلق على الواحد، وتطلق على الاثنين، وتطلق على الجماعة، فتقول: " هذا عدو لي "؛ و " هذه عدو لي "؛ ولا تقل " عدوة " ، وتقول: وهذان عدو لي، وهاتان عدو لي، لأن كلمة " عدو " تطلق على الذكر والأنثى وتقال للمفرد وللمثنى، وللجمع.

اقرأ قول الحق:
{  فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الشعراء: 77]

واقرأوا قول الحق:
{  قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ }
[طه: 123]

ولم يقل أعداء، إذن فكلمة " عدو " تطلق على المفرد والمفردة، والمثنى والمثناة، وعلى جمع المذكر والجمع المؤنث. لكن بعض الذين يحبون أن يكونوا مستدركين على كلام الله. يقول الواحد منهم: كيف يقول: " فإنهم عدو لي " ، أو " اهبطو بعضكم لبعض عدو "؟! ويقول سبحانه وتعالى:
{  أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ.. }
[الأعراف: 22]

والشيطان عدو، وهم عدو. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً.. }
[آل عمران: 103]

ونقول له: أنت قد فاتك أن الذي يتكلم هو الرب الأعلى. والعداوة نوعان، فإذا تعدد العدو، وجمعته مصلحة واحدة في معاداة المعادي يكونون وحدة في العداوة فهم عدو واحد لاجتماعهم على سبب واحد في العداوة.لكن إذا تعددت أسباب العداوة فالأمر يختلف، فقد يكون لك عدو لأن مظهرك أحسن منه، وعدو آخر لأنك أذكى منه، وعدو ثالث لأنك أغنى منه. فلتعدد الأسباب صار كل واحد منهم عدوًا برأسه وجمع على أعداء لتعدد سبب العداوة.
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ.. }
[سورة الأنعام: 112]

وشياطين الإنس والجن كما يقول النجاة بدل من عدو و " شياطين " جمع شيطان وهو اللعين المطرود، البغيض، سواء أكان من الإنس أم من الجن.

{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } والوحي - كما نعرف - هم إعلام بخفاء، ولماذا يوحي بعضهم إلى بعض؟ لن غلبة الحق لا تجعلهم قادرين على أن يتجاهروا؛ لذلك يتآمرون مع بعضهم البعض، لكن الناس المحقين في قضية يتحركون في علانية. ولا يستخفون من الناس.

{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } ومن الذي يوحي؟ ومن الذي يوحى إليه؟ ليس لنا دخل بهذا الموضوع، إنما الوحي: هو إعلام بخفاء، إن كان إلهاماً في النفس، أو إن كان بالإشارة أو بالدس، أو إن كان بالوسوسة، أو إن كان بواسطة رسول نحن لا نراه، كل ذلك أساليب الوحي الشامل للخير والشر.

وإذا كان الوحي من شياطين الجن فهل يوحون إلا بِشَرً؟ نعم. وكذلك هناك شياطين من الإنس يوحون أيضاً بشرّ. مصداقاً لقوله الحق: { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ } وزخرف القول، المقصود به أنهم يدخلون على المسائل بالتزيين، فيزينون للناس الشهوة، ولذلك سماها ربنا " وسوسة " ، ونعلم أن المعاني حين يؤخذ لها ألفاظ تؤخذ من الأشياء الحسيّة، والوسوسة هي صوت الحلى، وقد اختار الله لما يفعله الشياطين من الإنس والجن للفظ الموحى بالمعنى المراد لأن وسوسة الحلى تغري بالنفاسة وعظم القيمة، والوسوسة طريقها هو الخفاء.

{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ } وهم شياطين من الإنس والجن، إنس يوحي لإنس بأن يزين له المعصية والشهوة، وكثيراً ما يقع ذلك.

وجنّي يوحي لجنّي؛ لأن الجن مكلَّف أيضاً. وكذلك يوحي الجن للإنس.

{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ } الزخرف. هو الشيء لمزين ظاهره لكن باطنه فاسد، ولذلك قال عز وجل:
{  وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. }
[الزخرف: 35]

أي أموراً مزخرفة ظاهراً، لكن ليس لها عمق أو عمر أو نفاسة.

{ يوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً.. } [الأنعام: 112]

وذلك ليغروهم ويخدعوهم ليفعلوا ويقترفوا المعصية، وإن لم يأتوا للمعصية بكلمات تزخرفها وتزينها فلن يستطيعوا أن يدخلوا بها على الناس؛ لذلك يعرضون ويبدون محاسن المعصية في ظاهر الأمر، مثال ذلك أنك لا تجد من يقول لآخر: اشرب الخمر لتصاب بتليف الكبد مثلا!! ولكن هناك من يقول: احتس الخمر ليذهب همك وتنشط نفسك ويكثر فرحك.{ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } أي ليغروهم؛ بإظهار فائدة موهومة فيه، ويسترون عن الناس مضرّة هذا الشيء ومهالكه.

ويتابع سبحانه: { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } إنّ الحق سبحانه وتعالى هو الذي أعطى خلقه اختياراً في أن يكونوا مؤمنين أو أن يكونوا كافرين، مهديين أو ضالين، في نور أو في ظلمة. ويأتي الوقت الذي يثيب فيه سبحانه أو يعاقب؛ لذلك فهو - جل شأنه - لا يرغمهم على فعل ثم يعاقبهم عليه؛ لأنه هو العدل. ولذلك نجد من يقول: لماذا العقاب ولا شيء في الكون يقع على غير مشيئة الله؟ ونقول: نعم كل شيء من فعل الله؛ لأن سبب الاختيار من الله. وسبحانه هو الذي خلق الاختيار. فالكافر لا يقدر أن يؤمن إلا أن شاء الله, لكن المطلوب منه أن يؤمن لأن طبيعته صالحة للكفر وصالحة للإيمان.

إذن خلق الله الإنسان مختاراً في أن يفعل أو لا يفعل في بعض الأمور، فالذي ينظر إلى أن كل فعل من الله أي ليس بطاقة من عبد، نقول له: صح رأيك. ومن يقول: إن هذا الأمر من العباد نقول له أيضاً: صح موقفك؛ لأن ربنا خلق الإنسان صالحاً لأن يحصل منه كذا. فإن أردت الحقيقة تجد كل فعل يأتي من الله، فأنت - على سبيل المثال - لم تخلق القوة التي لليد لترتفع، ولا خلقت القوة للأصابع لتنقبض. وإذا أردت أن تقبض يدك. فما هي العضلات التي تتحرك لتفعل الانقباض؟ أنت لا تعرف. إنّك تقبض يدك بمجرد إرادة منك أن تقبضها، والذي خلق لك هذه القوة يأمرك ألا تستعملها في قهر الآخرين،ولكن عليك أن تستعملها فيما يفيد الناس. واليد صالحة للضرب وللعمل الطيب وأنت لم تخلق الطاقة التي في اليد، ولا خلقت الانفعال فيها لإرادتك.

{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } أي لو شاء عدم فعله لفعل؛ لأن له طلاقة القدرة فلا يقدر أحد أن يخرج عن مراده أبداً. ونحن نرى السماء والأرض وكل ما دون الإنسان مسخراً، ثم لماذا نأخذ أمثلة من السماء والأرض والنبات والجماد والحيوان؟ خذ المثال من نفسك. أنت فيك أشياء ليس لك سيطرة عليها، واختيار لك عليها، ألك اختيار أن تمرض؟. لا.

ألك اختيار أن يقع عليك حجر وأنت تمشي؟. لا.

ألك اختيار في أن يصيبك سائق سكران؟. لا.

ألك اختيار في أن تموت او لا تموت؟. لا. لقد جعل الله فيك الأمرين الأثنين:

قهرك في أمور. والقهرية تثبت له - سبحانه - القدرة وطلاقتها، وجعلك مختارا في أشياء، والاختيار يثبت صحة التكليف.

ويتابع الحق مذيلاً الآية: { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } لأن افتراءهم وكذبهم وزعمهم الباطل لن يغير من حقيقة الأمر شيئاً، وهم يرون أن افتراءهم يعوق الدعوة، لا، فقد صار افتراؤهم وكيدهم وعداوتهم للنبي وقوداً مهيّجاً للدعوة؛ لأن يخلص الدعوة من الشوائب ويصهر المؤمنين بها ويخرج منهم خصال الشر ويملأهم بخلال الخير.
{  فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ.. }
[الرعد: 17]

ولو لم يكن هناك مهيّجات لهذه المسائل لدخل الدعوة العاطل والباطل ولاندس فينا من لا يعرف قيمة الإيمان؛ لذلك يمحص الله بالأعداء وبالقوم الذين يقفون أمامها حتى لا يكون في حملة الدعوة احد من ضعاف العقائد وضعاف الإيمان، وهم الذين يخرجون هرباً من مسئوليات الإيمان ولا يبقى إلا أصحاب الرسالة الذين يخلصون الصدق مع الله وينقيهم الله بواسطة الأعداء. ولذلك قال:
{  لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً }
[التوبة: 47]

فمن الحكمة أنه - سبحانه - ثبط عزيمتهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والخروج معكم.
{  وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ }
[التوبة: 46]

وهنا يقول الحق: { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ } وزخرف القول هو لون من الأداء له سُمَّاع، ومن يسمعونه قد لا يؤثر في قلوبهم ولا في نفوسهم، ومرة أخرى يسمعونه ويكون عندهم ميل وليس عندهم عقيدة ثابتة راسخة إلى هذا القول.

وكيف يسلك هؤلاء الناس: { وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ.. }


www.alro7.net