سورة
اية:

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

تفسير بن كثير

هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة، إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان اللّه وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم { يوم تأتي كل نفس تجادل} أي تحاج { عن نفسها} ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة { وتُوفَّى كل نفس ما عملت} أي من خير وشر { وهم لا يظلمون} أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر ولا يظلمون نقيراً.

تفسير الجلالين

اذكر { يوم تأتي كل نفس تجادل } تحاج { عن نفسها } لا يهمها غيرها وهو يوم القيامة { وتوفى كل نفس } جزاء { ما عملت وهم لا يظلمون } شيئا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس تُجَادِل عَنْ نَفْسهَا وَتُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا عَلِمَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك مِنْ بَعْدهَا لَغَفُور رَحِيم { يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس } تُخَاصِم عَنْ نَفْسهَا , وَتَحْتَجّ عَنْهَا بِمَا أَسْلَفَتْ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ أَوْ إِيمَان أَوْ كُفْر . { وَتُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا عَمِلَتْ } فِي الدُّنْيَا مِنْ طَاعَة وَمَعْصِيَة . { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } : يَقُول : وَهُمْ لَا يَفْعَل بِهِمْ إِلَّا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ وَيَسْتَوْجِبُونَهُ بِمَا قَدَّمُوهُ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , فَلَا يُجْزَى الْمُحْسِن إِلَّا بِالْإِحْسَانِ وَلَا الْمُسِيء إِلَّا بِاَلَّذِي أَسْلَفَ مِنْ الْإِسَاءَة , لَا يُعَاقَب مُحْسِن وَلَا يُبْخَس جَزَاء إِحْسَانه , وَلَا يُثَاب مُسِيء إِلَّا ثَوَاب عَمَله . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ " تُجَادِل " فَأَنَّثَ الْكُلّ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى كُلّ نَفْس : كُلّ إِنْسَان , وَأَنَّثَ لِأَنَّ النَّفْس تُذَكَّر وَتُؤَنَّث , يُقَال : مَا جَاءَ فِي نَفْس وَاحِد وَوَاحِدَة . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَرَى هَذَا الْقَوْل مِنْ قَائِله غَلَطًا وَيَقُول : " كُلّ " إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى نَكِرَة وَاحِدَة خَرَجَ الْفِعْل عَلَى قَدْر النَّكِرَة : كُلّ اِمْرَأَة قَائِمَة , وَكُلّ رَجُل قَائِم , وَكُلّ اِمْرَأَتَيْنِ قَائِمَتَانِ , وَكُلّ رَجُلَيْنِ قَائِمَانِ , وَكُلّ نِسَاء قَائِمَات , وَكُلّ رِجَال قَائِمُونَ , فَيَخْرُج عَلَى عَدَد النَّكِرَة وَتَأْنِيثهَا وَتَذْكِيرهَا , وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى تَأْنِيث النَّفْس وَتَذْكِيرهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس تُجَادِل عَنْ نَفْسهَا وَتُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا عَلِمَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك مِنْ بَعْدهَا لَغَفُور رَحِيم { يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس } تُخَاصِم عَنْ نَفْسهَا , وَتَحْتَجّ عَنْهَا بِمَا أَسْلَفَتْ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ أَوْ إِيمَان أَوْ كُفْر . { وَتُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا عَمِلَتْ } فِي الدُّنْيَا مِنْ طَاعَة وَمَعْصِيَة . { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } : يَقُول : وَهُمْ لَا يَفْعَل بِهِمْ إِلَّا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ وَيَسْتَوْجِبُونَهُ بِمَا قَدَّمُوهُ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , فَلَا يُجْزَى الْمُحْسِن إِلَّا بِالْإِحْسَانِ وَلَا الْمُسِيء إِلَّا بِاَلَّذِي أَسْلَفَ مِنْ الْإِسَاءَة , لَا يُعَاقَب مُحْسِن وَلَا يُبْخَس جَزَاء إِحْسَانه , وَلَا يُثَاب مُسِيء إِلَّا ثَوَاب عَمَله . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ " تُجَادِل " فَأَنَّثَ الْكُلّ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى كُلّ نَفْس : كُلّ إِنْسَان , وَأَنَّثَ لِأَنَّ النَّفْس تُذَكَّر وَتُؤَنَّث , يُقَال : مَا جَاءَ فِي نَفْس وَاحِد وَوَاحِدَة . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَرَى هَذَا الْقَوْل مِنْ قَائِله غَلَطًا وَيَقُول : " كُلّ " إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى نَكِرَة وَاحِدَة خَرَجَ الْفِعْل عَلَى قَدْر النَّكِرَة : كُلّ اِمْرَأَة قَائِمَة , وَكُلّ رَجُل قَائِم , وَكُلّ اِمْرَأَتَيْنِ قَائِمَتَانِ , وَكُلّ رَجُلَيْنِ قَائِمَانِ , وَكُلّ نِسَاء قَائِمَات , وَكُلّ رِجَال قَائِمُونَ , فَيَخْرُج عَلَى عَدَد النَّكِرَة وَتَأْنِيثهَا وَتَذْكِيرهَا , وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى تَأْنِيث النَّفْس وَتَذْكِيرهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} أي تخاصم وتحاج عن نفسها؛ جاء في الخبر أن كل أحد يقول يوم القيامة : نفسي نفسي! من شدة هول يوم القيمة سوى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل في أمته. وفي حديث عمر أنه قال لكعب الأحبار : يا كعب، خوّفنا هيّجنا حدّثنا نبّهنا. فقال له كعب : يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا لأتت عليك تارات لا يهمك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة فيقول : يا رب، أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي! قال : يا كعب، أين تجد ذلك في كتاب الله؟ قال : قوله تعالى { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} . وقال ابن عباس في هذه الآية : ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد؛ فتقول الروح : رب، الروح منك أنت خلقته، لم تكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد، فضعف عليه أنواع العذاب ونجني؛ فيقول الجسد : رب، أنت خلقتني بيدك فكنت كالخشبة، ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى به، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع النور، فبه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعف عليه أنواع العذاب ونجني منه. قال : فيضرب الله لهما مثلا أعمى ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمرة والمقعد لا ينالها، فنادى المقعد الأعمى ايتني فاحملني آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله، فأصابوا من الثمرة؛ فعلى من يكون العذاب؟ قال : عليكما جميعا العذاب؛ ذكره الثعلبي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 101 - 112

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قد يكون المعنى في هذه الآية على اتصال بالآية السابقة، ومتعلق بها، فيكون المراد:
{  إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }
[النحل: 110].

يحدث هذا:

{ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا... } [النحل: 111].

أي: يوم القيامة. أو يكون المعنى: اذكر يا محمد:

{ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا } [النحل: 111].

وهل للإنسان أكثر من نفس، فتجادل إحداهما عن الأخرى؟

الحقيقة أن للإنسان نفساً واحدة في الدنيا والآخرة، ولكنها تختلف في الدنيا عنها يوم القيامة؛ لأن الحق سبحانه منحها في الدنيا الاختيار، وجعلها حرة في أن تفعل أو لا تفعل، فكان من النفوس: الطائعة، والعاصية، والمنصاعة، والمكابرة.

فإذا ما وقفت النفس في موقف القيامة، وواجهتْ الحق الذي كانت تخالفه علمت أن الموقف لا تفيد فيه مكابرة، ولا حيلة لها إلا أن تجادل وتدافع عن نفسها، فكأن النفس القيامة تجادل عن نفس الدنيا في موقف ينادي فيه الحق تبارك وتعالى:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16].

وقد حكى القرآن الكريم نماذج من جدال النفس يوم القيامة، فقال تعالى:
{  وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
[الأنعام: 23].


{  وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. }
[الزمر: 3].


{  رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا... }
[فصلت: 29].

إذن: هي نفس واحدة، تجادل عن نفسها في يوم لا تجزي فيه نفس عن نفس، فكلٌّ مشغول بكَرْبه، مُحاسَب بذنبه، كما قال تعالى:
{  يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }
[عبس: 34-37].

وقوله تعالى:

{ وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [النحل: 111].

الحق سبحانه يعطينا لقطة سريعة للحساب والجزاء يوم القيامة، فالميزان ميزان عَدْل وقسطاس مستقيم لا يظلم أحداً.
{  فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }
[الزلزلة: 7-8].

وقوله تعالى: { وَتُوَفَّىٰ.. } [النحل: 111].

يدلُّ على أن الجزاء من الله يكون وافياً، لا نقص فيه ولا جَوْر، فالجميع عبيد الله، لا يتفاضلون إلا بأعمالهم، فإنْ رحمهم فبفضله، وإنْ عذَّبهم فبعدْله، وقد قال تعالى:
{  وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[النحل: 118].

ثم يقول الحق سبحانه: { وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً.. }.


www.alro7.net