سورة
اية:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ

تفسير بن كثير

قال مجاهد: { على حرف} على شك، وقال غيره: على طرف، ومنه حرف الجبل أي ظرفه، أي دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر، عن ابن عباس { ومن الناس من يعبد اللّه على حرف} قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ""أخرجه البخاري في صحيحه"". وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب، وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل اللّه على نبيه: { ومن الناس من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به} الآية. وهكذا ذكر قتادة والضحّاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر ""في اللباب: وكذلك أخرج ابن مردويه: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإسلام، فقال: لم أصب من ديني هذا خيراً، فنزلت: { ومن الناس} الآية""، وقال مجاهد في قوله: { انقلب على وجهه} أي ارتد كافراً، وقوله: { خسر الدنيا والآخرة} أي فلا هو حصل من الدنيا على شيء، واما الآخرة فقد كفر باللّه العظيم فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى: { ذلك هو الخسران المبين} أي هذه الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة، وقوله: { يدعو من دون اللّه ما لا يضره وما لا ينفعه} أي من الأصنام والأنداد يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها وهي لا تنفعه ولا تضره { ذلك هو الضلال البعيد} ، وقوله: { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} أي ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، وقوله: { لبئس المولى ولبئس العشير} قال مجاهد: يعني الوثن، يعني بئس هذا الذي دعاه من دون اللّه مولى، يعني ولياً وناصراً، { وبئس العشير} وهو المخالط والمعاشر، واختار ابن جرير أن المراد: لبئس ابن العم والصاحب، { من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه} وقول مجاهد: إن المراد به الوثن أولى وأقرب إلى سياق الكلام، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ ومن الناس من يعبد الله على حرف } أي شك في عبادته، شبه بالحالِّ على حرف جبل في عدم ثباته { فإن أصابه خير } صحة وسلامة في نفسه وماله { اطمأن به وإن أصابته فتنة } محنة وسقم في نفسه وماله { انقلب على وجهه } أي رجع إلى الكفر { خسر الدنيا } بفوات ما أمله منها { والآخرة } بالكفر { ذلك هو الخسران المبين } البيِّن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } يَعْنِي جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } أَعْرَابًا كَانُوا يَقْدَمُونَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتهمْ , فَإِنْ نَالُوا رَخَاء مِنْ عَيْش بَعْد الْهِجْرَة وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَقَامُوا عَلَى الْإِسْلَام , وَإِلَّا ارْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابهمْ ; فَقَالَ اللَّه : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه } عَلَى شَكّ , { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ } وَهُوَ السَّعَة مِنَ الْعَيْش وَمَا يُشْبِههُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا { اطْمَأَنَّ بِهِ } يَقُول : اسْتَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ . { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة } وَهُوَ الضِّيق بِالْعَيْشِ وَمَا يُشْبِههُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } يَقُول : ارْتَدَّ فَانْقَلَبَ عَلَى وَجْهه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْر بِاللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18863 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } ... إِلَى قَوْله : { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } قَالَ : الْفِتْنَة الْبَلَاء , كَانَ أَحَدهمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَة وَهِيَ أَرْض وَبِيئَة , فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمه وَنَتَجَتْ فَرَسه مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتْ امْرَأَته غُلَامًا رَضِيَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَقَالَ : مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَع الْمَدِينَة وَوَلَدَتْ امْرَأَته جَارِيَة وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَة , أَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ : وَاللَّه مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينك هَذَا إِلَّا شَرًّا ! وَذَلِكَ الْفِتْنَة . 18864 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنِ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } قَالَ : عَلَى شَكّ . 18865 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عَلَى حَرْف } قَالَ : عَلَى شَكّ . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر } رَخَاء وَعَافِيَة { اطْمَأَنَّ بِهِ } اسْتَقَرَّ . { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة } عَذَاب وَمُصِيبَة { انْقَلَبَ } ارْتَدَّ { عَلَى وَجْهه } كَافِرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . قَالَ ابْن جُرَيْج : كَانَ نَاس مِنْ قَبَائِل الْعَرَب وَمَنْ حَوْلهمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى يَقُولُونَ : نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا مِنْ مَعِيشَة الرِّزْق ثَبَتْنَا مَعَهُ , وَإِلَّا لَحِقْنَا بِأَهْلِنَا . 18866 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } قَالَ : شَكّ . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر } يَقُول : أُكْثِرَ مَاله وَكَثُرَتْ مَاشِيَته اطْمَأَنَّ وَقَالَ : لَمْ يُصِبْنِي فِي دِينِي هَذَا مُنْذُ دَخَلْته إِلَّا خَيْر { وَإِنْ أَصَابَته فِتْنَة } يَقُول : وَإِنْ ذَهَبَ مَاله , وَذَهَبَتْ مَاشِيَته { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , نَحْوه . 18867 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } الْآيَة , كَانَ نَاس مِنْ قَبَائِل الْعَرَب وَمِنْ حَوْل الْمَدِينَة مِنَ الْقُرَى كَانُوا يَقُولُونَ : نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَنْظُر فِي شَأْنه , فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا ثَبَتْنَا مَعَهُ , وَإِلَّا لَحِقْنَا بِمَنَازِلِنَا وَأَهْلِينَا . وَكَانُوا يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ : نَحْنُ عَلَى دِينك ! فَإِنْ أَصَابُوا مَعِيشَة وَنَتَجُوا خَيْلهمْ وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمْ الْغِلْمَان , اطْمَأَنُّوا وَقَالُوا : هَذَا دِين صِدْق ! وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ الرِّزْق وَأُزْلِقَتْ خُيُولهمْ وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمْ الْبَنَات , قَالُوا : هَذَا دِين سُوء ! فَانْقَلَبُوا عَلَى وُجُوههمْ . 18868 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } قَالَ : هَذَا الْمُنَافِق , إِنْ صَلُحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَة , وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتْ انْقَلَبَ , وَلَا يُقِيم عَلَى الْعِبَادَة إِلَّا لِمَا صَلُحَ مِنْ دُنْيَاهُ , وَإِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّة أَوْ فِتْنَة أَوْ اخْتِبَار أَوْ ضِيق , تَرَكَ دِينه وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } يَعْنِي جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } أَعْرَابًا كَانُوا يَقْدَمُونَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتهمْ , فَإِنْ نَالُوا رَخَاء مِنْ عَيْش بَعْد الْهِجْرَة وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَقَامُوا عَلَى الْإِسْلَام , وَإِلَّا ارْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابهمْ ; فَقَالَ اللَّه : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه } عَلَى شَكّ , { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ } وَهُوَ السَّعَة مِنَ الْعَيْش وَمَا يُشْبِههُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا { اطْمَأَنَّ بِهِ } يَقُول : اسْتَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ . { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة } وَهُوَ الضِّيق بِالْعَيْشِ وَمَا يُشْبِههُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } يَقُول : ارْتَدَّ فَانْقَلَبَ عَلَى وَجْهه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْر بِاللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18863 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } ... إِلَى قَوْله : { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } قَالَ : الْفِتْنَة الْبَلَاء , كَانَ أَحَدهمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَة وَهِيَ أَرْض وَبِيئَة , فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمه وَنَتَجَتْ فَرَسه مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتْ امْرَأَته غُلَامًا رَضِيَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَقَالَ : مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَع الْمَدِينَة وَوَلَدَتْ امْرَأَته جَارِيَة وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَة , أَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ : وَاللَّه مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينك هَذَا إِلَّا شَرًّا ! وَذَلِكَ الْفِتْنَة . 18864 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنِ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } قَالَ : عَلَى شَكّ . 18865 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عَلَى حَرْف } قَالَ : عَلَى شَكّ . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر } رَخَاء وَعَافِيَة { اطْمَأَنَّ بِهِ } اسْتَقَرَّ . { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة } عَذَاب وَمُصِيبَة { انْقَلَبَ } ارْتَدَّ { عَلَى وَجْهه } كَافِرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . قَالَ ابْن جُرَيْج : كَانَ نَاس مِنْ قَبَائِل الْعَرَب وَمَنْ حَوْلهمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى يَقُولُونَ : نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا مِنْ مَعِيشَة الرِّزْق ثَبَتْنَا مَعَهُ , وَإِلَّا لَحِقْنَا بِأَهْلِنَا . 18866 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } قَالَ : شَكّ . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر } يَقُول : أُكْثِرَ مَاله وَكَثُرَتْ مَاشِيَته اطْمَأَنَّ وَقَالَ : لَمْ يُصِبْنِي فِي دِينِي هَذَا مُنْذُ دَخَلْته إِلَّا خَيْر { وَإِنْ أَصَابَته فِتْنَة } يَقُول : وَإِنْ ذَهَبَ مَاله , وَذَهَبَتْ مَاشِيَته { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , نَحْوه . 18867 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } الْآيَة , كَانَ نَاس مِنْ قَبَائِل الْعَرَب وَمِنْ حَوْل الْمَدِينَة مِنَ الْقُرَى كَانُوا يَقُولُونَ : نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَنْظُر فِي شَأْنه , فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا ثَبَتْنَا مَعَهُ , وَإِلَّا لَحِقْنَا بِمَنَازِلِنَا وَأَهْلِينَا . وَكَانُوا يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ : نَحْنُ عَلَى دِينك ! فَإِنْ أَصَابُوا مَعِيشَة وَنَتَجُوا خَيْلهمْ وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمْ الْغِلْمَان , اطْمَأَنُّوا وَقَالُوا : هَذَا دِين صِدْق ! وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ الرِّزْق وَأُزْلِقَتْ خُيُولهمْ وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمْ الْبَنَات , قَالُوا : هَذَا دِين سُوء ! فَانْقَلَبُوا عَلَى وُجُوههمْ . 18868 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } قَالَ : هَذَا الْمُنَافِق , إِنْ صَلُحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَة , وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتْ انْقَلَبَ , وَلَا يُقِيم عَلَى الْعِبَادَة إِلَّا لِمَا صَلُحَ مِنْ دُنْيَاهُ , وَإِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّة أَوْ فِتْنَة أَوْ اخْتِبَار أَوْ ضِيق , تَرَكَ دِينه وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْر . ' وَقَوْله : { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَقُولهُ : غَبَنَ هَذَا الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَته دُنْيَاهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَظْفَر بِحَاجَتِهِ مِنْهَا بِمَا كَانَ مِنْ عِبَادَته اللَّه عَلَى الشَّكّ , وَوَضَعَ فِي تِجَارَته فَلَمْ يَرْبَح { وَالْآخِرَة } يَقُول : وَخَسِرَ الْآخِرَة , فَإِنَّهُ مُعَذَّب فِيهَا بِنَارِ اللَّه الْمُوقَدَة . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار جَمِيعًا غَيْر حُمَيْد الْأَعْرَج : { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } عَلَى وَجْه الْمُضِيّ , وَقَرَأَهُ حُمَيْد الْأَعْرَج : " خَاسِرًا " نَصْبًا عَلَى الْحَال عَلَى مِثَال فَاعِل .وَقَوْله : { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَقُولهُ : غَبَنَ هَذَا الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَته دُنْيَاهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَظْفَر بِحَاجَتِهِ مِنْهَا بِمَا كَانَ مِنْ عِبَادَته اللَّه عَلَى الشَّكّ , وَوَضَعَ فِي تِجَارَته فَلَمْ يَرْبَح { وَالْآخِرَة } يَقُول : وَخَسِرَ الْآخِرَة , فَإِنَّهُ مُعَذَّب فِيهَا بِنَارِ اللَّه الْمُوقَدَة . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار جَمِيعًا غَيْر حُمَيْد الْأَعْرَج : { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } عَلَى وَجْه الْمُضِيّ , وَقَرَأَهُ حُمَيْد الْأَعْرَج : " خَاسِرًا " نَصْبًا عَلَى الْحَال عَلَى مِثَال فَاعِل .' وَقَوْله : { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَان الْمُبِين } يَقُول : وَخَسَارَته الدُّنْيَا وَالْآخِرَة هِيَ الْخُسْرَان يَعْنِي الْهَلَاك . { الْمُبِين } يَقُول : يَبِين لِمَنْ فَكَّرَ فِيهِ وَتَدَبَّرَهُ أَنَّهُ قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .وَقَوْله : { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَان الْمُبِين } يَقُول : وَخَسَارَته الدُّنْيَا وَالْآخِرَة هِيَ الْخُسْرَان يَعْنِي الْهَلَاك . { الْمُبِين } يَقُول : يَبِين لِمَنْ فَكَّرَ فِيهِ وَتَدَبَّرَهُ أَنَّهُ قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف} { من} في موضع رفع بالابتداء، والتمام { انقلب على وجهه} على قراءة الجمهور { خسر} . وهذه الآية خبر عن المنافقين. قال ابن عباس : يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما أوحى إليه ارتد شيبة بن ربيعة. وقال أبو سعيد الخدري : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله؛ فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني! فقال : (إن الإسلام لا يقال) فقال : إني لم أصب في ديني هذا خيرا! ذهب بصري ومالي وولدي! فقال : (يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب)؛ فأنزل الله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف} . وروى إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( { ومن الناس من يعبد الله على حرف} قال : كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح؛ فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء). وقال المفسرون : نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون؛ فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن نالتهم شدة ارتدوا. وقيل نزلت في النضر بن الحارث. وقال ابن زيد وغيره : نزلت في المنافقين. ومعنى { على حرف} على شك؛ قاله مجاهد وغيره. وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه. وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحده؛ ومنه حرف الجبل، وهو أعلاه المحدد. وقيل { على حرف} أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء؛ ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف. وقيل { على حرف} على شرط؛ وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر أمره : ادع لي ربك أن يرزقني مالا وإبلا وخيلا وولدا حتى أومن بك وأعدل إلى دينك؛ فدعا له فرزقه الله عز وجل ما تمنى؛ ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره وهو أعلم به فأخذ منه ما كان رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام فأنزل الله تبارك وتعالى فيه { ومن الناس من يعبد الله على حرف} يريد شرط. وقال الحسن : هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه. وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته؛ وبين هذا بقوله { فإن أصابه خير} صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه. { وإن أصابته فتنة} أي خلاف ذلك مما يختبر به. { انقلب على وجهه} أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر. { خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق - وروي عن يعقوب - { خاسر الدنيا} بألف، نصبا على الحال، وعليه فلا يوقف على { وجهه} . وخسرانه الدنيا بأن لاحظ في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له فيها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 10 - 13


سورة الحج الايات 11 - 15

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ.. } [الحج: 11] العبادة: أنْ تطيع الله فيما أمر فتنفذه، وتطيعه فيما نهى فتجتنبه، بعض الناس يعبد الله هذه العبادة طالما هو في خير دائم وسرور مستمر، فإذا أصابه شَرٌّ أو وقع به مكروه ينقلب على وجهه { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ.. } [الحج: 11]

والحق سبحانه يريد من عبده أنْ يُقبل على عبادته في ثبات إيمان، لا تزعزعه الأحداث، ولا تهز إيمانه فيتراجع، ربك يريدك عبداً له في الخير وفي الشر، في السراء وفي الضراء، فكلاهما فتنة واختبار، وما آمنتَ بالله إلا لأنك علمتَ أنه إله حكيم عادل قادر، ولا بد أنْ تأخذ ما يجري عليك من أحداث في ضوء هذه الصفات.

فإنْ أثقلتْك الحياة فاعلم أن وراء هذه حكمة إنْ لم تكن لك فلأولادك من بعدك، فلعلهم إنْ وجدوك في سعة وفي خير طَمِعُوا وفسدوا وطَغَوْا، ولعل حياة الضيق وقِلَّة الرزق وتعبك لتوفر متطلبات الحياة يكون دافعاً لهم.

واقرأ قوله تعالى:
{  كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ }
[العلق: 6 - 7] وقوله تعالى:
{  وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }
[الأنبياء: 35].

لا بُدَّ أنْ تعرف هذه الحقائق، وأنْ تؤمن بحكمة ربك في كل ما يُجريه عليك، سواء أكان نعيماً أو بُؤْساً، فإنْ أصابك مرض أقعدك في بيتك فَقُلْ: ماذا حدث خارج البيت، أبعدني الله عنه وعافاني منه؟ فلعل الخير فيما تظنه شراً، كما قال تعالى:
{  وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ.. }
[البقرة: 216].

وقد أجرى علماء الإحصاء إحصاءات على بعض بيوتنا، فوجدوا الإخوة في البيت الواحد، وفي ظروف بيئية واحدة وأب واحد، وأم واحدة، حتى التعليم في المدرس على مستوى واحد، ومع ذلك تجد أحد الأبناء مستقيماً ملتزماً، وتجد الآخر على النقيض، فلمَّا بحثوا في سبب هذه الظاهرة وجدوا أن الولد المستقيم كانت فترة تربيته وطفولته في وقت كان والده مريضاً ويلازم بيته لمدة ست سنوات، فأخذ هذا الولد أكبر قِسْط من الرعاية والتربية، ولم يجد الفرصة للخروج من البيت أو الاختلاط برفاق السوء.

وفي نموذج آخر لأحد الأبناء المنحرفين وجدوا أن سبب انحرافه أن والده في فترة تربيته وتنشئته كان تاجراً، وكان كثير الأسفار، ومع ذلك كان يُغْدِق على أسرته، فتربَّى الولد في سَعَة من العيش، بدون مراقبة الأب.

وفي نموذج آخر وجدوا أخوين: أحدهما متفوق، والآخر فاشل، ولما بحثوا أسباب ذلك رغم أنهما يعيشان ظروفاً واحدة وجدوا أن الابن المتفوق صحته ضعيفة، فمال إلى البيت والقراءة والاطلاع، وكان الآخر صحيحاً وسيماً، فمال إلى حياة الترف، وقضى معظم وقته خارج البيت.والأمثلة في هذا المجال كثيرة.

إذن: فالابتلاءات لها مغانم، ومن ورائها حِكَم؛ لأنها ناشئة وجارية عليك بحكمة ربك وخالقك، وليست من سَعْيك ولا من عمل يدك، وما دامت كذلك فارْضَ بها، واعبد الله بإخلاص وإيمان ثابت في الخير وفي الشر.

ومعنى: { يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ.. } [الحج: 11] والحرف: هو طرف الشيء، كأن تدخل فتجد الغرفة ممتلئة فتجلس على طرف في آخر الجالسين، وهذا عادةً لا يكون معه تمكُّن واطمئنان، كذلك مَنْ يعبد الله على حرف يعني: لم يتمكَّن الإيمان من قلبه، وسرعان ما يُخرِجه الابتلاء عن الإيمان، لأنه عبد الله عبادةً غير متمكنة باليقين الذي يصدر عن المؤمن بإله حكيم فيما يُجريه على عبده.

والآية لم تترك شيئاً من هواجس النفس البشرية سواء في الخير أو في الشر.

وتأمل قول الله تعالى: { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ.. } [الحج: 11] وكذلك: { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ.. } [الحج: 11] فأنت لا تقول: أصبتُ الخيرَ، إنما الخير هو الذي أصابك وأتاك إلى بابك، فأنت لا تبحث عن رزقك بقدر ما يبحث هو عنك؛ لذلك يقول تعالى:
{  وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ.. }
[الطلاق: 2 - 3].

ويقول أهل المعرفة: رِزْقك أعلم بمكانك منك بمكانه، يعني يعرف عنوانك أما أنت فلا تعرف عنوانه، بدليل أنك قد تطلب الرزق في مكان فلا تُرزَق منه بشيء، وقد ترى الزرع في الحقول زاهياً تأمل فيه المحصول الوفير، وتبني عليه الآمال، فإذا بعاصفة أو آفة تأتي عليه، فلا تُرزَق منه حتى بما يسدُّ الرَّمَق.

ولنا عبرة ومثَلٌ في ابن أُذَيْنة حين ضاقت به الحال في المدينة، فقالوا له: إن لك صحبة بهشام بن عبد الملك الخليفة الأموي فاذهب إليه ينالك من خير الخلافة، وفعلاً سافر ابن أذينة إلى صديقه، وضرب إليه أكباد الإبل حتى الشام، واستأذن فأَذن له، واستقبله صاحبه، وسأله عن حالة فقال: في ضيق وفي شدة. وكان في مجلس الخليفة علماء فقال له: يا عروة ألست القائل - وكان ابن أُذَيْنَة شاعراً:
لَقَد عَلِمت ومَا الإسْرَافُ مِنْ خُلُقِي   أَنَّ الذي هُوَ رِزْقي سَوْفَ يأْتِينِي؟
وهنا أحسَّ عروة أن الخليفة كسر خاطره، وخَيَّب أمله فيه، فقال له: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين، لقد ذكَّرت مني ناسياً، ونبَّهْتَ مني غافلاً، ثم انصرف.

فلما خرج ابن أُذيْنة من مجلس الخليفة، وفكَّر الخليفة في الموقف وأنَّب نفسه على تصُّرفه مع صاحبه الذي قصد خَيْره، وكيف أنه رَدَّه بهذه الصورة، فأراد أنْ يُصلِح هذا الخطأ، فأرسل إليه رسولاً يحمل الهدايا الكثيرة، إلا أن رسول الخليفة كلما تبع ابن أُذَيْنة في مكان وجده قد غادره إلى مكان آخر، إلى أنْ وصل إلى بيته، فطرق الباب، وأخبره أن أمير المؤمنين قد ندم على ما كان منه، وهذه عطاياه وهداياه.وهنا أكمل ابن أُذيْنة بيته الأول، فقال:
أسْعَى لَهُ فَيُعَنَّيني تطلُّبه   وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لاَ يُعنَّيني
كذلك نلحظ في هذه الآية: { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ.. } [الحج: 11] ولم يقابل الخير بالشر، إنما سماها (فتْنَة) أي: اختبار وابتلاء؛ لأنه قد ينجح في هذا الاختبار فلا يكون شراً في حَقِّه.

ومعنى: { ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } [الحج: 11] يعني: عكس الأمر، فبعد أنْ كان عابداً طائعاً انقلب إلى الضِّدِّ فصار عاصياً { خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ.. } [الحج: 11] وخسْران الإنسان لعبادته خسران كبيرٌ لا يُجْبَر ولا يُعوِّضه شيء؛ لذلك يقول بعدها: { ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } [الحج: 11] فهل هناك خُسْران مبين، وخسران غير مبين؟

نعم: الخسران هو الخسارة التي تُعوَّض، أما الخسارة التي لا عِوضَ لها فهذه هي الخسران المبين الذي يلازم الإنسان ولا ينفكُّ عنه، وهو خُسْران لا يقتصر على الدنيا فقط فيمكن أنْ تُعوِّضه أو تصبر عليه، إنما يمتد للآخرة حيث لا عِوضَ لخسارتها ولا صَبْر على شِدَّتها. فالخسران المبين أي: المحيط الذي يُطوِّق صاحبه.

لذلك نقول لمن فقد عزيزاً عليه، كالمرأة التي فقدت وحيدها مثلاً: إنْ كان الفقيد حبيباً وغالياً فبيعوه غالياً وادخلوا به الجنة، ذلك حين تصبرون على فَقْده وتحتسبونه عند الله، وإنْ كنتم خسرتم به الدنيا فلا تخسروا به الآخرة، فإنْ لطَمْنا الخدود وشَقَقْنَا الجيوب، واعترضنا على قَدَر الله فيه فقد خسرنَا به الدنيا والآخرة.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: " عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن ".

والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء مرتبة من مراتب الإيمان، ومرحلة من مراحل اليقين في نفس المؤمن، وهي بداية وعَتَبة يتلوها مراحل أخرى ومراقٍ، حَسْب قوة الإيمان.

اسمع إلى هذا الحوار الذي دار بين أهل المعرفة من الزُّهَّاد، وكيف كانوا يتباروْنَ في الوصول إلى هذه المراقي الإيمانية، ويتنافسون فيها، لا عن مُبَاهاة ومفاخرة، إنما عن نية خالصة في الرُّقي الإيماني.

يسأل أحد هؤلاء المتمكِّنين صاحبه: كيف حال الزهاد في بلادكم؟ فقال: إن أصابنا خير شكرنا، وإن أصابنا شَرٌّ صبرنا، فضحك الشيخ وقال: وما في ذلك؟! إنه حال الكلاب في بَلْخ. أما عندنا: فإنْ أصابنا خير آثرنا، وإنْ أصابنا شَرٌّ شكرنا.

وهذه ليست مباهاة إنما تنافس، فكلاً الرجلين زاهد سالك لطريق الله، يرى نفسه محسوباً على هذا الطَريق، فيحاول أنْ يرتقيَ فيه إلى أعلى مراتبه، فإياك أنْ تظن أن الغاية عند الصبر على البلاء والشُّكْر على العطاء، فهذه البداية وبعدها منازل أعْلَى ومَراقٍ أسمى لمن طلبَ العُلاَ، وشمَّر عن ساعد الجد في عبادة ربه.

انظر إلى أحد هؤلاء الزُّهَّاد يقول لصاحبة: أَلاَ تشتاق إلى الله؟ قال: لا، قال مُتعجباً: وكيف ذلك؟ قال: إنما يُشتاق لغائب، ومتى غاب عني حتى أشتاق إليه؟ وهكذا تكون درجات الإيمان وشفافية العلاقة بين العبد وربه عز وجل.

ثم يقول الحق سبحانه عن هذا الذي يعبد الله على حرف: { يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ.. }.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...} الآية [11].
قال المفسرون نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، مهاجرين من باديتهم، وكان أحدهم إذا قدم المدينة: فإن صحَّ بها [جسمه]، ونُتِجَتْ فَرَسُه مُهْراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً، وكَثُرَ ماله وماشيته رضي عنه واطمأن، وقال: ما أصبْتُ منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وأُجْهِضَتْ رِمَاكُه، وذهب ماله، وتأخرت عنه الصَّدَقَةُ أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبتَ منذ كنتَ على دينك هذا إلا شرّاً، فينقلبُ عن دينه. فأنزل الله تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} الآية.
وروى عطية، عن أبي سعيد الخُدْرِي، قال:
أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده وتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أقِلْنِي: فقال: إن الإسلام لا يُقالُ قال: إني لم أصب في ديني هذا خيراً: أذْهَبَ بصري ومالي وولدي. فقال: "يا يهودي، إن الإسلام يَسْبِكُ الرِّجالَ كما تَسْبِكُ النَّارُ خَبَثَ الحديد والفضة والذهب"، قال: ونزلت: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} .


www.alro7.net