سورة
اية:

وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده، أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أولادهم بالشر، في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفاً ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأولادهم بالخير والبركة، ولهذا قال: { ولو يعجل اللّه للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} الآية: أي لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك؛ كما جاء في الحديث الذي رواه جابر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من اللّه ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم) ""أخرجه البزار وأبو داود عن جابر بن عبد اللّه""، وهذا كقوله تعالى: { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} الآية، وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم.

تفسير الجلالين

{ ولو يُعَجِل الله للناس الشر استعجالهم } أي كاستعجالهم { بالخير لقضي } بالبناء للمفعول وللفاعل { إليهم أجلُهم } بالرفع والنصب، بأن يهلكهم ولكن يمهلهم { فَنَذَرُ } نترك { الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون } يترددون متحيرين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ فَنَذَر الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ } إِجَابَة دُعَائِهِمْ فِي { الشَّرّ } , وَذَلِكَ فِيمَا عَلَيْهِمْ مَضَرَّة فِي نَفْس أَوْ مَال ; { اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } يَقُول : كَاسْتِعْجَالِهِ لَهُمْ فِي الْخَيْر بِالْإِجَابَةِ إِذَا دَعَوْهُ بِهِ . { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } يَقُول : لَهَلَكُوا وَعُجِّلَ لَهُمْ الْمَوْت , وَهُوَ الْأَجَل . وَعَنِيَ بِقَوْلِهِ : { لَقُضِيَ } لَفَرَغَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَجَلهمْ وَتَبَدَّى لَهُمْ , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّع { فَنَذَر الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } يَقُول : فَنَدَع الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ عِقَابنَا وَلَا يُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَلَا بِالنُّشُورِ , { فِي طُغْيَانهمْ } يَقُول : فِي تَمَرُّدهمْ وَعُتُوّهُمْ , { يَعْمَهُونَ } يَعْنِي يَتَرَدَّدُونَ . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة بِالْبَعْثِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ مِنْ طُغْيَانهمْ وَتَرَدُّدهمْ فِيهِ عِنْد تَعْجِيله إِجَابَة دُعَائِهِمْ فِي الشَّرّ لَوْ اِسْتَجَابَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّقَرُّب إِلَى الْوَثَن الَّذِي يُشْرِك بِهِ أَحَدهمْ , أَوْ يُضِيف ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ فِعْله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 13625 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الْإِنْسَان إِذَا غَضِبَ لِوَلَدِهِ وَمَاله : لَا بَارَكَ اللَّه فِيهِ وَلَعَنَهُ ! 13626 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الْإِنْسَان لِوَلَدِهِ وَمَاله إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ : اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ ! فَلَوْ يُعَجِّل اللَّه الِاسْتِجَابَة لَهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَا يُسْتَجَاب فِي الْخَيْر لَأَهْلَكَهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الْإِنْسَان لِوَلَدِهِ وَمَاله إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ : اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } قَالَ : لَأَهْلَك مَنْ دَعَا عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الرَّجُل لِوَلَدِهِ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ أَوْ مَاله : اللَّهُمَّ لَا تُبَارَكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ ! قَالَ اللَّه : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } قَالَ : لَأَهْلَك مَنْ دَعَا عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ . قَالَ : { فَنَذَر الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } قَالَ : يَقُول : لَا نُهْلِك أَهْل الشِّرْك , وَلَكِنْ نَذَرهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ . 13627 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : هُوَ دُعَاء الرَّجُل عَلَى نَفْسه وَمَاله بِمَا يَكْرَه أَنْ يُسْتَجَاب لَهُ . 13628 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } قَالَ : لَأَهْلَكْنَاهُمْ , وَقَرَأَ : { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة } 35 45 قَالَ : يُهْلِكهُمْ كُلّهمْ . وَنَصْب قَوْله { اِسْتِعْجَالهمْ } بِوُقُوعِ يُعَجِّل عَلَيْهِ , كَقَوْلِ الْقَائِل : قُمْت الْيَوْم قِيَامك , بِمَعْنَى قُمْت كَقِيَامِك , وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ مِنْ يُعَجِّل , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَصْدَرًا لَمْ يَحْسُن دُخُول الْكَاف , أَعْنِي كَاف التَّشْبِيه فِيهِ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْلِهِ : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله بِضَمِّ الْقَاف مِنْ " قُضِيَ " وَرَفْع " الْأَجَل " . وَقَرَأَ عَامَّة أَهْل الشَّأْم : " لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ " بِمَعْنَى : لَقَضَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , غَيْر أَنِّي أَقْرَؤُهُ عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ; لِأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَر الْقُرَّاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ فَنَذَر الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ } إِجَابَة دُعَائِهِمْ فِي { الشَّرّ } , وَذَلِكَ فِيمَا عَلَيْهِمْ مَضَرَّة فِي نَفْس أَوْ مَال ; { اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } يَقُول : كَاسْتِعْجَالِهِ لَهُمْ فِي الْخَيْر بِالْإِجَابَةِ إِذَا دَعَوْهُ بِهِ . { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } يَقُول : لَهَلَكُوا وَعُجِّلَ لَهُمْ الْمَوْت , وَهُوَ الْأَجَل . وَعَنِيَ بِقَوْلِهِ : { لَقُضِيَ } لَفَرَغَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَجَلهمْ وَتَبَدَّى لَهُمْ , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّع { فَنَذَر الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } يَقُول : فَنَدَع الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ عِقَابنَا وَلَا يُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَلَا بِالنُّشُورِ , { فِي طُغْيَانهمْ } يَقُول : فِي تَمَرُّدهمْ وَعُتُوّهُمْ , { يَعْمَهُونَ } يَعْنِي يَتَرَدَّدُونَ . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة بِالْبَعْثِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ مِنْ طُغْيَانهمْ وَتَرَدُّدهمْ فِيهِ عِنْد تَعْجِيله إِجَابَة دُعَائِهِمْ فِي الشَّرّ لَوْ اِسْتَجَابَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّقَرُّب إِلَى الْوَثَن الَّذِي يُشْرِك بِهِ أَحَدهمْ , أَوْ يُضِيف ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ فِعْله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 13625 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الْإِنْسَان إِذَا غَضِبَ لِوَلَدِهِ وَمَاله : لَا بَارَكَ اللَّه فِيهِ وَلَعَنَهُ ! 13626 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الْإِنْسَان لِوَلَدِهِ وَمَاله إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ : اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ ! فَلَوْ يُعَجِّل اللَّه الِاسْتِجَابَة لَهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَا يُسْتَجَاب فِي الْخَيْر لَأَهْلَكَهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الْإِنْسَان لِوَلَدِهِ وَمَاله إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ : اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } قَالَ : لَأَهْلَك مَنْ دَعَا عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : قَوْل الرَّجُل لِوَلَدِهِ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ أَوْ مَاله : اللَّهُمَّ لَا تُبَارَكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ ! قَالَ اللَّه : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } قَالَ : لَأَهْلَك مَنْ دَعَا عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ . قَالَ : { فَنَذَر الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } قَالَ : يَقُول : لَا نُهْلِك أَهْل الشِّرْك , وَلَكِنْ نَذَرهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ . 13627 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ } قَالَ : هُوَ دُعَاء الرَّجُل عَلَى نَفْسه وَمَاله بِمَا يَكْرَه أَنْ يُسْتَجَاب لَهُ . 13628 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ } قَالَ : لَأَهْلَكْنَاهُمْ , وَقَرَأَ : { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة } 35 45 قَالَ : يُهْلِكهُمْ كُلّهمْ . وَنَصْب قَوْله { اِسْتِعْجَالهمْ } بِوُقُوعِ يُعَجِّل عَلَيْهِ , كَقَوْلِ الْقَائِل : قُمْت الْيَوْم قِيَامك , بِمَعْنَى قُمْت كَقِيَامِك , وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ مِنْ يُعَجِّل , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَصْدَرًا لَمْ يَحْسُن دُخُول الْكَاف , أَعْنِي كَاف التَّشْبِيه فِيهِ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْلِهِ : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله بِضَمِّ الْقَاف مِنْ " قُضِيَ " وَرَفْع " الْأَجَل " . وَقَرَأَ عَامَّة أَهْل الشَّأْم : " لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ " بِمَعْنَى : لَقَضَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , غَيْر أَنِّي أَقْرَؤُهُ عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ; لِأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَر الْقُرَّاء .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولو يعجل الله للناس الشر} قيل : معناه ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا، لأنهم خلقوا في الدنيا خلقا ضعيفا، وليس هم كذا يوم القيامة؛ لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء. وقيل : المعنى لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم؛ وهو معنى { لقضي إليهم أجلهم} . وقيل : إنه خاص بالكافر؛ أي ولو يجعل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة؛ قال ابن إسحاق. مقاتل : هو قول النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء؛ فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وقال مجاهد : نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب : اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه والعنه، أو نحو هذا؛ فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم. فالآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في بعض الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر؛ فلو عجل لهم لهلكوا. الثانية: واختلف في إجابة هذا الدعاء؛ فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إني سألت الله عز وجل ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه). وقال شهر بن حوشب : قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملائكة الموكلين بالعبد : لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئا؛ لطفا من الله تعالى عليه. قال بعضهم : وقد يستجاب ذلك الدعاء، واحتج بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه آخر الكتاب، قال جابر : سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب، ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن؛ فقال له : شأ؛ لعنك الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من هذا اللاعن بعيره)؟ قال : أنا يا رسول الله؛ قال : (انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم). في غير كتاب مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال : (أين الذي لعن ناقته)؟ فقال الرجل : أنا هذا يا رسول الله؛ فقال : (أخرها عنك فقد أجبت فيها) ذكره الحليمي في منهاج الدين. { شأ} يروى بالسين والشين، وهو زجر للبعير بمعنى سر. الثالثة: قوله تعالى: { ولو يعجل الله} قال العلماء : التعجيل من الله، والاستعجال من العبد. وقال أبو علي : هما من الله؛ وفي الكلام حذف؛ أي ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، ثم حذف تعجيلا وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه. وعلى قول الأخفش والفراء كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء : كما تقول ضربت زيدا ضربك، أي كضربك. وقرأ ابن عامر { لقضى إليهم أجلهم} . وهي قراءة حسنة؛ لأنه متصل بقوله: { ولو يعجل الله للناس الشر} . قوله تعالى: { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} أي لا يعجل لهم الشر فربما يتوب منهم تائب، أو يخرج من أصلابهم مؤمن. { في طغيانهم يعمهون} أي يتحيرون. والطغيان : العلو والارتفاع؛ وقد تقدم في { البقرة} . وقد قيل : إن المراد بهذه الآية أهل مكة، وإنها نزلت حين قالوا: { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك { الأنفال : 32] الآية، على ما تقدم والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 6 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه الآية تتناول قضية عقدية قد تكون شُغُل الناس الشاغل في الدعاء لله تعالى، وقد لا يُجاب دعاؤهم مع كثرة الدعاء، ويُحزنهم على أنفسهم ويقول الواحد منهم: لماذا لا يقبل الله دعائي؟ أو يقع بعضهم في اليأس.

ونقول لكل إنسان من هذا الفريق: لا، أنت تدعو، مرة تدعو بالشر ومرة تدعو بالخير، فلو أن الله سبحانه وتعالى قد أجابك في جميع الدعاء، فسوف يجيب دعاءك في الشر ودعاءك في الخير، ولو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل لك دعاء الشر، كما تحب أن يُعجَّل لك دعاء الخير، لَقُضِي إليك أجلك وانتهت المسألة، وهناك من قالوا:
{  ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الأنفال: 32].

ولو استجاب الحق لمثل هذا الدعاء، لكان وبالاً على مَنْ دعوا ذلك الدعاء.

إذن: فمن مصلحتك حين تدعو على نفسك أو تدعو بأي وبال ألا يجيبك الله تعالى، وافهم أن لله تعالى حكمة في الإجابة؛ لأنه سبحانه وتعالى مُنزَّه عن أن يكون موظفاً عند الخلق، ومَن يدعُهُ بشيء يجبه عليه، بل لا بد من مشيئته سبحانه في تقرير لون الإجابة؛ لأنه لو كان الأمر عكس ذلك لانتقلت الألوهية للعبد.

لقد صان الحق سبحانه عباده بوضع رقابة على الدعاء؛ وأنت تعتقد أن دعاءك بالخير، ولكن رقابة الحق سبحانه التي تعلم كل شيء أزلاً تكاد أن تقول لك: لا، ليس خيراً. وانتظر الخير بعدم استجابة دعائك؛ لأنه القائل سبحانه:
{  وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ... }
[البقرة: 216].

إذن: فمعرفتك ليست نهائية في تقرير الخير والشر؛ لذلك دَعِ الإلهَ الأعلى - وهو المأمون عليك - أن يستجيب أو لا يستجيب لما تدعوه وأنت في ظنك أنه الخير، فالمعرفة العليا هي التي تفرق بين الخير والشر، وفي المنع - أحياناً - عين العطاء؛ ولذلك يقول الحق:
{  وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }
[الإسراء: 11].

وقد تلحّ في دعاء لو استجيب لك؛ لكان شرّاً. والله سبحانه يعلم ما هو الخير لك، وهو سبحانه يجيب أحياناً بعض خلقه في أشياء كان الإنسان منهم يتمنى أن توجد، ثم يكتشف الإنسان أنها لم تكن خيراً، وأحياناً يأتي لك بأشياء كنت تظن أنها شر لك، فتجد فيها الخير. وهكذا يصحّح لك الحق سبحانه بحكمته تصرفاتك الاختيارية.

وقد قال الكافرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
{  ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الأنفال: 32].

ومن قالوا هذا القول هم: العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يهود، وكانوا قد وصلوا إلى قمة الاضطراب؛ فهم قد اضطربوا أولاً حين اتهموه بأنه ساحر، ولم ينتبهوا إلى غباء ما يقولون؛ لأنه إن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرة السحر؛ فلماذا لم يسحرهم هم ليؤمنوا أيضاً؟

واضطربوا مرة ثانية، وحاولوا أن يقولوا: إن القرآن شعر، أو له طبيعة الشعر والكلام المسجوع، والقرآن ليس كذلك.ولو أن جماعة غيرهم قالت مثل هذا القول لكان لهم عذرهم لأنهم ليسوا أهل لغة، أما هؤلاء فهم قوم أهل دُرْبة على الفصاحة والبلاغة، وكانوا يعقدون أسواق الشعر والخطابة، ثم اضطربوا مرة ثالثة، وحاولوا الطعن في مكانه محمد صلى الله عليه وسلم وهم يُقروّن بعظمة القرآن؛ فقالوا:
{  لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31].

والحق سبحانه وتعالى حينما يتعرض لحادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع الكافرين؛ لا يقتصر في الحدث على ما وقع، ولكنه يعالج قضية عامة كونية إلى أن تقوم الساعة، ويجعل الحدث الحاصل في زمنه سبباً فقط؛ ليعطي عموم الحكم في كل زمان وفي كل مكان. وإلا اقتصر الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء القرآن للناس كافة، وجاء للزمان عامة، فلا بد أن تكون القضية المعروضة - أيّ قضية - أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم عاصروه لها سبب خاص، ولكن العبرة بعموم الموضوع لا بخصوص السبب.

ويعالج الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة الشخصية من هؤلاء الذين قالوا ذلك قضيةً كونيةً ستظل إلى أن تقوم الساعة.

فقد دَعَوْا على أنفسهم:
{  إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الأنفال: 32].

كما قال قوم عاد لهود:
{  أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ }
[الأعراف: 70].

إذن: هم قد دعوا بشرٍّ على أنفسهم.

ويعالج الله قضية الدعاء بالخير أو الدعاء بالشرّ، لأن الإنسان قد يضيق ذَرْعاً بأمور تحيط بذاته أو بالمحيط به؛ فإذا ضاق ذرعاً بأمور تحيط به في ذاته من ألم كمرض - مثلاً، أو عاهة لا يقوى على الصبر عليها، أو لا يقوى على تحمّلها؛ فيقول: " يا رب، أرحني يا رب " ، وهو هنا يدعو على نفسه بالموت. فلو أن الله سبحانه وتعالى استجاب دعاءه لَقُضيت المسألة.

ولكن الله هو الحكيم العزيز، لا يأتمر بأمر أحد من خلقه، ولا يعجل بعَجَلة العباد، وكما يؤجل لك استجابته لدعوة الخير منك، فهو يؤجل أيضاً إجابتك لدعوة الشرّ منك على نفسك؛ وفي ذلك رحمة منه سبحانه.

وإذا كنت تقول: أنا أدعو بالخير، والله سبحانه وتعالى لا يعطيني، فخذ مقابلها: أنك تدعو بالشرّ على نفسك، ولا يجيبك الله.ثم ألا يضيق الأب أحياناً ذَرْعاً بمن حوله، فيقول: فليأخذني الله؛ لأستريح من وجوهكم؟ هَبْ أن الله سبحانه أجابه إلى هذه الدعوة، فماذا يكون الموقف؟ وقد تجد من يقول: يا رب أصبني بالعمى فلا أراهم، أو تدعو المرأة على نفسها أو على أولادها.

وأنتم تحبون أن يجيب الله تعالى دعاءكم، فلو كان يجيبكم على دعاء الشرّ لانتهت حياتكم إلى الفزع، مثل هذه الأم التي تدعو بالمتناقضات فتقول لولدها - مثلاً: " ربنا يسقيني نارك " فتطلب السُّقيا بالنار، رغم أن السُّقيا للرِّي، والنار للحرارة.

إذن: قد يضيق الإنسان ذرعاً بنفسه، أو يضيق ذرعاً بمن حوله؛ فيدعو على نفسه بالشرّ، وحين يدعو الإنسان فيجب عليه أن ينزّه الحق سبحانه تعالى عن أن ينفذ ما يدعو العبد به دون أن يمر الدعاء على حكمته سبحانه وتعالى.

{ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } ، فكما قبلتم أن يؤجل الله تعالى لكم دعاء الشر على أنفسكم؛ فاقبلوا منه تأجيل دعائكم بالخير؛ لأن الخير فيما تطلبون غير الخير فيما يعلم الله؛ فهو العليم الخبير. وقد تطلب خيراً تعلمه ولكن الله يعلم فيه شراً؛ فمن مصلحتك ألا يجيبك. وكما تحترم عدم إجابته لك في الشر على نفسك، أو على من تحب، فاحترم عدم إجابته لك فيما تظنه خيراً لك، أو لمن تحب؛ لأن الله لا يعجل بعجله عباده؛ لأنه سبحانه هو الذي خلقهم، وهو أعلم بهم، فهو القائل:
{  خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ... }
[الأنبياء: 37].

وهو سبحانه القائل:
{  سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ }
[الأنبياء: 37].

والحق سبحانه لو استجاب لهؤلاء الذين دعوا:
{  ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً... }
[الأنفال: 32].

لكانت نهايتهم بجنس ما دعوا به، وقُضي عليهم، ثم انتهوا بعد ذلك إلى عذاب الجحيم.

ولكن الحق سبحانه شاء لهم البقاء؛ ليؤمن من يختار الإيمان، أما من اختار الكفر؛ فعليه أن يتحمّل تبعة الطغيان التي تتمثل في أن الواحد منهم لا يختار الكفر فقط، بل يتجاوز الحد، ويطلب ممن آمن أن يرتد عن إيمانه، وفي ذلك مجاوزة للحد؛ ولذلك فهم يعمهون في هذا الطغيان، أي: تتكاثر عليهم الظروف، ويثبت - لهم ولمن بعدهم - عجز الكفر عن مواجهة قدرة الحق.

وفي الحياة أمثلة - ولله المثل الأعلى - فهناك من يملك عدوه، فيضربه؛ لكنه لا يقتله، ثم يتكرر من هذا الخصم الإساءة، فيضربه من جديد، ثم تتكرر الإساءة فيضربه، وهو لا يقتله أبداً ليداوم على إذلاله، والقويّ لا يقتل خصمه، بل يؤلمه؛ فلا يرفع الخصم رأسه.

والحق سبحانه يقول:

{ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }.

أي: أن الحق سبحانه يترك أهل الباطل؛ لتتجمع عليهم سيئاتهم، ويذوقون ويل خصومة الإسلام فلا يرفعون رءوسهم؛ لأن أهل الإسلام يردّون لهم الإساءة مضاعفة، ولسوف ييأس أهل الباطل من أنهم سينتصرون على الحق بأي شكل وبأي لون.وهم مهما تحايلوا في أساليب النكاية في الإسلام، تجد الحق سبحانه وتعالى ينصر المسلمين.

والمثل أمامنا من سيرته حين أمره الحق سبحانه بأنه يهاجر، وكان الكفار يحاصرون بيته بشباب من القبائل، فخرج صلى الله عليه وسلم ولم يشعروا، وقال صلى الله عليه وسلم: " شاهت الوجوه ".

وشاء سبحانه ذلك؛ ليعلموا أنهم لن يستطيعوا الانتصار على محمد صلى الله عليه وسلم، لا بالمواجهة، ولا بتبييت المكر.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ... }.


www.alro7.net