سورة
اية:

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى إخباراً عن المشركين أنهم أقسموا باللّه جهد أيمانهم أي حلفوا أيماناً مؤكدة { لئن جاءتهم آية} أي معجزة وخارق { ليؤمنن بها} أي ليصدقنها، { قل إنما الآيات عند اللّه} أي قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتاً وكفراً وعناداً لا على سبيل الهدى والاسترشاد، إنما مرجع هذه الآيات إلى اللّه إن شاء جاءكم بها وإن شاء ترككم، قال ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: كلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أي شيء تحبون أن آتيكم به؟) قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً، فقال لهم: (فإن فعلت تصدقوني)؟ قالوا: نعم واللّه لئن فعلت لنتبعك أجمعون، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له: ما شئت، إن شئت أصبح الصفا ذهباً، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (بل يتوب تائبهم)، فأنزل اللّه تعالى: { وأقسموا باللّه جهد أيمانهم} إلى قوله تعالى: { ولكن أكثرهم يجهلون} ""قال ابن كثير: وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر""، وقال اللّه تعالى: { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} الآية، وقوله تعالى: { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} ، قيل المخاطب بما يشعركم، المشركون، وإليه ذهب مجاهد وقيل: المخاطب بقوله: { وما يشعركم} المؤمنون، ويقول: وما يدريكم أيها المؤمنون أنها إذا جاءت لا يؤمنون. وقوله تعالى: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} ، قال ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل اللّه لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر. وقال مجاهد في قوله { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} : ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة، وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر اللّه ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه، وقال: { ولا ينبئك مثل خبير} جل وعلا { أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب اللّه} إلى قوله: { لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} فأخبر اللّه سبحانه وتعالى أنهم لو ردوا لم يكونوا على الهدى، وقال: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} ، وقال تعالى: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} ، وقال: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا، وقوله: { ونذرهم} أي نتركهم { في طغيانهم} ، قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية وقتادة: في ضلالهم { يعمهون} قال الأعمش يلعبون، وقال ابن عباس ومجاهد: في كفرهم يترددون.

تفسير الجلالين

{ وأقسموا } أي كفار مكة { بالله جهد أيمانهم } أي غاية اجتهادهم فيها { لئن جاءتهم آية } مما اقترحوا { ليؤمنن بها قل } لهم { إنما الآيات عند الله } ينزلها كما يشاء وإنما أنا نذير { وما يشعركم } يدريكم بإيمانهم إذا جاءت: أي أنتم لا تدرون ذلك { إنهَّا إذا جاءت لا يؤمنون } لما سبق في علمي، وفي قراءة بالتاء خطابا للكفار وفي أخر بفتح أن بمعنى لعل أو معمولة لما قبلها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه } . قَوْل تَعَالَى ذِكْره : حَلَفَ بِاَللَّهِ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ جَهْد حَلِفهمْ , وَذَلِكَ أَوْكَدُ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَان وَأَصْعَبهَا وَأَشَدّهَا : { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة } يَقُول : قَالُوا : نُقْسِم بِاَللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْنَا آيَة تُصَدِّقُ مَا تَقُول يَا مُحَمَّد مِثْل الَّذِي جَاءَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأُمَم . { لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } يَقُول : قَالُوا : لَنُصَدِّقَنَّ بِمَجِيئِهَا بِك , وَأَنَّك لِلَّهِ رَسُول مُرْسَل , وَأَنَّ مَا جِئْتنَا بِهِ حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه . وَقِيلَ : " لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا " , فَأَخْرَجَ الْخَبَر عَنْ الْآيَة وَالْمَعْنَى لِمَجِيءِ الْآيَة . يَقُول لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه } وَهُوَ الْقَادِر عَلَى إِتْيَانِكُمْ بِهَا دُون كُلّ أَحَد مِنْ خَلْقه . { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } يَقُول وَمَا يُدْرِيكُمْ { أَنَّهَا إِذَا جَاءَ لَا يُؤْمِنُونَ } . وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ الْآيَة مِنْ قَوْمه هُمْ الَّذِينَ آيَسَ اللَّه نَبِيّه مِنْ إِيمَانهمْ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10696 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } إِلَى قَوْله : { يَجْهَلُونَ } سَأَلَتْ قُرَيْش مُحَمَّدًا أَنْ يَأْتِيهِمْ بِآيَةٍ , وَاسْتَحْلَفَهُمْ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا . 10697 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح : { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 10698 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثَنَا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : كَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد تُخْبِرنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِب بِهَا الْحَجَر فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَة عَيْنًا , وَتُخْبِرنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى , وَتُخْبِرنَا أَنَّ ثَمُود كَانَتْ لَهُمْ نَاقَة ؟ فَأْتِنَا بِشَيْءٍ مِنْ الْآيَات حَتَّى نُصَدِّقَك ! فَقَالَ النَّبِيّ : " أَيّ شَيْء تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ ؟ " قَالُوا : تَجْعَلُ لَنَا الصَّفَّا ذَهَبًا , فَقَالَ لَهُمْ : " فَإِنْ فَعَلْت تُصَدِّقُونِي ؟ " قَالُوا : نَعَمْ وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْت لَنَتَّبِعك أَجْمَعُونَ ! فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو , فَجَاءَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ : لَك مَا شِئْت إِنْ شِئْت أَصْبَحَ ذَهَبًا , وَلَئِنْ أُرْسِلَ آيَة فَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْد ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ , وَإِنْ شِئْت فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَتُوب تَائِبهمْ . فَقَالَ : " بَلْ يَتُوب تَائِبهمْ " . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ } . .. إِلَى قَوْله : { يَجْهَلُونَ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه } . قَوْل تَعَالَى ذِكْره : حَلَفَ بِاَللَّهِ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ جَهْد حَلِفهمْ , وَذَلِكَ أَوْكَدُ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَان وَأَصْعَبهَا وَأَشَدّهَا : { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة } يَقُول : قَالُوا : نُقْسِم بِاَللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْنَا آيَة تُصَدِّقُ مَا تَقُول يَا مُحَمَّد مِثْل الَّذِي جَاءَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأُمَم . { لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } يَقُول : قَالُوا : لَنُصَدِّقَنَّ بِمَجِيئِهَا بِك , وَأَنَّك لِلَّهِ رَسُول مُرْسَل , وَأَنَّ مَا جِئْتنَا بِهِ حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه . وَقِيلَ : " لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا " , فَأَخْرَجَ الْخَبَر عَنْ الْآيَة وَالْمَعْنَى لِمَجِيءِ الْآيَة . يَقُول لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه } وَهُوَ الْقَادِر عَلَى إِتْيَانِكُمْ بِهَا دُون كُلّ أَحَد مِنْ خَلْقه . { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } يَقُول وَمَا يُدْرِيكُمْ { أَنَّهَا إِذَا جَاءَ لَا يُؤْمِنُونَ } . وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ الْآيَة مِنْ قَوْمه هُمْ الَّذِينَ آيَسَ اللَّه نَبِيّه مِنْ إِيمَانهمْ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10696 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } إِلَى قَوْله : { يَجْهَلُونَ } سَأَلَتْ قُرَيْش مُحَمَّدًا أَنْ يَأْتِيهِمْ بِآيَةٍ , وَاسْتَحْلَفَهُمْ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا . 10697 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح : { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 10698 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثَنَا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : كَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد تُخْبِرنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِب بِهَا الْحَجَر فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَة عَيْنًا , وَتُخْبِرنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى , وَتُخْبِرنَا أَنَّ ثَمُود كَانَتْ لَهُمْ نَاقَة ؟ فَأْتِنَا بِشَيْءٍ مِنْ الْآيَات حَتَّى نُصَدِّقَك ! فَقَالَ النَّبِيّ : " أَيّ شَيْء تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ ؟ " قَالُوا : تَجْعَلُ لَنَا الصَّفَّا ذَهَبًا , فَقَالَ لَهُمْ : " فَإِنْ فَعَلْت تُصَدِّقُونِي ؟ " قَالُوا : نَعَمْ وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْت لَنَتَّبِعك أَجْمَعُونَ ! فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو , فَجَاءَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ : لَك مَا شِئْت إِنْ شِئْت أَصْبَحَ ذَهَبًا , وَلَئِنْ أُرْسِلَ آيَة فَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْد ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ , وَإِنْ شِئْت فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَتُوب تَائِبهمْ . فَقَالَ : " بَلْ يَتُوب تَائِبهمْ " . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ } . .. إِلَى قَوْله : { يَجْهَلُونَ } . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : خُوطِبَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } الْمُشْرِكُونَ الْمُقْسِمُونَ بِاَللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ , وَانْتَهَى الْخَبَر عِنْد قَوْله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ الْحُكْم عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ عِنْد مَجِيئِهَا اِسْتِئْنَافًا مُبْتَدَأ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10699 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } قَالَ : مَا يُدْرِيكُمْ . قَالَ : ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ وَمَا يُدْرِيكُمْ } أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ ؟ قَالَ : أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ { لَا يُؤْمِنُونَ } . 10700 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن زَيْد يَقُول : إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه , ثُمَّ تُسْتَأْنَف فَيَقُول : { إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه وَمَا يُشْعِركُمْ } : وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ إِذَا جَاءَتْ ; ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ يُخْبِر عَنْهُمْ فَقَالَ : { إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلِفِ : " إِنَّهَا " عَلَى أَنَّ قَوْله : وَإِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ " خَبَر مُبْتَدَأ مُنْقَطِع عَنْ الْأَوَّل , وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ ذَلِكَ خِطَاب مِنْ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِي بِآيَةٍ , الْمُؤْمِنُونَ بِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَلَفُوا أَنَّ الْآيَة أَذَا جَاءَتْ آمَنُوا , وَاتَّبَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ يَا رَسُول اللَّه رَبَّك ذَلِكَ ! فَسَأَلَ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ وَفِي مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ , قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِك يَا مُحَمَّد : إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه , وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْآيَات إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ; فَفَتَحُوا الْأَلِفَ مِنْ " أَنَّ " . وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة , وَقَالُوا : أُدْخِلَتْ " لَا " فِي قَوْله : { لَا يُؤْمِنُونَ } صِلَة , كَمَا أُدْخِلَتْ فِي قَوْله : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد } 7 12 وَفِي قَوْله : { وَحَرَام عَلَى قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } 21 95 وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : وَحَرَام عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا , وَمَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد . وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْم قَرَءُوا ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ : { أَنَّهَا } بِمَعْنَى : لَعَلَّهَا , وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا مِنْهَا : اِذْهَبْ إِلَى السُّوق أَنَّك تَشْتَرِي لِي شَيْئًا , بِمَعْنَى : لَعَلَّك تَشْتَرِي ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْل عَدِيّ بْن زَيْد الْعَبَّادِيّ : أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيك أَنَّ مَنِيَّتِي إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ بِمَعْنَى : لَعَلَّ مَنِيَّتِي ; وَقَدْ أَنْشَدُونِي بَيْت دُرَيْد بْن الصِّمَّة : ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا بِمَعْنَى : لَعَلَّنِي . وَاَلَّذِي أَنْشَدَنِي أَصْحَابنَا عَنْ الْفَرَّاء : " لَعَلَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ " . وَقَدْ أَنْشَدَ أَيْضًا بَيْت تَوْبَة بْن الْحُمَيِّر : لَعَلَّك يَا تَيْسًا نَزَا فِي مَرِيرَة مُعَذِّب لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا " لهنك يَا تَيْسًا " , بِمَعْنَى : لِأَنَّك الَّتِي فِي مَعْنَى لَعَلَّك ; وَأَنْشَدَ بَيْت أَبِي النَّجْم الِعِجْلِيّ : قُلْت لِشَيْبَان اُدْنُ مِنْ لِقَائِهِ إِنَّا نُغَدِّي الْقَوْم مِنْ شِوَائِهِ يَعْنِي : لَعَلَّنَا نُغَدِّي الْقَوْم . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : ذَلِكَ خِطَاب مِنْ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَاب رَسُوله , أَعْنِي قَوْلَهُ : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } , وَأَنَّ قَوْلَهُ " أَنَّهَا " بِمَعْنَى : " لَعَلَّهَا " . وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاته بِالصَّوَابِ لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَة فِي قُرَّاء الْأَمْصَار بِالْيَاءِ مِنْ قَوْله : { لَا يُؤْمِنُونَ } ; وَلَوْ كَانَ قَوْله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ , لَكَانَتْ الْقِرَاءَة فِي قَوْله : { لَا يُؤْمِنُونَ } بِالتَّاءِ , وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ كَذَلِكَ , فَقِرَاءَة خَارِجَة عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَكَفَى بِخِلَافِ جَمِيعهمْ لَهَا دَلِيلًا عَلَى ذَهَابِهَا وَشُذُوذِهَا . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا يُدْرِيكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّ الْآيَات إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فَيُعَاجَلُوا بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَاب عِنْد ذَلِكَ وَلَا يُؤَخَّرُوا بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : خُوطِبَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } الْمُشْرِكُونَ الْمُقْسِمُونَ بِاَللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ , وَانْتَهَى الْخَبَر عِنْد قَوْله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ الْحُكْم عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ عِنْد مَجِيئِهَا اِسْتِئْنَافًا مُبْتَدَأ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10699 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } قَالَ : مَا يُدْرِيكُمْ . قَالَ : ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ وَمَا يُدْرِيكُمْ } أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ ؟ قَالَ : أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ { لَا يُؤْمِنُونَ } . 10700 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن زَيْد يَقُول : إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه , ثُمَّ تُسْتَأْنَف فَيَقُول : { إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه وَمَا يُشْعِركُمْ } : وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ إِذَا جَاءَتْ ; ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ يُخْبِر عَنْهُمْ فَقَالَ : { إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلِفِ : " إِنَّهَا " عَلَى أَنَّ قَوْله : وَإِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ " خَبَر مُبْتَدَأ مُنْقَطِع عَنْ الْأَوَّل , وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ ذَلِكَ خِطَاب مِنْ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِي بِآيَةٍ , الْمُؤْمِنُونَ بِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَلَفُوا أَنَّ الْآيَة أَذَا جَاءَتْ آمَنُوا , وَاتَّبَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ يَا رَسُول اللَّه رَبَّك ذَلِكَ ! فَسَأَلَ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ وَفِي مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ , قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِك يَا مُحَمَّد : إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه , وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْآيَات إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ; فَفَتَحُوا الْأَلِفَ مِنْ " أَنَّ " . وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة , وَقَالُوا : أُدْخِلَتْ " لَا " فِي قَوْله : { لَا يُؤْمِنُونَ } صِلَة , كَمَا أُدْخِلَتْ فِي قَوْله : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد } 7 12 وَفِي قَوْله : { وَحَرَام عَلَى قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } 21 95 وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : وَحَرَام عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا , وَمَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد . وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْم قَرَءُوا ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ : { أَنَّهَا } بِمَعْنَى : لَعَلَّهَا , وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا مِنْهَا : اِذْهَبْ إِلَى السُّوق أَنَّك تَشْتَرِي لِي شَيْئًا , بِمَعْنَى : لَعَلَّك تَشْتَرِي ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْل عَدِيّ بْن زَيْد الْعَبَّادِيّ : أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيك أَنَّ مَنِيَّتِي إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ بِمَعْنَى : لَعَلَّ مَنِيَّتِي ; وَقَدْ أَنْشَدُونِي بَيْت دُرَيْد بْن الصِّمَّة : ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا بِمَعْنَى : لَعَلَّنِي . وَاَلَّذِي أَنْشَدَنِي أَصْحَابنَا عَنْ الْفَرَّاء : " لَعَلَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ " . وَقَدْ أَنْشَدَ أَيْضًا بَيْت تَوْبَة بْن الْحُمَيِّر : لَعَلَّك يَا تَيْسًا نَزَا فِي مَرِيرَة مُعَذِّب لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا " لهنك يَا تَيْسًا " , بِمَعْنَى : لِأَنَّك الَّتِي فِي مَعْنَى لَعَلَّك ; وَأَنْشَدَ بَيْت أَبِي النَّجْم الِعِجْلِيّ : قُلْت لِشَيْبَان اُدْنُ مِنْ لِقَائِهِ إِنَّا نُغَدِّي الْقَوْم مِنْ شِوَائِهِ يَعْنِي : لَعَلَّنَا نُغَدِّي الْقَوْم . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : ذَلِكَ خِطَاب مِنْ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَاب رَسُوله , أَعْنِي قَوْلَهُ : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } , وَأَنَّ قَوْلَهُ " أَنَّهَا " بِمَعْنَى : " لَعَلَّهَا " . وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاته بِالصَّوَابِ لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَة فِي قُرَّاء الْأَمْصَار بِالْيَاءِ مِنْ قَوْله : { لَا يُؤْمِنُونَ } ; وَلَوْ كَانَ قَوْله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ , لَكَانَتْ الْقِرَاءَة فِي قَوْله : { لَا يُؤْمِنُونَ } بِالتَّاءِ , وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ كَذَلِكَ , فَقِرَاءَة خَارِجَة عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَكَفَى بِخِلَافِ جَمِيعهمْ لَهَا دَلِيلًا عَلَى ذَهَابِهَا وَشُذُوذِهَا . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا يُدْرِيكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّ الْآيَات إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فَيُعَاجَلُوا بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَاب عِنْد ذَلِكَ وَلَا يُؤَخَّرُوا بِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وأقسموا} أي حلفوا. وجهد اليمين أشدها، وهو بالله. فقوله { جهد أيمانهم} أي غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم. وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى؛ كما أخبر عنهم بقوله تعالى { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر : 3]. وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمونه جهد اليمين إذا كانت اليمين بالله. { جهد} منصوب على المصدر والعامل فيه { أقسموا} على مذهب سيبويه؛ لأنه في معناه. والجهد (بفتح الجيم) : المشقة يقال : فعلت ذلك بجهد. والجهد (بضمها) : الطاقة يقال : هذا جهدي، أي طاقتي. ومنهم من يجعلهما واحدا، ويحتج بقول { والذين لا يجدون إلا جهدهم} [التوبة : 79]. وقرئ { جهدهم} بالفتح؛ عن ابن قتيبة. وسبب الآية فيما ذكر المفسرون : القرظي والكلبي وغيرهما، أن قريشا قالت : يا محمد، تخبرنا بأن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة؛ فائتنا ببعض هذه الآيات حتى نصدقك. فقال : (أي شيء تحبون)؟ قالوا : أجعل لنا الصفا ذهبا؛ فوالله إن فعلته لنتبعنك أجمعون. فقام رسول الله صلى الله عليه سلم يدعو؛ فجاءه جبريل عليه السلام فقال : (إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل الله آية ولم يصدقوا عندها ليعذبنهم فأتركهم حتى يتوب تائبهم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بل يتوب تائبهم) فنزلت هذه الآية. وبين الرب بأن من سبق العلم الأزلي بأنه لا يؤمن فإنه لا يؤمن وإن أقسم ليؤمنن. قوله تعالى { جهد أيمانهم} قيل : معناه بأغلظ الأيمان عندهم. وتعرض هنا مسألة من الأحكام عظمى، وهي قول الرجل : الأيمان تلزمه إن كان كذا وكذا. قال ابن العربي : وقد كانت هذه اليمين في صدر الإسلام معروفة بغير هذه الصورة، كانوا يقولون : على أشد ما أخذه أحد على أحد؛ فقال مالك : تطلق نساؤه. ثم تكاثرت الصورة حتى آلت بين الناس إلى صورة هذه أمها. وكان شيخنا الفهري الطرسوسي يقول : يلزمه إطعام ثلاثين مسكينا إذا حنث فيها؛ لأن قوله { الإيمان} جمع يمين، وهو لو قال علي يمين وحنث ألزمناه كفارة. ولو قال : علي يمينان للزمته كفارتان إذا حنث. والإيمان جمع يمين فيلزمه فيها ثلاث كفارات. قلت : وذكر أحمد بن محمد بن مغيث في وثائقه : اختلف شيوخ القيروان فيها؛ فقال أبو محمد بن أبي زيد؛ يلزمه في زوجته ثلاث تطليقات، والمشي إلى مكة، وتفريق ثلث ماله، وكفارة يمين، وعتق رقبة. قال ابن مغيث : وبه قال ابن أرفع رأسه وابن بدر من فقهاء طليطلة. وقال الشيخ أبو عمران الفاسي وأبو الحسن القابسي وأبو بكر بن عبدالرحمن القروي : تلزمه طلقة واحدة إذا لم تكن له نية. ومن حجتهم في ذلك رواية ابن الحسن في سماعه من ابن وهب في قوله { وأشد ما أخذه أحد على أحد أن عليه ذلك كفارة يمين} . قال ابن مغيث : فجعل من سميناه على القائل { الإيمان تلزمه} طلقة واحدة؛ لأنه لا يكون أسوأ حالا من قوله : أشد ما أخذه أحد على أحد أن عليه كفارة يمين، قال وبه نقول. قال : واحتج الأولون بقول ابن القاسم من قال : علي عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته وأشد ما أخذه أحد على أحد على أمر ألا يفعله ثم فعله؛ فقال : إن لم يرد الطلاق ولا العتاق وعزلهما عن ذلك فلتكن ثلاث كفارات. فان لم تكن له نية حين حلف فليكفر كفارتين في قوله : علي عهد الله وغليظ ميثاقه. ويعتق رقبة وتطلق نساؤه، ويمشي إلى مكة ويتصدق بثلث ما له في قوله : وأشد ما أخذه على أحد. قال ابن العربي : أما طريق الأدلة فإن الألف واللام في الإيمان لا تخلو أن يراد بها الجنس أو العهد؛ فإن دخلت للعهد فالمعهود قولك { بالله} فيكون ما قاله الفهري. فإن دخلت للجنس فالطلاق جنس فيدخل فيها ولا يستوفى عدده، فإن الذي يكفي أن يدخل في كل جنس معنى واحد؛ فإنه لو دخل في الجنس المعنى كله للزمه أن يتصدق بجميع ما له؛ إذ قد تكون الصدقة بالمال يمينا. والله أعلم. قوله تعالى { قل إنما الآيات عند الله} أي قل يا محمد : الله القادر على الإتيان بها، وإنما يأتي بها إذا شاء. { وما يشعركم} أي وما يدريكم أيمانكم؛ فحذف المفعول. ثم استأنف فقال { إنها إذا جاءت لا يؤمنون} بكسر إن، وهي قراءة مجاهد وأبي عمرو وابن كثير. ويشهد لهذا قراءة ابن مسعود { وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون} . وقال مجاهد وابن زيد : المخاطب بهذا المشركون، وتم الكلام. حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقد أعلمنا في الآية بعد هذه أنهم لا يؤمنون. وهذا التأويل يشبه قراءة من قرأ { تؤمنون} بالتاء. وقال الفراء وغيره؛ الخطاب للمؤمنين؛ لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون؛ فقال الله تعالى { وما يشعركم} أي يعلمكم ويدريكم أيها المؤمنون. { أنها} بالفتح، وهي قراءة أهل المدينة والأعمش وحمزة، أي لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. قال الخليل { أنها} بمعنى لعلها؛ وحكاه عنه سيبويه. وفي التنزيل { وما يدريك لعله يزكى} [عبس : 3] أي أنه يزكى. وحكي عن العرب : ايت السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي لعلك. وقال أبو النجم : قلت لشيبان ادن من لقائه ** أنّ تغدي القوم من شوائه وقال عدي بن زيد : أعاذل ما يدريك أنّ منيتي ** إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد أي لعل. وقال دريد بن الصمة : أريني جوادا مات هزلا لأنني ** أري ما ترين أو بخيلا مخلدا أي لعلني. وهو في كلام العرب كثير { أن} بمعنى لعل. وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب { وما أدراكم لعلها} . وقال الكسائي والفراء : أن { لا} زائدة، والمعنى : وما يشعركم أنها - أي الآيات - إذا جاءت المشركين يؤمنون، فزيدت { لا} ؛ كما زيدت { لا} في قوله تعالى { حرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} [الأنبياء : 95]. لأن المعنى : وحرام على قرية مهلكة رجوعهم. وفي قوله { ما منعك ألا تسجد} [الأعراف : 12]. والمعنى : ما منعك أن تسجد. وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة { لا} وقالوا : هو غلط وخطأ؛ لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل. وقيل : في الكلام حذف، والمعنى : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا لعلم السامع؛ ذكره النحاس وغيره.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 108 - 109


سورة الانعام الايات 109 - 112

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } ، هنا قَسَمٌ: ومُقْسَمٌ به، ومُقْسِمٌ، ومقْسَمٌ عليه.. فالمقْسَمُ به هو الله: والمقسِم هم الجماعة المخالفون لرسول الله، ولماذا يقسمون؟ لقد أقسموا حينَ أخذهم الجدل بمنطق الحق فغلبهم.. هم أقسموا بالله وقد دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلىعبادته، و { جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } تعرف منها الجهد وهو المشقة أي أنهم بالغوا في القسم مبالغة تجهدهم ليبينوا لمن يقسمون لهم أنهم حريصون على أن يبروا بالقسم، فأفرغوا جهدهم ومشقتهم في القسَم، وهذا معناه أنهم أعلنوا أنهم يقسمون قسماً محبوباً لهم، والمحبوب لهم أكثر أن ينفذوا هذا القسم، وهذا يدل في ظاهره على إخلاصهم في القسم.

{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ } [الأنعام: 109].

ألم يأت الرسول صلى الله عليه وسلم بآية واضحة؟ لقد جاءهم بأعظم آية وهي القرآن، وعدم عرفانهم بذلك هو أول مصيبة منهم، ألم يقل لكم: إني رسول بعد أن أعلن الآية وهي نزول القرآن وأنتم تعرفون أنه صادق في التبليغ عن الله.. وكان ذلك هو قمة المماحكة منهم، وساروا على ذلك حين اقترحوا هم الآيات على الله، ألم يقولوا:
{  وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً }
[الإسراء: 90-92].

وأراد الحق بذلك أن يبين لنا أنّ القسم الذي أقسموه هو قسم مدخول فقد قالوا: " كما زعمت علينا " والزعم - كما نعلم - مطية الكذب وهذا أول خلل في القسم.

ويقول الحق:
{  إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }
[سبأ: 9].

هم إذن غير مؤمنين بالآية الأصلية وهي القرآن، فيتحدوْنه في أنه ينزل بالوحي، فيحذرنا الحق أن نصدق زعمهم، فهو القائل:
{  وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }
[الأنعام: 7].

وحتى إن نزلت الآية فلن يصدقوا؛ فالحق هو القائل:
{  وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ }
[الحجر: 14-15]

ولو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحركم.. فلماذا لم يسحرهم ليؤمنوا بالله؟

وهكذا نرى أن الحق قد ذكرنا لنا في كتابه أن كل ما يقولونه في هذه المسألة هو مروق وهروب من الاستجابة للدعوة؛ لأنه لا توجد آية أعظم من الآية التي نزلت عليهم وهي القرآن، وكل الآيات التي اقترحوها لا تسمو على هذه الآية؛ لأنهم أمة نحو وصرف وبلاغة وبيان وأدب، فجاء لهم بالمعجزة التي تفرقوا فيها. وهم لم يتفوقوا في الأشياء التي ذكروها واقترحوها.إننا نأتي لهم بمعجزة من جنس ما تفوقوا فيه؛ لأن المعجزات دائماً تأتي على هذا الأساس؛ فكل قوم تفوقوا في مجال يأتي الله لهم بشيء يتفوق عليهم في مجال تفوقهم ليثبت صدق الرسول في البلاغ عنه.

ولقد قلنا: إن المعجزات تأتي خرقاً لنواميس الكون الثابتة لأن نواميس الكون لها قوانين عرفها البشر، وأصبحت متواترة أمامهم؛ فإذا ما جاء أمر يخرق الناموس السائد المعترف به بينهم يلتفتون متسائلين كيف خرق الناموس وذلك ليعرف كل واحد منهم أن الذي خلق الناموس هو الذي خرق الناموس؛ لكي يثبت صدق هذا البلاغ عنه. وقد جاءتكم المعجزة من جنس ما نبغتم به، والذي يدل على ذلك أنهم لا يتكلمون في المعجزة بل في المنهج وفي شخص من جاء بالمنهج، تجدهم يقولون:
{  لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ }
[الأنعام: 8].

فيوضح القرآن أن المَلك بطبيعة تكوينه لا يُرى منكم؛ هو يراكم وأنتم لا ترونه، وإذا أرسلنا ملكاً فكيف تعرفونه؟ إذن سيتطلب إرسال ملك أن نخلع عليه وضع البشر، وإن ينزله الحق في صورة بشر، وإن نزل في صورة بشر فستقولون: إنه ليس بشراً ولسنا ملزمين بما جاء به:
{  وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }
[الأنعام: 9].

وكان سيدنا جبريل - على سبيل المثال - ينزل إلى رسول الله أحياناً في صورة رجل قادم من السفر ويقعد ويتكلم مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يأت جبريل عليه السلام - إذن - بطبيعة تكوينه بل جاء بطبيعة البشر. وهناك خلق آخر مثل الجن، ونحن لا نقدر أن نرى الجن، ولا نستطيع بقوانيننا وقوانين الجن أن نراه، لكن إذا أراد الجن أن يرينا نفسه فهو يتشكل بشكل مادي يرى؛ يتشكل بشكل حيوان، يتشكل بشكل قطة، يتشكل بشكل جمل، يتشكل بشكل رجل، وهكذا، ولو كانت هذه المسألة غير مقيدة بتقنين يحفظ توازن الأمر بين الجنسين - الإنس والجن - لتعب الناس؛ لأنه ساعة يظهر جن للإنسان ويقف أمامه ثم يختفي يسود الرعب بين البشر على الرغم من أن الجن تخاف من الإنسان اكثر مما نخاف نحن منهم؛ لأن الجن يعرف أن قانونه يسمح له أن يتشكل بشكل إنس أو أي شكل مادي، وحينئذ يحكمه قانون الإنس وإن التقى بشخص معه مسدس - مثلا - فقد يضربه بالرصاص ويقتله، ولذلك يخاف الجن أن يظهر للإنسان مدة طويلة، وإنما يظهر كموضة البرق ويختفي؛ لأنه يخاف كما قلنا - من الإنسان. إذن فالتوازن موجود بين الجن والإنس. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن عفريتا من الجن جعل يفتك على البارحة ليقطع عليّ الصلاة وإن الله أمكنني منه فَذّعَتّهُ، فلقد هممتُ أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أوكلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان: " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فردَّه الله خاسئاً، وفي رواية: " والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ".

وهكذا نعلم أن القوم إذا اقترحوا آية، ثم جاء الله بالآية، فإن كذبوا بها أخذهم أخذ عزيز مقتدر ولا يؤجل ذلك للآخرة.

والحق سبحانه وتعالى يقول:
{  وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }
[الأنفال: 33].

إذن فحتى الكفار به نالهم شيء من رحمته.

{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [الأنعام: 109].

هنا يبلغ الحق رسوله أن يقول لهم: أنا لا آتي بالآيات من عندي ولا آتي بقانون قدرتي؛ لأن قانون قدرتي مساو لكم. ولست متفوقا عنكم غير أنه يوحي إليّ وأبلغكم ما أرسلت به إليكم. إنّ الله هو الذي يناولني آيات القرآن، ولا يوجد خلق يقترح على الله الآية؛ لأن ما سبق في الرسالات السابقة يؤكد أن الحق إذا ما استجاب لآية طلبها الخلق ولم يؤمنوا فسبحانه يهلكهم ويستأصلهم أو يغرقهم أو يرسل عليهم ريحا صرصرا أو يخسف بهم الأرض، والحق هو القائل:
{  وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ }
[الإسراء: 59].

إذن فبعض أهل الرسالات السابقة اقترحوا الآيات وحققها الله لهم ثم كذبوا بها. إذن فالتكذيب هو الأصل عندهم.

والمفروض أن تأتي الآية كما يريدها الله لا أن يقترحها أحد عليه. ولذلك يأمر الحق رسوله أن يبلغهم: { قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ } ثم يأتي خطاب جديد لأناس يختلفون عن المشركين هم المؤمنون، فيقول الحق لهم: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فكأنهم حينما قال أهل الشرك ذلك أراد المؤمنون أن يخففوا عنتهم مع رسول الله فقالوا له: يارسول الله، اسأل الله أن ينزل لهم آية حتى نرتاح من لجاجتهم، فيتجه الله بالرد على من قرظ هذا السؤال موضحا: أنتم مؤمنون وظنكم حسن، وفكرتكم طيبة في أنكم تريدون أن تكسروا حدة العنت، لكن ما يشعركم: أي ما يعلمكم أن الآية التي اقترحوها إن جئت بها لا يؤمنون. فكأن المؤمنين أيدوا قول هؤلاء المشركين في طلب الآية منعا للجاج.

والنص القرآني جاء بقوله الحق: " لا يؤمنون " وجاء العلماء عند هذه المسألة واختلفوا، وجزى الله الجميع خيرا؛ لأنها أفهام تتصارع لتخدم الإيمان. ونسأل: ما الذي يجعل الأسلوب يجيء بها الشكل؟ ونقول: إنها مقصودات الإِله حتى نعيش في القرآن. لا أن نمر عليه المرور السريع. والأسلوب في قوله: " وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " هو دليل على أنه ليس لكم علم.وقلنا: إن الشعور يحتاج إلى إدراك ومواجيد ونزوع، فعلى أي أساس بنيتم شعوركم هذا؟ أنتم أخذتم ظاهر كلامهم، ولكن الحق يعلم ويحيط بما يخفون ويبطنون. وكأنه سبحانه يوضح أن طلب الآية إنما هو تمحيك. وأنتم تعلمون أن الله إن جاء لهم بالآية فلن يؤمنوا.

وبعض من المفسرين قال: إن (لا) زائدة ومنهم من كان أكثر تأدبا فقال: (لا) صلة لأنهم خافوا أن يقولوا: (لا) زائدة وقد يأخذ البعض بمثل هذا القول فيحذفها، لذلك أحسنوا الأدب؛ لأن الذي يتكلم هو الإِله وليس في كلامه حرف زائد بحيث لو حذفته يصح الكلام، لا. إنك إذا حذفت شيئا فالكلام يفسد ولا يؤدي المراد منه؛ لأن لله مرادات في كلامه، وهذه المرادات لابد أن يحققها أسلوبه. والمثال في حياتنا أن يقول لك واحد: " ما عندي مال " أو ما عندي من مال؟ إن " من مال " هنا ابتدائية أي من عندي من بداية ما يقال: إنه مال، أما من يقول: " ما عندي مال " أي ليس عنده ما يعتد به من المال الذي له خطر وقيمة، بل عنده قروش مما لا يثال له: مال. إن في جيبه القليل من القروش.

و " لا " في هذه الآية جاءت لأن الحق يريد أن يقول للمؤمنين: ما يعلمكم يا مؤمنون أنني إذا جئت لهم بالآية يؤمنون، فكأنه سبحانه ينكر على المؤمنين تأييد مطلب الكافرين. وقد تلطف الحق مع المؤمنين وكرم حسن ظنهم في التأييد لأنهم لا يؤيدون الطلب حبا في الكافار، بل حبا في النبي والمنهج، وكأن الحق يقول لهم: أنا أعذركم لأنكم تأخذون بظاهر جهد اليمين { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } ومبالغتهم فيه. ولا أنكر عليكم تصديقكم لظاهر قولهم؛ لأن هذا هو مدى علمكم، ومكا أدراكم أنني إذا جئت بالآية أنهم أيضا لن يعلنوا الإِيمان. ولو كنتم تعبمون ما أعلم لعرفتم أنهم لن يؤمنوا. إذن حين جاء الأسلوب بـ { لاَ يُؤْمِنُونَ } فـ " لا " حقيقية وليست زائدة. ومن أجل أن يطمئن الحق المؤمنين أظهر لهم أن علمه الواسع يعلم حقيقة أمرهم يقول: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا...} . الآيات إلى قوله تعالى: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} . [109-111].
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب الأموي، قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، عن أبي مَعْشَرَ، عن محمد بن كَعْب، قال:
كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشٌ، فقالوا: يا محمد [إنك] تخبرنا أن موسى عليه السلام كانت معه عصا ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عَشْرَة عيناً، وأن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة، فائتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ شيء تحبون أن آتيكم به؟ فقالوا: تجعل لنا الصَّفَا ذهباً. قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين. فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل عليه السلام وقال: إن شئتَ أصبح الصفا ذهباً، ولكني لم أرسل آية فلم يُصَدَّق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركهم حتى يتوب تائبهم. فأنزل الله تعالى: { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} إلى قوله: { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} .


www.alro7.net