سورة
اية:

قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى: قل يا محمد لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات اللّه وحكمه وآياته الدالة عليه، لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك { ولو جئنا بمثله} أي بمثل البحر آخر ثم آخر، وهلم جراً، بحور تمده ويكتب بها لما نفدت كلمات اللّه، كما قال تعالى: { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه إن اللّه عزيز حكيم} ، وقال الربيع بن أنَس: إن مثل علم العباد كلهم في علم اللّه كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل اللّه ذلك: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} ""أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال، قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: { ويسألونك عن الروح - إلى - وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ، وقال اليهود: أوتينا علما كثيراً أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فنزلت: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} الآية""يقول: لو كانت تلك البحور مداداً لكلمات اللّه، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات اللّه قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.

تفسير الجلالين

{ قل لو كان البحر } أي ماؤه { مدادا } هو ما يكتب به { لكلمات ربي } الدالة على حكمه وعجائبه بأن تكتب به { لنفد البحر } في كتابتها { قبل أن تنفد } بالتاء والياء: تفرغ { كلمات ربي ولو جئنا بمثله } أي البحر { مَدَدا } زيادة فيه لنفد، ولم تفرغ هي، ونصبه على التمييز .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد : { لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا ل } لِقَلَمِ الَّذِي يَكْتُب بِهِ { كَلِمَات رَبِّي لَنَفِدَ } مَاء { الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } يَقُول : وَلَوْ مَدَدْنَا الْبَحْر بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاء مَدَدًا , مِنْ قَوْل الْقَائِل : جِئْتُك مَدَدًا لَك , وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الزِّيَادَة . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا , كَأَنَّ قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي , وَلَوْ زِدْنَا بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمِدَاد الَّذِي يُكْتَب بِهِ مِدَادًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17649 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " وَحَدَّثَنِي الْحَارِث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } لِلْقَلَمِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17650 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } يَقُول : إِذَا لَنَفِدَ مَاء الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات اللَّه وَحُكْمه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد : { لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا ل } لِقَلَمِ الَّذِي يَكْتُب بِهِ { كَلِمَات رَبِّي لَنَفِدَ } مَاء { الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } يَقُول : وَلَوْ مَدَدْنَا الْبَحْر بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاء مَدَدًا , مِنْ قَوْل الْقَائِل : جِئْتُك مَدَدًا لَك , وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الزِّيَادَة . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا , كَأَنَّ قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي , وَلَوْ زِدْنَا بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمِدَاد الَّذِي يُكْتَب بِهِ مِدَادًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17649 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " وَحَدَّثَنِي الْحَارِث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } لِلْقَلَمِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17650 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } يَقُول : إِذَا لَنَفِدَ مَاء الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات اللَّه وَحُكْمه . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} نفد الشيء إذا تم وفرغ؛ وقد تقدم. { ولو جئنا بمثله مددا} أي زيادة على البحر عددا أو وزنا. وفي مصحف أُبي { مدادا} وكذلك قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد. وانتصب { مددا} على التمييز أو الحال. وقال ابن عباس : قالت اليهود لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء : 85] قالوا : وكيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا؟ فنزلت { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر} الآية. وقيل : قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح؟ ! فقال الله تعالى قل وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليلة، قال ابن عباس { كلمات ربي} أي مواعظ ربي. وقيل : عنى بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو وإن كان واحدا فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فوائد الكلمات، ولأنه ينوب منا بها، فجازت العبادة عنها بصيغة الجمع تفخيما؛ وقال الأعشى : ووجه نقي اللون صاف يزينه ** مع الجيد لبات لها ومعاصم فعبر باللبات عن اللبة. وفي التنزيل { نحن أولياؤكم} [فصلت : 31] و { إنا نحن نزلنا الذكر} [الحجر : 9] { وإنا لنحن نحيي ونميت} [الحجر : 23] وكذلك { إن إبراهيم كان أمة} [النحل : 120] لأنه ناب مناب أمة. وقيل : أي ما نفدت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى. وقال السدي : أي إن كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار الثواب. وقال عكرمة : لنفد البحر قبل أن ينفد ثواب من قال لا إله إلا الله. ونظير هذه الآية { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [لقمان : 27]. وقرأ حمزة والكسائي { قبل أن ينفد} بالياء لتقدم الفعل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 101 - 110

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لأن قدرته تعالى لا حدود لها، ومادامت قدرته لا حدود لها فالمقدورات أيضاً لا حدود لها؛ لذلك لو كان البحر مداداً أي: حِبْراً يكتب به كلمات الله التي هي (كُنْ) التي تبرز المقدورات ما كان كافياً لكلمات الله { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } [الكهف: 109] أي: بمثل البحر.

ونحن نقول مثلاً عن السلعة الجيدة: لا يستطيع المصنع أنْ يُخرِج أحسن من هذه، أما صنعة الله فلا تقف عند حد؛ لأن المصنع يعالج الأشياء، أما الحق ـ تبارك وتعالى ـ فيصنعها بكلمة كُنْ؛ لذلك نجد في أرقى فنادق الدنيا أقصى ما توصَّل إليه العلم في خدمة البشر أنْ تضغط على زِرِّ معين، فيُخرِج لك ما تريد من طعام أو شراب.

وهذه الأشياء بلا شكَّ مُعدَّة ومُجهَّزة مُسْبقاً، فقط يتم استدعاؤها بالضغط على زر خاص بكل نوع، لكن هل يوجد نعيم في الدنيا يحضر لك ما تريد بمجرد أن يخطر على بالك؟ إذن: فنعيم الدنيا له حدود ينتهي عندها.

لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:


{  حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
[يونس: 24].

وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لقد استنفدتم وسائلكم في الدنيا، وبلغتم أقصى ما يمكن من مُتَعِها وزينتها، فتعالوا إلى ما أعددتُه أنا لكم، اتركوا ما كنتم فيه من أسباب الله، وتعالوا عِيشُوا بالله، كنتم في عالم الأسباب فتعالوْا إلى المسبِّب.

وإنْ كان الحق سبحانه قد تكلم في هذه الآية عن المداد الذي تُكتب به كلمات الله، فقد تكلَّم عن الأقلام التي يكتب بها في آية أخرى أكثر تفصيلاً لهذه المسألة، فقال تعالى:
{  وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ }
[لقمان: 27].

ونقف هنا عند دِقَّة البيان القرآني، فلو تصوَّرنا ما في الأرض من شجر أقلام، مع ما يتميز به الشجر من تجدُّد مستمر، وتكرُّر دائم يجعل من الأشجار ثروة لا حَصْر لها ولا تنتهي، وتصوَّرنا ماء البحر مداداً يُكتب به إلا أنّ ماء البحر منذ خلقه الله تعالى محدود ثابت لاَ يزيد ولا ينقص.

لذلك لما كان الشجر يتجدَّد ويتكرَّر، والبحر ماؤه ثابت لا يزيد. قال سبحانه:
{  وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ }
[لقمان: 27] ليتناسب تزايد الماء مع تزايد الشجر، والمراد سبعة أمثاله، واختار هذا العدد بالذات؛ لأنه مُنتَهى العدد عند العرب.

وقد أوضح لنا العلم دورة الماء في الطبيعة، ومنها نعلم أن كمية الماء في الأرض ثابتة لا تزيد؛ لأن ما يتم استهلاكه من الماء يتبخّر ويعود من جديد فالإنسان مثلاً لو شَرِب طيلة عمره مائة طن من الماء، فاحسب ما يخرج منه من بول وعرق وفضلات في عملية الإخراج تجدها نفس الكمية التي شربها، وقد تبخرتْ وأخذَتْ دورتها من جديد؛ لذلك يقولون: رُبَّ شربةِ ماء شربها من آدم الملايين.

ثم يقول الحق سبحانه: { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} . [109].
قال ابن عباس: قالت اليهود لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: { وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} كيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتِيَ خيراً كثيراً؟ فنزلت: { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي...} الآية.


www.alro7.net