سورة
اية:

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا باللّه ورسوله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به، أن لهم جنات الفردوس، قال مجاهد: هو البستان بالرومية، وقال الضحّاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: (الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأحسنها) ""أخرجه ابن جرير عن سمرة مرفوعاً"". وفي الصحيحين: (إذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة)، وقوله تعالى: { نزلا} أي ضيافة فإن النزل الضيافة، وقوله: { خالدين فيها} أي مقيمين ساكنين فيها، لا يظعنون عنها أبداً، { لا يبغون عنها حولا} أي لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر: فحلّت سويدا القلب لا أنا باغياً * سواها، ولا عن حبها أتحول. وفي قوله تعالى: { لا يبغون عنها حولا} تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائماً أنه قد يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولاً ولا انتقالاً، ولا ظعناً ولا رحلة ولا بدلاً.

تفسير الجلالين

{ خالدين فيها لا يبغون } يطلبون { عنها حولاً } تحولاً إلى غيرها .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { خَالِدِينَ } يَقُول : لَابِثِينَ فِيهَا أَبَدًا { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } يَقُول : لَا يُرِيدُونَ عَنْهَا تَحَوُّلًا , وَهُوَ مَصْدَر تَحَوَّلْت , أُخْرِجَ إِلَى أَصْله , كَمَا يُقَال : صَغُرَ يَصْغُر صِغَرًا , وَعَاج يَعُوج عِوَجًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17647 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } قَالَ : مُتَحَوَّلًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 17648 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت مَخْلَد بْن الْحُسَيْن يَقُول : وَسُئِلَ عَنْهَا , قَالَ : سَمِعْت بَعْض أَصْحَاب أَنَس يَقُول : قَالَ : " يَقُول أَوَّلهمْ دُخُولًا إِنَّمَا أَدْخَلَنِي اللَّه أَوَّلهمْ , لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَد أَفْضَل مِنِّي , وَيَقُول آخِرهمْ دُخُولًا : إِنَّمَا أَخَّرَنِي اللَّه , لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَد أَعْطَاهُ اللَّه مِثْل الَّذِي أَعْطَانِي " . وَقَوْله : { خَالِدِينَ } يَقُول : لَابِثِينَ فِيهَا أَبَدًا { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } يَقُول : لَا يُرِيدُونَ عَنْهَا تَحَوُّلًا , وَهُوَ مَصْدَر تَحَوَّلْت , أُخْرِجَ إِلَى أَصْله , كَمَا يُقَال : صَغُرَ يَصْغُر صِغَرًا , وَعَاج يَعُوج عِوَجًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17647 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } قَالَ : مُتَحَوَّلًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 17648 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت مَخْلَد بْن الْحُسَيْن يَقُول : وَسُئِلَ عَنْهَا , قَالَ : سَمِعْت بَعْض أَصْحَاب أَنَس يَقُول : قَالَ : " يَقُول أَوَّلهمْ دُخُولًا إِنَّمَا أَدْخَلَنِي اللَّه أَوَّلهمْ , لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَد أَفْضَل مِنِّي , وَيَقُول آخِرهمْ دُخُولًا : إِنَّمَا أَخَّرَنِي اللَّه , لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَد أَعْطَاهُ اللَّه مِثْل الَّذِي أَعْطَانِي " . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { خالدين فيها} أي دائمين. { لا يبغون عنها حولا} أي لا يطلبون تحويلا عنها إلى غيرها. والحول بمعنى التحويل؛ قال أبو علي. وقال الزجاج : حال من مكانه حولا كما يقال : عظم عظما. قال : ويجوز أن يكون من الحيلة، أي لا يحتالون منزلا غيرها. قال الجوهري : التحول التنقل من موضع إلى موضع، والاسم الحول، ومنه قوله تعالى { خالدين فيها لا يبغون عنها حولا} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 101 - 110

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وخلود النعيم في الآخرة يُميّزه عن نعيم الدنيا مهما سَمَا، كما أن نعيم الدنيا يأتي على قَدْر تصوُّرنا في النعيم وعلى حَسْب قدراتنا، وحتى إنْ بلغنا القمة في التنعُّم في الدنيا فإننا على خَوْف دائم من زواله، فإما أنْ يتركك النعيم، وإما أن تتركه، وأما في الجنة فالنعمة خالدة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وأنت مُخلّد فيها فلن تتركك النعمة ولن تتركها.

لذلك يقول تعالى بعدها: { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } [الكهف: 108] أي: لا يطلبون تحوُّلهم عنها إلى غيرها، لأنه لا يُتصوَّر في النعيم أعلى من ذلك.

ومعلوم أن الإنسان لديه طموحات ترفيهية، فكلما نال خيراً تطلع إلى أعلى منه، وكلما حاز متعةً ابتغى أكثر منها، هذا في الدنيا أما في الآخرة فالأمر مختلف، وإلا فكيف يطلب نعيماً أعلى من الجنة الذي قال الله عنه:
{  كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً }
[البقرة: 25].

أي: كلما رزقهم الله ثمرةً أتتْهم أخرى فقالوا: لقد رُزِقْنا مثلهم من قبل، وظنّوها كسابقتها، لكنها ليست كسابقتها بل بطعم جديد مختلف، وإن كانت نفس الثمرة، ذلك لأن قدرة الأسباب محدودة، أما قدرة المسبِّب فليست محدودة.

والحق سبحانه وتعالى قادر على أن يُخرِج لك الفاكهة الواحدة على ألف لَوْن وألف طَعْم؛ لأن كمالاته تعالى لا تتناهى في قدرتها؛ لذلك يقول تعالى:
{  وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً }
[البقرة: 25] فالثمر واحد متشابه، أمَّا الطعم فمختلف.

والإنسان مِنّا لِيشقَّ طريقه في الحياة يظل يتعلّم، ليأخذ شهادة مثلاً أو يتعلم مهنة، ويظل في تعب ومشقة ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً من عمره أملاً في أن يعيش باقي حياته المظنونة مرتاحاً هانئاً، وَهْب أنك ستعيش باقي حياتك في راحة، فكم سيكون الباقي منها؟

أما الراحة الأبدية في الآخرة فهي زمن لا نهايةَ له، ونعيم خالد لا ينتهي، ففي أيِّ شيء يطمع الإنسان بعد هذا كله؟ وإلى أيِّ شيء يطمح؟

لذلك قال تعالى بعدها: { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ }


www.alro7.net