سورة
اية:

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ولمن اتبع طريقته: { اتبع ما أوحي إليك من ربك} أي اقتد به واقتف أثره واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه لأنه لا إله إلا هو { وأعرض عن المشركين} أي اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم حتى يفتح اللّه لك وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن للّه حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس جميعاً، ولو شاء لجمعهم على الهدى { ولو شاء اللّه ما أشركوا} ، أي بل له المشيئة والحكمة فيما يختاروه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقوله تعالى: { وما جعلناك عليهم حفيظاً} أي حافظاً تحفظ أقوالهم وأعمالهم، { وما أنت عليهم بوكيل} أي موكل على أرزاقهم وأمورهم، { إن عليك إلا البلاغ} ، كما قال تعالى: { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر} ، وقال: { إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} .

تفسير الجلالين

{ ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا } رقيبا فتجازيهم بأعمالهم { وما أنت عليهم بوكيل } فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ , وَدَعْ عَنْك جِدَالَهُمْ وَخُصُومَتَهُمْ وَمُسَابَّتَهُمْ . { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا } يَقُول : لَوْ أَرَادُوا بِك هِدَايَتَهُمْ وَاسْتِنْقَاذَهُمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ لَلَطَفَ لَهُمْ بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَلَا آمَنُوا بِك فَاتَّبَعُوك وَصَدَّقُوا مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد رَبِّك . { وَمَا جَعَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّمَا بَعَثْتُك إِلَيْهِمْ رَسُولًا مُبَلِّغًا , وَلَمْ نَبْعَثْك حَافِظًا عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَامِلُوهُ وَتُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّ ذَلِكَ إِلَيْنَا دُونَك . { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } يَقُول : وَلَسْت عَلَيْهِمْ بِقَيِّمٍ تَقُوم بِأَرْزَاقِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ , وَلَا بِحِفْظِهِمْ فِيمَا لَمْ يُجْعَل إِلَيْك حِفْظه مِنْ أَمْرِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10690 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا } يَقُول سُبْحَانه : لَوْ شِئْت لَجَمَعْتهمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ , وَدَعْ عَنْك جِدَالَهُمْ وَخُصُومَتَهُمْ وَمُسَابَّتَهُمْ . { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا } يَقُول : لَوْ أَرَادُوا بِك هِدَايَتَهُمْ وَاسْتِنْقَاذَهُمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ لَلَطَفَ لَهُمْ بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَلَا آمَنُوا بِك فَاتَّبَعُوك وَصَدَّقُوا مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد رَبِّك . { وَمَا جَعَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّمَا بَعَثْتُك إِلَيْهِمْ رَسُولًا مُبَلِّغًا , وَلَمْ نَبْعَثْك حَافِظًا عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَامِلُوهُ وَتُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّ ذَلِكَ إِلَيْنَا دُونَك . { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } يَقُول : وَلَسْت عَلَيْهِمْ بِقَيِّمٍ تَقُوم بِأَرْزَاقِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ , وَلَا بِحِفْظِهِمْ فِيمَا لَمْ يُجْعَل إِلَيْك حِفْظه مِنْ أَمْرِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10690 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا } يَقُول سُبْحَانه : لَوْ شِئْت لَجَمَعْتهمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولو شاء الله ما أشركوا} نص على أن الشرك بمشيئته، وهو إبطال لمذهب القدرية كما تقدم. { وما جعلناك عليهم حفيظا} أي لا يمكنك حفظهم من عذاب الله. { وما أنت عليهم بوكيل} أي قيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم، حتى تلطف لهم في تناول ما يجب لهم؛ فلست بحفيظ في ذلك ولا وكيل في هذا، إنما أنت مبلغ. وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 103 - 107

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه وتعالى يعطينا قضية لابد أن نستصحبها في تاريخنا الإيماني، والقضية هي: أن أيَّ كافر لم يكفر قهرا عن الله، وإنما كفر لأن الله أرخى له الزمام بالاختيار أي خلقه مختارا، ولذلك فالكافر إنما يفعل كل فعل بما آتاه الله من الاختيار لاغصبا عن ربنا أو قهرا، بدليل أن الكون الذي نحيا فيه مقهور بالأمر، لا يمكن أن يختار إلا مراد الله منه، وكل ما في الكون يسير إلى مراد الله.

إذن فمن كفر لم يكفر قهرا عن الله؛ لأن طبيعة الاختيار ممنوحة من الله. وحين اختص الله الإنسان بالاختيار وضع المنهج الذي يرتب عليه الثواب والعقاب. ولذلك نزل التكليف بـ " افعل " و " لا تفعل ". وسبحانه إن أراد قهرا فقد قهر كل الأجناس في الكون؛ قهرها بطول العمر، وأنها تؤدي مهمتها كما أراد الله منها، إنّه قهر الشمس، وقهر القمر، وقهر النجوم، وقهر الماء، وكل حاجة في الكون مقهورة له حتى الملائكة خلقهم:
{  لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ }
[التحريم: 6].

إذن صفة القهر أخذت متعلقها كاملا. ولكن أيريد الله من خلقه أن يكونوا مقهورين على ما يريد؟ لا، بل يريد سبحانه أن يكونوا فاعلين لما يحبه، وإن كانوا مختارين أن يفعلوا ما لا يحبه، كأن خلق القهر في الأجناس كان لإثبات طلاقة القدرة، وأنه لا يمكن لمخلوق أن يشذ عن مراد الله منه. وبقي الاختيار في الإنسان ليدل على أن أناسا من خلقه سبحانه يذهبون إليه جل وعلا وهم قادرون ألا يذهبوا إليه، وهذه تثبت صفة المحبة.

وحين يختار المختار الطاعة، وهو قادر ألا يطيع، ويختار الإيمان وهو قادر أن يكفر فقد جاء إلى الله محبة لا قهرا، ولذلك يقول ربنا لرسوله صلى الله عليه وسلم:
{  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
[الشعراء: 3-4].

أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة وحزنا على عدم إيمان قومك بما جئت به من عند ربك، أتريد يامحمد أن أقهرهم؟ أتريد أعناقاً أو قلوباً؟ إنك يا محمد تعلم أن منهجك النازل إليك من ربك يريد قلوبا، والقلوب تأتي بالاختيار. فلو شئنا إيمانهم لأنزلنا معجزة تأخذ بقلوبهم فيؤمنون قهرا عليهم.

ولذلك إذا خُدِشَ الاختيار بفقد أي عنصر من عناصره يزول التكليف. بدليل أنه لا تكليف على فاقد العقل؛ لأن آلة الاختيار عندنا هي العقل. وكذلك لا تكليف لمن لم ينضج بل يتركه الحق إلى أن ينضج. ويصير قادرا على إنجاب مثله وأن يصل إلى التكوين الكيماوي السليم. ويمنع عنه الإكراه بأي قوة أعلى منه تقهره على أن يفعل شيئا على غير مراده، وهنا يأتي التكليف.

إذن فالتكليف يحتاج إلى أمور ثلاثة: وجود عقل، لذلك فلا تكليف لمجنون، وعقل رشيد ناضج، فقبل البلوغ لا تكليف ولا إكراه حتى يسلم الاختيار، لماذا؟ تأتي الإجابة من الحق سبحانه:
{  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ }
[الأنفال: 42].

ويقول الحق سبحانه: { وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ... }


www.alro7.net