سورة
اية:

ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا

تفسير بن كثير

عن مصعب قال: سألت أبي، يعني سعد بن أبي وقاص، عن قول اللّه: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً صلى اللّه عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه، فكان سعد رضي اللّه عنه يسميهم بالفاسقين ""أخرجه البخاري في صحيحه في باب التفسير""، وقال علي بن أبي طالب والضحّاك وغير واحد: هم الحرورية، ومعنى هذا عن علي رضي اللّه عنه، أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، وإنما هي عامة في كل من عبد اللّه على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ، وقال تعالى: { والذين كفروا بربهم أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} ، وقال في هذه الآية الكريمة { قل هل ننبئكم} أي نخبركم { بالأخسرين أعمالا} ، ثم فسرهم فقال: { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} أي عملوا أعمالاً باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} أي يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون، وقوله: { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} أي جحدوا آيات اللّه في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصدق رسله وكذبوا بالدار الآخرة، { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي لا نثقل موازينهم لأنها خالية عن الخير، روى البخاري، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة - وقال - اقرأوا إن شئتم { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} )، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها)، قال قرأ { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} ، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له، فلما قام على النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (يا بريدة هذا ممن لا يقيم اللّه لهم يوم القيامة وزناً) ""أخرجه الحافظ البزار""، وعن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل فلا يزن عند اللّه جناح بعوضة، اقرأوا: { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} ""أخرجه ابن جرير في تفسيره"". وقوله: { ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا} أي إنما جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم، واتخاذهم آيات اللّه ورسله هزواً استهزأوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.

تفسير الجلالين

{ ذلك } أي الأمر الذي ذكرت عن حُبوط أعمالهم وغيره مبتدأ خبره { جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا } أي مهزوءا بهما .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّم بِمَا كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أُولَئِكَ ثَوَابهمْ جَهَنَّم بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ , وَاِتِّخَاذهمْ آيَات كِتَابه , وَحُجَج رُسُله سِخْرِيًّا , وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّم بِمَا كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أُولَئِكَ ثَوَابهمْ جَهَنَّم بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ , وَاِتِّخَاذهمْ آيَات كِتَابه , وَحُجَج رُسُله سِخْرِيًّا , وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ذلك جزاؤهم} { ذلك} إشارة إلى ترك الوزن، وهو في موضع رفع بالابتداء { جزاؤهم} خبره. { جهنم} بدل من المبتدأ الذي هو { ذلك} . { بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا} و { ما} في قوله { بما كفروا} مصدرية، والهزء الاستخفاف والسخرية؛ وقد تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 101 - 110

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

(ذلك) أي: ما كان من إحباط أعمالهم، وعدم إقامتنا لهم وزناً ليس تجنِّياً مِنَّا عليهم أو ظلماً لهم، بل جزاءً لهم على كفرهم فقوله { بِمَا كَفَرُواْ } [الكهف: 106] أي: بسبب كفرهم.

{ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً } [الكهف: 106] فقد استهزأوا بآيات الله، وكلما سمعوا آية قالوا: أساطيرُ الأولين:
{  إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ }
[القلم: 15].

وكذلك لم يَسْلَم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سخريتهم واستهزائهم، والقرآن يحكي عنهم قولهم لرسول الله:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ }
[الحجر: 6] فقولهم
{  نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ }
[الحجر: 6] أي: القرآن وهم لا يؤمنون به سُخرية واستهزاءً.

وفي سورة " المنافقون " يقول القرآن عنهم:
{  هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ }
[المنافقون: 7] فقولهم:
{  رَسُولِ ٱللَّهِ }
[المنافقون: 7] ليس إيماناً به، ولكن إمّا غفلة منهم عن الكذب الذي يمارسونه، وإما سُخْرية واستهزاءً كما لو كنتَ في مجلس، ورأيتَ أحدهم يدَّعِي العلم ويتظاهر به فتقول: اسألوا هذا العالم.

وفي آية أخرى يقول سبحانه عن استهزائهم برسول الله:
{  وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ }
[القلم: 51].

ثم يتحدث القرآن عن المقابل لهؤلاء، فيقول: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ }


www.alro7.net