سورة
اية:

وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات اللّه، ودلائل توحيده، بما خلقه اللّه في السماوات والأرض من كواكب زاهرات وأفلاك دائرت؛ وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وحيوان ونبات، فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات، المنفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات، وقوله: { وما يؤمن أكثرهم باللّه إلا وهم مشركون} قال ابن عباس: من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السماوات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: اللّه وهم مشركون به وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك . وفي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وفي صحيح مسلم: أنهم كانوا إذا قالوا لبيك لا شريك لك، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قد قد أي حسب حسب لا تزيدوا على هذا، وقال اللّه تعالى: { إن الشرك لظلم عظيم} . وقال الحسن البصري في قوله: { وما يؤمن أكثرهم باللّه إلا وهم مشركون} قال: ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك، يعني في قوله تعالى: { يراؤون الناس ولا يذكرون اللّه إلا قليلا} ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يقول اللّه أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً اشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ""أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه""، وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، ينادي مناد من كان أشرك في عمل عمله للّه فليطلب ثوابه من عند غير اللّه، فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك) ""أخرجه الإمام أحمد في المسند"". وقال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللّه؟ قال: (الرياء، يقول اللّه تعالى يوم القيامة إذا جاز الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟) وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي قال، قال أبو بكر الصديق: يا رسول اللّه علمني شيئاً أقوله إذا أصبحت وأمسيت وإذا أخذت مضجعي، قال: (قل اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه)، وقوله: { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب اللّه} الآية، أي أفأمن هؤلاء المشركون أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون، كقوله تعالى: { أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف اللّه بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} ؟ وقوله: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر اللّه فلا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون} ؟.

تفسير الجلالين

{ وكأين } وكم { من آية } دالة على وحدانية الله { في السماوات والأرض يمرون عليها } يشاهدونها { وهم عنها معرضون } لا يتفكرون بها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } يَقُول جَلَّ وَعَزَّ : وَكَمْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لِلَّهِ , وَعِبْرَة وَحُجَّة , وَذَلِكَ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ آيَات السَّمَوَات وَكَالْجِبَالِ وَالْبِحَار وَالنَّبَات وَالْأَشْجَار , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ آيَات الْأَرْض ; { يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } يَقُول : يُعَايِنُونَهَا فَيَمُرُّونَ بِهَا مُعْرِضِينَ عَنْهَا لَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا وَلَا يُفَكِّرُونَ فِيهَا وَفِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد رَبّهَا , وَأَنَّ الْأُلُوهِيَّة لَا تُبْتَغَى إِلَّا لِلْوَاحِدِ الْقَهَّار الَّذِي خَلَقَهَا وَخَلَقَ كُلّ شَيْء فَدَبَّرَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15202 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } وَهِيَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " يَمْشُونَ عَلَيْهَا " السَّمَاء وَالْأَرْض آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } يَقُول جَلَّ وَعَزَّ : وَكَمْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لِلَّهِ , وَعِبْرَة وَحُجَّة , وَذَلِكَ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ آيَات السَّمَوَات وَكَالْجِبَالِ وَالْبِحَار وَالنَّبَات وَالْأَشْجَار , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ آيَات الْأَرْض ; { يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } يَقُول : يُعَايِنُونَهَا فَيَمُرُّونَ بِهَا مُعْرِضِينَ عَنْهَا لَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا وَلَا يُفَكِّرُونَ فِيهَا وَفِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد رَبّهَا , وَأَنَّ الْأُلُوهِيَّة لَا تُبْتَغَى إِلَّا لِلْوَاحِدِ الْقَهَّار الَّذِي خَلَقَهَا وَخَلَقَ كُلّ شَيْء فَدَبَّرَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15202 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } وَهِيَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " يَمْشُونَ عَلَيْهَا " السَّمَاء وَالْأَرْض آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وكأين من آية في السماوات والأرض} قال الخليل وسيبويه : هي [أي] دخل عليها كاف التشبيه وبنيت معها، فصار في الكلام معنى كم، وقد مضى في [آل عمران] القول فيها مستوفى. ومضى القول في آية السماوات والأرض في [البقرة]. وقيل : الآيات آثار عقوبات الأمم السالفة؛ أي هم غافلون معرضون عن تأمل. وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد { والأرض} رفعا ابتداء، وخبره. { يمرون عليها} . وقرأ السدي { والأرض} نصبا بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين على { السماوات} . وقرأ ابن مسعود "يمشون عليها". قوله تعالى‏ { ‏وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون‏} ‏ نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان؛ قاله الحسن، ومجاهد وعامر الشعبي وأكثر المفسرين‏.‏ وقال عكرمة هو قوله‏ { ‏ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله‏} [‏الزخرف‏:‏ 87‏]‏ ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا؛ وعن الحسن أيضا‏:‏ أنهم أهل كتاب معهم شرك وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا يصح إيمانهم؛ حكاه ابن الأنباري‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ نزلت في تلبية مشركي العرب‏:‏ لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك‏.‏ وعنه أيضا أنهم النصارى‏.‏ وعنه أيضا أنهم المشبهة، آمنوا مجملا وأشركوا مفصلا‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في المنافقين؛ المعنى‏ { ‏وما يؤمن أكثرهم بالله‏} أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه؛ ذكره الماوردي عن الحسن أيضا‏.‏ وقال عطاء‏:‏ هذا في الدعاء؛ وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء؛ بيانه‏ { ‏وظنوا أنهم أحيط بهم‏} ‏ الآية‏ [يونس‏:‏ 22‏]‏ .‏ وقوله‏ { ‏وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه‏} الآية‏ [‏يونس‏:‏ 12‏]‏ ‏.‏ وفي آية أخرى‏ { ‏وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض‏} [‏فصلت‏:‏ 51‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم‏:‏ لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللص، ونحو هذا؛ فيجعلون‏.‏ نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب‏.‏ قلت‏:‏ وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت هذه الآية في قصة الدخان؛ وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا‏ { ‏ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون‏} [‏الدخان‏:‏ 12‏]‏ فذلك إيمانهم، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب؛ بيانه قوله‏ { ‏إنكم عائدون‏} [‏الدخان‏:‏ 15‏]‏ والعود لا يكون إلا بعد ابتداء؛ فيكون معنى‏ { ‏إلا وهم مشركون‏} ‏ أي إلا وهم عائدون إلى الشرك، والله أعلم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ مجللة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ عذاب يغشاهم؛ نظيره‏: { ‏يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم‏} [‏العنكبوت‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وقال قتادة‏:‏ وقيعة تقع لهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يعني الصواعق والقوارع‏.‏ ‏ { ‏أو تأتيهم الساعة‏} ‏ يعني القيامة‏.‏ { ‏بغتة‏} ‏ نصب على الحال؛ وأصله المصدر‏.‏ وقال المبرد‏:‏ جاء عن العرب حال بعد نكرة؛ وهو قولهم‏:‏ وقع أمر بغتة وفجأة؛ قال النحاس‏:‏ ومعنى ‏ { ‏بغتة‏} ‏ إصابة من حيث لم يتوقع‏.‏ { ‏وهم لا يشعرون‏} ‏ وهو توكيد‏.‏ وقوله‏ { ‏بغتة‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ تصيح الصيحة بالناس وهم في أسواقهم ومواضعهم، كما قال‏ { ‏تأخذهم وهم يخصمون‏} [‏يس‏:‏ 49‏]‏ على ما يأتي‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قل هذه سبيلي‏} ‏ ابتداء وخبر؛ أي قل يا محمد هذه طريقي وسنتي ومنهاجي؛ قاله ابن زيد‏.‏ وقال الربيع‏:‏ دعوتي، مقاتل‏:‏ ديني، والمعنى واحد؛ أي الذي أنا عليه وأدعو إليه يؤدي إلى الجنة‏.‏ { ‏على بصيرة‏} ‏ أي على يقين وحق؛ ومنه‏:‏ فلان مستبصر بهذا‏.‏ { ‏أنا‏} ‏ توكيد‏.‏ { ‏ومن اتبعني‏} ‏ عطف على المضمر‏.‏ ‏ { وسبحان الله‏} ‏ أي قل يا محمد‏ { ‏وسبحان الله‏} ‏‏.‏ { ‏وما أنا من المشركين‏} ‏ الذين يتخذون من دون الله أندادا‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 103 - 107


سورة يوسف الايات 103 - 109

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وإذا سمعتَ " كأين " افهم أن معناها كثير كثير كثير؛ بما يفوق الحَصْر، ومثل " كأين " كلمة " كم " ، والعَدُّ هو مظنة الحصر، والشيء الذي فوق الحصر؛ تنصرف عن عَدِّه، ولا أحد يحصر رمال الصحراء مثلاً، لكن كلاً منا يعُدُّ النقود التي يردُّها لنا البائع، بعد أن يأخذ ثمن ما اشتريناه.

إذن: فالانصراف عن العَدِّ معناه أن الأمر الذي نريد أن نتوجه لِعَّده فوق الحصر، ولا أحد يعُدُّ النجوم أو يحصيها.

ولذلك نجد الحق سبحانه يُنبِّهنا إلى هذه القضية، لإسباغ نعمه على خلقه، ويقول:
{  وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا... }
[إبراهيم: 34]

و " إنْ " هي للأمر المشوك فيه، وأنتم لن تعدُّوا نعمة الله؛ لأنها فوق الحصر، والمعدود دائماً يكون مُكَرراً، وذَكَر الحق هنا نعمة واحدة، ولم يحددها؛ لأن أيَّ نعمة تستقبلها من الله لو استقصيتها لوجدتَ فيها نِعَماً لا تُحصَر ولا تُعَدُّ.

إذن: فكلمة " كأين " تعني " كم " ، وأنت تقول للولد الذي لم يستذكر دروسه: كم نصحتك؟ وأنت لا تقولها إلا بعد أن يفيض بك الكيل.

وتأتي " كم " ويُراد بها تضخيم العدد، لا منك أنت المتكلم، ولكن ممَّنْ تُوجِّه إليه الكلام، وكأنك تستأمنه على أنه لن ينطق إلا صِدْقاً، أو كأنك استحضرتَ النصائح، فوجدتها كثيرة جداً.

والسؤال عن الكمية إما أنْ يُلْقَى من المتكلم، وإما أن يُطلب من المخاطب؛ وطلبُه من المخاطب دليل على أنه سَيِقُرّ على نفسه، والإقرار سيد الأدلة.

وحين يقول سبحانه: { وَكَأَيِّن... } [يوسف: 105]

فمعناها أن ما يأتي بعدها كثير.

وسبحان القائل:
{  وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ }
[آل عمران: 146]

وهكذا نفهم أن (كأين) تعني الكثير جداً؛ الذي بلغ من الكثرة مبلغاً يُبرر لنا العذر أمام الغير إنْ لم نُحْصِه.

والآيات هي جمع " آية "؛ وهي الشيء العجيب، المُلْفِت للنظر ويُقال: فلان آية في الذكاء. أي: أن ذكاءه مضرب المثل، كأمر عجيب يفوق ذكاء الآخرين.

ويُقال: فلان آية في الشجاعة؛ وهكذا.

ومعنى الشيء العجيب أنه هو الخارج عن المألوف، ولا يُنسَى.

وقد نثر الحق سبحانه في الكون آياتٍ عجيبة، ولكل منثور في الكون حكمة. وتنقسم معنى الآيات إلى ثلاث:

الأول: هو الآيات الكونية التي تحدثنا عنها، وهي عجائب؛ وهي حُجَّة للمتأمل أن يؤمن بالله الذي أوجدها؛ وهي تلفِتُك إلى أن مَنْ خلقها لابُدَّ أن تكون له منتهى الحكمة ومنتهى الدِّقة، وهذه الآيات تلفتنا إلى صدق توحيد الله والعقيدة فيه.

وقد نثر الحق سبحانه هذه الآيات في الكون.وحينما أعلن الله بواسطة رسله أنه سبحانه الذي خلقها، ولم يَقُلْ أحد غيره: " أنا الذي خلقت " فهذه المسألة ـ مسألة الخلق ـ تثبُت له سبحانه، فهو الخالق وما سواه مخلوق، وهذه الآيات قد خُلِقت من أجل هدف وغاية.

وفي سورة الروم نجد آيات تجمع أغلب آيات الكون؛ فيقول الحق سبحانه:
{  فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَيُحْي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }
[الروم: 17-25]

كل هذه آيات تنبه الإنسان الموجود في الكون أنه يتمتع فيه طبقاً لنواميس عليا؛ فيها سِرُّ بقاء حياته؛ فيجب أن ينتبه إلى مَنْ أوجدها.

وبعد أن ينتبه إلى وجود واحد أعلى؛ كان عليه أن يسأل: ماذا يريد منه هذا الخالق الأعلى؟

هذه الآيات تفرض علينا عقلياً أن يوجد مَنْ يبلغنا مطلوبَ الواجد الأعلى، وحينما يأتي رسول يقول لنا: إن مَنْ تبحثون عنه اسمه الله؛ وهو قد بعثني لأبلغكم بمطلوبه منكم أن تعبدوه؛ فتتبعوا أوامره وتتجنبوا نواهيه.

والنوع الثاني من الآيات هي آيات إعجازية، والمراد منها تثبيت دعوة الرسل، فكان ولابُدَّ أن يأتي كل رسول ومعه آية؛ لتثبت صِدْق بلاغه عن الله؛ لأن كل رسول هو من البشر، ولابد له من آية تخرق النواميس، وهي المعجزات التي جاءت مع الرسل.

وهناك آيات حُكْمية، وهي النوع الثالث، وهي الفواصل التي تحمل جُملاً، فيها أحكام القرآن الكريم؛ وهو المنهج الخاتم.

وهي آياتٌ عجيبة أيضاً؛ لأنك لا تجد حُكْماً من أحكام الدين إلا ويمسُّ منطقياً حاجة من حاجات النفس الإنسانية، والبشر وإنْ كفروا سيُضطرون إلى كثير من القضايا التي كانوا ينكرونها، ولكن لا حَلَّ للمشكلات التي يواجهونها، ولا تُحَلّ إلا بها.

والمثل الواضح هو الطلاق، وهم قد عَابُوا مجيء الإسلام به؛ وقالوا: إن مثل هذا الحل للعلاقة بين الرجل والمرأة قد يحمل الكثير من القسوة على الأسرة، لكنهم لجأوا إليه بعد أن عضَّتهم أحداث الحياة، وهكذا اهتدى العقل البشري إلى حكم كان يناقضه.وكذلك أمر الربا الذي يحاولون الآن وَضْع نظام ليتحللوا من الربا كله، ويقولون: لا شيء يمنع العقل البشري من التوصُّل إلى ما يفيد.

وهكذا نجد الآيات الكونية هي عجائب بكل المقاييس، والآيات المصاحبة للرسل هي معجزات خَرَقتْ النواميس، وآياتُ القرآن بما فيها من أحكام تَقِي الإنسان من الداء قبل أن يقع، وتُجبرهم معضلات الحياة أن يعودوا إلى أحكام القرآن ليأخذوا بها.

وهم يُعرضون عن كل الآيات، يُعرضون عن آيات الكون التي إنْ دَقَّقوا فيها لَثبتَ لهم وجود إله خالق؛ ولأخذوا عطاءً من عطاءات الله ليسري تربية وتنمية، وكل الاكتشافات الحديثة إنما جاءت نتيجةً لملاحظاتِ ظاهرةٍ ما في الكون.

وسبق أن ضربتُ المثل بالرجل الذي جلس ليطهو في قِدرْ؛ ثم رأى غطاء القِدْر يعلو؛ ففكَّر وتساءل: لماذا يعلو غطاء القدر؟ ولم يُعرِض الرجل عن تأمُّل ذلك، واستنباط حقيقة تحوُّل الماء إلى بخار؛ واستطاع عن طريق ذلك أن يكتشف أن الماء حين يتبخر يتمدد؛ ويحتاج إلى حَيِّزٍ اكبر من الحَيِّز الذي كان فيه قبل التمدد.

وكان هذا التأمُّل وراء اكتشاف طاقة البخار التي عملتْ بها البواخر والقطارات، وبدأ عصر سُمِّى " عصر البخار ". وهذا الذي رأى طَفْوَ طبقٍ على سطح الماء وتأمّل تلك الظاهرة، ووضع قاعدة باسمه، وهي " قاعدة أرشميدس ".

وهكذا نجد أن أي إنسان يتأمل الكون بِدِقَّة سيجد في ظواهره ما يفيد في الدنيا؛ كما استفاد العالم من تأملات أرشميدس وغيره؛ ممَّنْ قدَّموا تأملاتهم كملاحظات، تتبعها العلماء ليصلوا إلى اختراعات تفيد البشرية.

وهكذا نرى أن الحق سبحانه لا يضِنُّ على الكافر بما يفيد العالم مادام يتأمل ظواهر الكون، ويستنبط منها ما يفيد البشرية.

إذن فقوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا... } [يوسف: 105]

إنْ أردتها وسيلة للإيمان بإله؛ فهي تقودك إلى الإيمان؛ وإنْ أردتها لفائدة الدنيا فالحقُّ لم يبخل على كافر بأن يُعطَيه نتيجة ما يبذل من جهد.

فكل المطلوب ألاّ تمُرَّ على آيات الله وأنت مُعرِض عنها؛ بل على الإنسان أن يُقبِل إقبال الدارس، إما لتنتهي إلى قضية إيمانية تُثرِي حياتك؛ وتعطيك حياة لا نهايةَ لها، وهي حياة الآخرة، أو تُسعِد حياتك وحياة غيرك، بأن تبتكر أشياء تفيدك، وتفيد البشرية.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:

{ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ... }


www.alro7.net