سورة
اية:

قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ

تفسير بن كثير

البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم، { فمن أبصر فلنفسه} كقوله: { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} ، ولهذا قال: { ومن عمي فعليها} لما ذكر البصائر قال: { ومن عمي فعليها} أي إنما يعود وباله عليه، كقوله: { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ، { وما أنا عليكم بحفيظ} أي بحافظ ولا رقيب، بل إنما أنا مبلغ واللّه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وقوله: { وكذلك نصرّف الآيات} أي فصلنا الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب، وقارأتهم، وتعلمت منهم "" وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك وغيرهم "". روي عن عمرو بن كيسان قال، سمعت ابن عباس يقول: دارست: تلوت خاصمت جادلت، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن كذبهم وعنادهم: { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها} الآية، وقال تعالى إخباراً عن زعيمهم وكاذبهم { إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر} ، وقوله: { ولنبيّنه لقوم يعلمون} ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه، فللّه تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك وبيان الحق لهؤلاء، كقوله تعالى: { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} الآية، وكقوله: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن اللّه لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} . وقال تعالى: { كذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو} ، وقال: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} ، وقال تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء، ولهذا قال ها هنا: { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون} ، وقرأ بعضهم { درسْتَ} أي قرأت وتعلمت وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد والسدُّي والضحّاك ، قال الحسن { وليقولوا دَرَسَتْ} يقول: تقادمت وانمحت، وقال عبد الرزاق إن صبياناً يقرأون { دارست} وإنما هي درست. وقال شعبة هي في قراءة ابن مسعود: دَرَسَت، يعني بغير ألف بنصب السين ووقف على التاء، قال ابن جرير ومعناه: انمحت وتقادمت، أي أن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديماً وتطاولت مدته.

تفسير الجلالين

قل يا محمد لهم: { قد جاءكم بصائر } حجج { من ربكم فمن أبصر } ها فآمن { فلنفسه } أبصر لأن ثواب إبصاره له { ومن عَمي } عنها فضل { فعليها } وبال إضلاله { وما أنا عليكم بحفيظ } رقيب لأعمالكم إنما أنا نذير .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَّهَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَات مِنْ قَوْله : { إِنَّ اللَّه فَالِق الْحَبّ وَالنَّوَى } . .. إِلَى قَوْله : { وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير } عَلَى حُجَجه عَلَيْهِمْ , وَعَلَى تَبْيِين خَلْقه مَعَهُمْ , الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد , وَالْمُكَذِّبِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه . قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد : قَدْ جَاءَكُمْ أَيّهَا الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ وَالْمُكَذِّبُونَ رَسُوله { بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ } أَيْ مَا تُبْصِرُونَ بِهِ الْهُدَى مِنْ الضَّلَال وَالْإِيمَان مِنْ الْكُفْر . وَهِيَ جَمْع بَصِيرَة , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : حَمَلُوا بَصَائِرهمْ عَلَى أَكْتَافهمْ وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَد وَأَي يَعْنِي بِالْبَصِيرَةِ : الْحُجَّة الْبَيِّنَة الظَّاهِرَة . كَمَا : 10673 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ } قَالَ : الْبَصَائِر : الْهُدَى بَصَائِر فِي قُلُوبهمْ لِدِينِهِمْ , وَلَيْسَتْ بِبَصَائِر الرُّءُوس . وَقَرَأَ : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَار وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور } 22 46 قَالَ : إِنَّمَا الدِّين بَصَره وَسَمْعه فِي هَذَا الْقَلْب . 10674 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ } أَيْ بَيِّنَة . وَقَوْله : { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ } يَقُول : فَمَنْ تَبَيَّنَ حُجَج اللَّه وَعَرَّفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا وَآمَنَ بِمَا دَلَّتْهُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَتَصْدِيق رَسُوله وَمَا جَاءَ بِهِ , فَإِنَّمَا أَصَابَ حَظّ نَفْسه وَلِنَفْسِهِ عَمِلَ , وَإِيَّاهَا بَغَى الْخَيْر . { وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } يَقُول : وَمَنْ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهَا وَلَمْ يُصَدِّق بِمَا دَلَّتْهُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتَنْزِيله , وَلَكِنَّهُ عَمِيَ عَنْ دَلَالَتِهَا الَّتِي تَدُلّ عَلَيْهَا , يَقُول : فَنَفْسه ضَرَّ وَإِلَيْهَا أَسَاءَ لَا إِلَى غَيْرهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } يَقُول : وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِرَقِيبٍ أُحْصِي عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَأَفْعَالكُمْ , وَإِنَّمَا أَنَا رَسُول أُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْكُمْ , وَاَللَّه الْحَفِيظ عَلَيْكُمْ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَّهَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَات مِنْ قَوْله : { إِنَّ اللَّه فَالِق الْحَبّ وَالنَّوَى } . .. إِلَى قَوْله : { وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير } عَلَى حُجَجه عَلَيْهِمْ , وَعَلَى تَبْيِين خَلْقه مَعَهُمْ , الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد , وَالْمُكَذِّبِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه . قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد : قَدْ جَاءَكُمْ أَيّهَا الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ وَالْمُكَذِّبُونَ رَسُوله { بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ } أَيْ مَا تُبْصِرُونَ بِهِ الْهُدَى مِنْ الضَّلَال وَالْإِيمَان مِنْ الْكُفْر . وَهِيَ جَمْع بَصِيرَة , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : حَمَلُوا بَصَائِرهمْ عَلَى أَكْتَافهمْ وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَد وَأَي يَعْنِي بِالْبَصِيرَةِ : الْحُجَّة الْبَيِّنَة الظَّاهِرَة . كَمَا : 10673 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ } قَالَ : الْبَصَائِر : الْهُدَى بَصَائِر فِي قُلُوبهمْ لِدِينِهِمْ , وَلَيْسَتْ بِبَصَائِر الرُّءُوس . وَقَرَأَ : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَار وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور } 22 46 قَالَ : إِنَّمَا الدِّين بَصَره وَسَمْعه فِي هَذَا الْقَلْب . 10674 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِر مِنْ رَبّكُمْ } أَيْ بَيِّنَة . وَقَوْله : { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ } يَقُول : فَمَنْ تَبَيَّنَ حُجَج اللَّه وَعَرَّفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا وَآمَنَ بِمَا دَلَّتْهُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَتَصْدِيق رَسُوله وَمَا جَاءَ بِهِ , فَإِنَّمَا أَصَابَ حَظّ نَفْسه وَلِنَفْسِهِ عَمِلَ , وَإِيَّاهَا بَغَى الْخَيْر . { وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } يَقُول : وَمَنْ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهَا وَلَمْ يُصَدِّق بِمَا دَلَّتْهُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتَنْزِيله , وَلَكِنَّهُ عَمِيَ عَنْ دَلَالَتِهَا الَّتِي تَدُلّ عَلَيْهَا , يَقُول : فَنَفْسه ضَرَّ وَإِلَيْهَا أَسَاءَ لَا إِلَى غَيْرهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } يَقُول : وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِرَقِيبٍ أُحْصِي عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَأَفْعَالكُمْ , وَإِنَّمَا أَنَا رَسُول أُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْكُمْ , وَاَللَّه الْحَفِيظ عَلَيْكُمْ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالكُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قد جاءكم بصائر من ربكم} أي آيات وبراهين يبصر بها ويستدل؛ جمع بصيرة وهي الدلالة. قال الشاعر : جاءوا بصائرهم على أكتافهم ** وبصيرتي يعدو بها عَتَدٌ وآي يعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. ووصف الدلالة بالمجيء لتفخيم شأنها؛ إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس؛ كما يقال : جاءت العافية وقد انصرف المرض، وأقبل السعود وأدبر النحوس. { فمن أبصر فلنفسه} الإبصار : هو الإدراك بحاسة البصر؛ أي فمن استدل وتعرف فنفسه نفع. { ومن عمي فعليها} لم يستدل، فصار بمنزلة الأعمى؛ فعلى نفسه يعود ضرر عماه. { وما أنا عليكم بحفيظ} أي لم أومر بحفظكم على أن تهلكوا أنفسكم. وقيل : أي لا أحفظكم من عذاب الله. وقيل { بحفيظ} برقيب؛ أحصي عليكم أعمالكم، إنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي، وهو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. قال الزجاج : نزل هذا قبل فرض القتال، ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 103 - 107

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة للمعنويات والإشراقات التي تأتي في القلوب كالبصر بالنسبة للعين، و " الكون " يعطيكم أدلة الإبصار، والقرآن يعطيكم أدلة البصائر، فكما أن الله هدى الإنسان فحذره ونهاه عن المعاصي ومنحه النور الذي يجْلي له الأشياء فيسير على هدى فلا يرتطم ولا يصطدم، كذلك جعل المعنويات نوراً، والنور الأول في البصر يأخذه الكافر والمؤمن، وكلنا شركاء فيه مثله مثل الرزق، لكن النور الثاني في البصائر يأخذه المؤمن فقط، ولذلك يقول ربنا:
{  لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ }
[الحديد: 9].

وهو نور الهداية في بصائر المعنويات، فيوضح: أنا خلقتكم خلقاً ووضعت لكم قوانين لصيانتكم. فقانون الصيانة في ماديات الدنيا للمؤمن والكافر، وقانون الصيانة في معنويات الحياة خاصة للمؤمن.

وهو القائل:
{  وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ }
[النور: 40].

ونعلم أن البصائر من المعنويات والمجيء للأمر الحسّي؛ كقولنا: " جاء زيد " أو " جاء عمرو " ولك أن تتصور البصائر وهي تأتي، قال الحق:
{  قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ }
[المائدة: 15].

إنه سبحانه قد أعطانا نورا صحيحا واضحا وهو يأتي إلينا بمشيئته.

{ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ } أي أنها بلغت من تكوينها أنها أصبحت كانها أشياء محسّة تجيء، ولا يصح أن تقولوا إنها لم تصلكم لأنها تجيء من الرب الذي خلقنا بقدرته وأمدنا في كل شيء بقيّوميته، ومن لوازم الربوبية أن يعطي ما يهدي، وقد حكم الله أن البصائر جاءتنا، وحكم بأن رسوله قد بلّغ؛ فسبحانه أعطى لرسوله، والرسول ناولنا، فالحق قد شرع ورسوله قد بلغ وبقي أن تؤدوا ولا عذر لكم من المشرع الأعلى الذي خلق وهو الرب. ولا من المبلغ المعصوم وهو الرسول.

ويقول الحق تبارك وتعالى: { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } [الأنعام: 104].

ولله المثل الأعلى ، نجد الولد يدخل البيت فيجد أمه ويقول لها: ماذا أعددت لنا من طعام؟ فتقول: لا شيء. فيقول الابن: لقد بعث أبي اللحم والأرز والخضار، فكأنه يقول لها: أين عملك يا أمي؟

وربنا سبحانه يوضح: أنا خلقتكم، وعملت لكم قانون صيانة، وأرسلت لكم رسولاً ولا تعرفون عنه أنه صادق في بلاغه، وأدى هذه الرسالة، لذلك فالباقي من المسألة عندكم أنتم، وكل واحد عليه أن يؤدي ما عليه من عمل، إن أبصر فلنفسه، وإن عمى فعليها. فإياكم أن تفهموا أني كلفتكم بما يعود عليَّ في ذاتي، ولا ما يزيد من سلطاني شيئا؛ لأن خيرها لكم أنتم، ولا آمن على التشريع ممن لا يفيد من التشريع؛ لأن من يستفيد منه قدر يشرّع لمصلحته، أما الحق فهو مأمون على التشريع لأنه غير منتفع به.

يقول سبحانه: { قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } [الأنعام: 104].ولأن الرسول عليه البلاغ فقط والحق قد حفظه وعصمه من الكفر وهو يبلغكم المنهج، وقد خلق الله كل إنسان مختارا وهو بهذا الاختيار يُدخل نفسه في الحكم أو يخرج نفسه من الحكم، وسبحانه لم يبعث الرسول جباراً بل بعثه رحيماً؛ لذلك يقول الله في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: " وما أنا عليكم بحفيظ " والحفيظ من أسماء الله، وهو الحفيظ لأنه شرَّع ليحفظ الخلق ويريد أن يجعلهم على مثال حسن واعٍ. والرسول هو المبلغ والحق يقول:
{  وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ }
[ق: 45].

إذن فكل واحد حر يدخل نفسه في الحكم أو يخرج نفسه من الحكم. وقد حارب الرسول ليحمي الاختيار بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد بعضاً من سكانها قد ظلوا على كفرهم ولم يرغمهم أحد على الإيمان.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ... }


www.alro7.net