سورة
اية:

لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ذلكم اللّه ربكم} أي الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة، { لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} أي فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل { وهو على كل شيء وكيل} أي حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلأهم بالليل والنهار. وقوله: { لا تدركه الأبصار} فيه أقوال للأئمة من السلف أحدها : لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترات به الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً أبصر ربه فقد كذب على اللّه، فإن اللّه تعالى قال: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} ، وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه: أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء اللّه، وقال يحيى بن معين سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول اللّه تعالى: { لا تدركه الأبصار} قال هذا في الدنيا، وقال آخرون: { لا تدركه الأبصار} أي جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة، وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنّة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب اللّه وسنّة رسوله، أما الكتاب فقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ، وقال تعالى عن الكافرين: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ، قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمينن لا يحجبون عنه تبارك وتعالى، أما السنّة فقد تواترت الأخبار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن المؤمنين يرون اللّه في الدار الآخرة في العرصات، وروضات الجنات، جعلنا اللّه تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى، وقال آخرون: الإدراك هو الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: { ولا يحيطون به علماً} ، وفي صحيح مسلم: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال ابن عباس { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك، وعن عكرمة أنه قيل له: { لا تدركه الأبصار} قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال ابن جرير عن عطية العوفي في قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} قال: هم ينظرون إلى اللّه لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم، فذلك قوله: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} . وقال آخرون في الآية عن عكرمة قال، سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى، فقلت: أليس اللّه يقول: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} الآية، فقال لي: لا أمَّ لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء. وفي رواية: لا يقوم له شيء ""رواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه""، وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه مرفوعاً: (إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وفي الكتب المتقدمة: إن اللّه تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده: أي تدعثر، وقال تعالى: { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} ، ونفي الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة، يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار، ولهذا كانت أم المؤمينن عائشة رضي اللّه عنها تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} ، فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء. وقوله: { وهو يدرك الأبصار} أي يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه لأنه خلقها، كما قال تعالى: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ، وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين كما قال السدي في قوله: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} لا يراه شيء وهو يرى الخلائق، وقال أبو العالية { وهو اللطيف الخبير} اللطيف لاستخراجها، الخبير بمكانها، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ لا تدركه الأبصار} أي لا تراه وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} وحديث الشيخين { إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر} وقيل المراد لا تحيط به { وهو يدرك الأبصار} أي يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه أويحيط به علمًا { وهو اللطيف} بأوليائه { الخبير} بهم.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَا تُحِيط بِهِ الْأَبْصَار وَهُوَ يُحِيط بِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10665 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يَدْرِك الْأَبْصَار } يَقُول : لَا يُحِيط بَصَر أَحَد بِالْمُلْكِ . 10666 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار } وَهُوَ أَعْظَم مِنْ أَنْ تُدْرِكهُ الْأَبْصَار . 10667 - حَدَّثَنِي سَعْد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثَنَا خَالِد بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَرْفَجَة , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , فِي قَوْله : { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } 75 22 : 23 قَالَ : هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّه , لَا تُحِيط أَبْصَارهمْ بِهِ مِنْ عَظَمَته , وَبَصَره يُحِيط بِهِمْ , فَذَلِكَ قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } . . . الْآيَة . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة لِقَوْلِهِمْ هَذَا بِأَنْ قَالُوا : إِنَّ اللَّه قَالَ : " فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَق قَالَ آمَنَتْ " 10 90 قَالُوا : فَوَصَفَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره الْغَرَق بِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِرْعَوْن , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَرَق غَيْر مَوْصُوف بِأَنَّهُ رَآهُ , وَلَا هُوَ مِمَّا يَجُوز وَصْفه بِأَنَّهُ يَرَى شَيْئًا . قَالُوا : فَمَعْنَى قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } بِمَعْنَى : لَا تَرَاهُ بَعِيدًا , لِأَنَّ الشَّيْء قَدْ يُدْرِك الشَّيْء وَلَا يَرَاهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيل أَصْحَاب مُوسَى حِين قَرُبَ مِنْهُمْ أَصْحَاب فِرْعَوْن : { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } 26 61 لِأَنَّ اللَّه قَدْ كَانَ وَعَدَ نَبِيّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَا يُدْرَكُونَ لِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } 20 77 . قَالُوا : فَإِنْ كَانَ الشَّيْء قَدْ يَرَى الشَّيْء وَلَا يُدْرِكهُ وَيُدْرِكهُ وَلَا يَرَاهُ , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } مِنْ مَعْنَى لَا تَرَاهُ الْأَبْصَار بِمَعْزِلٍ , وَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُحِيط بِهِ الْأَبْصَار ; لِأَنَّ الْإِحَاطَة بِهِ غَيْر جَائِزَة . قَالُوا : فَالْمُؤْمِنُونَ وَأَهْل الْجَنَّة يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَا تُدْرِكهُ أَبْصَارهمْ , بِمَعْنَى : أَنَّهَا لَا تُحِيط بِهِ ; إِذْ كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يُوصَف اللَّه بِأَنَّ شَيْئًا يُحِيط بِهِ . قَالُوا : وَنَظِير جَوَاز وَصْفه بِأَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَك جَوَاز وَصْفه بِأَنَّهُ يُعْلَم وَلَا يُحَاط بِهِ , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } 2 255 . قَالُوا : فَنَفَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ خَلْقِهِ أَنْ يَكُونُوا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ . قَالُوا : وَمَعْنَى الْعِلْم فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمَعْلُوم ; قَالُوا : فَلَمْ يَكُنْ فِي نَفْيه عَنْ خَلْقه أَنْ يُحِيطُوا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ نَفْيٌ عَنْ أَنْ يَعْلَمُوهُ . قَالُوا : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْي الْإِحَاطَة بِالشَّيْءِ - عِلْمًا - نَفْيٌ لِلْعِلْمِ بِهِ , كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْي إِدْرَاك اللَّه عَنْ الْبَصَر نَفْي رُؤْيَته لَهُ . قَالُوا : وَكَمَا جَازَ أَنْ يَعْلَم الْخَلْق أَشْيَاء وَلَا يُحِيطُونَ بِهَا عِلْمًا , كَذَلِكَ جَائِز أَنْ يَرَوْا رَبَّهُمْ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَا يُدْرِكُوهُ بِأَبْصَارِهِمْ , إِذْ كَانَ مَعْنَى الرُّؤْيَة غَيْر مَعْنَى الْإِدْرَاك , وَمَعْنَى الْإِدْرَاك غَيْر مَعْنَى الرُّؤْيَة , وَأَنَّ مَعْنَى الْإِدْرَاك : إِنَّمَا هُوَ الْإِحَاطَة , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْل . قَالُوا : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } لَا تَرَاهُ الْأَبْصَار ؟ قُلْنَا لَهُ : أَنْكَرْنَا ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابه أَنَّ وُجُوهًا فِي الْقِيَامَة إِلَيْهِ نَاظِرَة , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أُمَّته أَنَّهُمْ سَيَرَوْنَ رَبّهمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُرَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْس لَيْسَ دُونهَا سَحَاب . قَالُوا : فَإِذْ كَانَ اللَّه قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابه بِمَا أَخْبَرَ وَحُقِّقَتْ أَخْبَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ مِنْ قِيلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ تَأْوِيل قَوْله : { وُجُوهٌ يَوْمئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } 75 22 : 23 أَنَّهُ نَظَر أَبْصَار الْعُيُون لِلَّهِ جَلَّ جَلَاله , وَكَانَ كِتَاب اللَّه يُصَدِّق بَعْضه بَعْضًا , وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون أَحَدُ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ , إِذْ كَانَ غَيْر جَائِز فِي الْأَخْبَار لِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا : " كِتَاب لَطِيف الْبَيَان عَنْ أُصُول الْأَحْكَام " وَغَيْره ; عُلِمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } غَيْر مَعْنَى قَوْله : { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } فَإِنَّ أَهْل الْجَنَّة يَنْظُرُونَ بِأَبْصَارِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى اللَّه وَلَا يُدْرِكُونَهُ بِهَا , تَصْدِيقًا لِلَّهِ فِي كِلَا الْخَبَرَيْنِ وَتَسْلِيمًا لِمَا جَاءَ بِهِ تَنْزِيله عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فِي السُّورَتَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَرَاهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يَرَى الْأَبْصَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10668 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } لَا يَرَاهُ شَيْء , وَهُوَ يَرَى الْخَلَائِق . 10669 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : مَنْ حَدَّثَك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارُ } { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّه إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } 42 51 وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيل فِي صُورَته مَرَّتَيْنِ . 10670 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : قُلْت لِعَائِشَة : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ : هَلْ رَأَى مُحَمَّد رَبَّهُ ؟ فَقَالَتْ : سُبْحَان اللَّه , لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِمَّا قُلْت ! ثُمَّ قَرَأَتْ : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْأَعْلَى وَابْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عَائِشَة بِنَحْوِهِ . 10671 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : مَنْ قَالَ : إِنَّ أَحَدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّه , قَالَ اللَّه : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } . فَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة : مَعْنَى الْإِدْرَاك فِي هَذَا الْمَوْضِع : الرُّؤْيَة , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : { وُجُوهٌ يَوْمئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } 75 22 : 23 بِمَعْنَى اِنْتِظَارهَا رَحْمَة اللَّه وَثَوَابه . وَتَأَوَّلَ بَعْضهمْ فِي الْأَخْبَار الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَصْحِيحِ الْقَوْل بِرُؤْيَةِ أَهْل الْجَنَّة رَبّهمْ يَوْم الْقِيَامَة تَأْوِيلَات . وَأَنْكَرَ بَعْضهمْ مَجِيئَهَا , وَدَافَعُوا أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَدُّوا الْقَوْل فِيهِ إِلَى عُقُولِهِمْ , فَزَعَمُوا أَنَّ عُقُولَهُمْ تُحِيلُ جَوَازَ الرُّؤْيَةِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَبْصَارِ ; وَأَتَوْا فِي ذَلِكَ بِضُرُوبٍ مِنْ التَّمْوِيهَات , وَأَكْثَرُوا الْقَوْل فِيهِ مِنْ جِهَة الِاسْتِخْرَاجَات . وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِهِ صِحَّة قَوْلهمْ ذَلِكَ مِنْ الدَّلِيل أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا أَبْصَارهمْ تَرَى شَيْئًا إِلَّا مَا بَايَنَهَا دُون مَا لَاصَقَهَا , فَإِنَّهَا لَا تَرَى مَا لَاصَقَهَا . قَالُوا : فَمَا كَانَ لِلْأَبْصَارِ مُبَايِنًا مِمَّا عَايَنَتْهُ , فَإِنَّ بَيْنه وَبَيْنهَا فَضَاءً وَفُرْجَة . قَالُوا : فَإِنْ كَانَتْ الْأَبْصَار تَرَى رَبّهَا يَوْم الْقِيَامَة عَلَى نَحْو مَا تَرَى الْأَشْخَاص الْيَوْم , فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُون الصَّانِع مَحْدُودًا . قَالُوا : وَمَنْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ , فَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَاتِ الْأَجْسَام الَّتِي يَجُوز عَلَيْهَا الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان . قَالُوا : وَأُخْرَى , أَنَّ مِنْ شَأْن الْأَبْصَار أَنْ تُدْرِكَ الْأَلْوَان كَمَا مِنْ شَأْن الْأَسْمَاع أَنْ تُدْرِك الْأَصْوَات , وَمِنْ شَأْن الْمُتَنَشِّم أَنْ يُدْرِكَ الْأَعْرَاف . قَالُوا : فَمِنْ الْوَجْه الَّذِي فَسَدَ أَنْ يَكُون جَائِزًا أَنْ يُقْضَى لِلسَّمْعِ بِغَيْرِ إِدْرَاك الْأَصْوَات وَلِلْمُتَنَسِّمِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ الْأَعْرَاف , فَسَدَ أَنْ يَكُون جَائِزًا الْقَضَاء لِلْبَصَرِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ الْأَلْوَان . قَالُوا : وَلَمَّا كَانَ غَيْرُ جَائِز أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى ذِكْره مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ ذُو لَوْن , صَحَّ أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ مَرْئِيٌّ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَار الْخَلَائِق فِي الدُّنْيَا , وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَإِنَّهَا تُدْرِكُهُ . وَقَالَ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة : الْإِدْرَاك فِي هَذَا الْمَوْضِع : الرُّؤْيَة . وَاعْتَلَّ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة لِقَوْلِهِمْ هَذَا بِأَنْ قَالُوا : الْإِدْرَاك وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُون فِي بَعْض الْأَحْوَال بِغَيْرِ مَعْنَى الرُّؤْيَة , فَإِنَّ الرُّؤْيَة مِنْ أَحَد مَعَانِيه ; وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَلْحَق بَصَره شَيْئًا فَيَرَاهُ وَهُوَ لِمَا أَبْصَرَهُ وَعَايَنَهُ غَيْر مُدْرِك وَإِنْ لَمْ يُحِطْ بِأَجْزَائِهِ كُلِّهَا رُؤْيَة . قَالُوا : فَرُؤْيَة مَا عَايَنَهُ الرَّائِي إِدْرَاك لَهُ دُون مَا لَمْ يَرَهُ . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه أَنَّ وُجُوهًا يَوْم الْقِيَامَة إِلَيْهِ نَاظِرَة , قَالُوا : فَمُحَال أَنْ تَكُون إِلَيْهِ نَاظِرَة وَهِيَ لَهُ غَيْر مُدْرِكَة رُؤْيَة . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون فِي أَخْبَارِ اللَّهِ تَضَادٌّ وَتَعَارُضٌ , وَجَبَ وَصَحَّ أَنَّ قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } عَلَى الْخُصُوص لَا عَلَى الْعُمُوم , وَأَنَّ مَعْنَاهُ : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , إِذْ كَانَ اللَّه قَدْ اِسْتَثْنَى مَا اِسْتَثْنَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ : { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } 75 22 : 23 . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة : الْآيَة عَلَى الْخُصُوص , إِلَّا أَنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَى الْآيَة : لَا تُدْرِكهُ أَبْصَار الظَّالِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَتُدْرِكهُ أَبْصَار الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَاء اللَّه . قَالُوا : وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار بِالنِّهَايَةِ وَالْإِحَاطَة ; وَأَمَّا بِالرُّؤْيَةِ فَبَلَى . قَالُوا : وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا وَتُدْرِكهُ فِي الْآخِرَة , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : لَا تُدْرِكهُ أَبْصَار مَنْ يَرَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يُدْرِك بِهِ الْقَدِيم أَبْصَار خَلْقه , فَيَكُون الَّذِي نَفَى عَنْ خَلْقه مِنْ إِدْرَاك أَبْصَارهمْ إِيَّاهُ , هُوَ الَّذِي أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ , إِذْ كَانَتْ أَبْصَارهمْ ضَعِيفَة لَا تَنْفُذ إِلَّا فِيمَا قَوَّاهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى النُّفُوذ فِيهِ , وَكَانَتْ كُلّهَا مُتَحَلِّيَة لِبَصَرِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء . قَالُوا : وَلَا شَكَّ فِي خُصُوص قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } وَأَنَّ أَوْلِيَاء اللَّه سَيَرَوْنَهُ يَوْم الْقِيَامَة بِأَبْصَارِهِمْ , غَيْر أَنَّا لَا نَدْرِي أَيّ مَعَانِي الْخُصُوص الْأَرْبَعَة أُرِيدَ بِالْآيَةِ . وَاعْتَلُّوا بِتَصْحِيحِ الْقَوْل بِأَنَّ اللَّه يُرَى فِي الْآخِرَة بِنَحْوِ عِلَل الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَبْلُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْآيَة عَلَى الْعُمُوم , وَلَنْ يُدْرِكَ اللَّهَ بَصَرُ أَحَدٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; وَلَكِنَّ اللَّه يُحْدِث لِأَوْلِيَائِهِ يَوْم الْقِيَامَة حَاسَّة سَادِسَة سِوَى حَوَاسِّهِمْ الْخَمْس فَيَرَوْنَهُ بِهَا . وَاعْتَلُّوا لِقَوْلِهِمْ هَذَا , بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَفَى عَنْ الْأَبْصَار أَنْ تُدْرِكَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَدُلّ فِيهَا أَوْ بِآيَةٍ غَيْرِهَا عَلَى خُصُوصهَا . قَالُوا : وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ فِي آيَة أُخْرَى أَنَّ وُجُوهًا إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة نَاظِرَة . قَالُوا : فَأَخْبَار اللَّه لَا تَتَبَايَن وَلَا تَتَعَارَض , وَكِلَا الْخَبَرَيْنِ صَحِيح مَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل . وَاعْتَلُّوا أَيْضًا مِنْ جِهَة الْعَقْل بِأَنْ قَالُوا : إِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ نَرَاهُ فِي الْآخِرَة بِأَبْصَارِنَا هَذِهِ وإِنْ زِيدَ فِي قُوَاهَا وَجَبَ أَنْ نَرَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ ضَعُفَتْ , لِأَنَّ كُلّ حَاسَّة خُلِقَتْ لِإِدْرَاكِ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي فَهِيَ وَإِنْ ضَعُفَتْ كُلّ الضَّعْف فَقَدْ تُدْرِكُ مَعَ ضَعْفِهَا مَا خُلِقَتْ لِإِدْرَاكِهِ وَإِنْ ضَعُفَ إِدْرَاكُهَا إِيَّاهُ مَا لَمْ تَعْدَم . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ فِي الْبَصَر أَنْ يُدْرِك صَانِعه فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال أَوْ وَقْت مِنْ الْأَوْقَات وَيَرَاهُ , وَجَبَ أَنْ يَكُون يُدْرِكهُ فِي الدُّنْيَا وَيَرَاهُ فِيهَا و إِنْ ضَعُفَ إِدْرَاكه إِيَّاهُ . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ غَيْر مَوْجُود مِنْ أَبْصَارنَا فِي الدُّنْيَا , كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ تَكُون فِي الْآخِرَة إِلَّا بِهَيْئَتِهَا فِي الدُّنْيَا أَنَّهَا لَا تُدْرِك إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهَا إِدْرَاكُهُ فِي الدُّنْيَا . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ وُجُوهًا فِي الْآخِرَة تَرَاهُ , عُلِمَ أَنَّهَا تَرَاهُ بِغَيْرِ حَاسَّة الْبَصَر , إِذْ كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون خَبَره إِلَّا حَقًّا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر , وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْس لَيْسَ دُونهَا سَحَاب " فَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَهُ , وَالْكَافِرُونَ عَنْهُ يَوْمئِذٍ مَحْجُوبُونَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } 83 15 . فَأَمَّا مَا اِعْتَلَّ بِهِ مُنْكِرُو رُؤْيَة اللَّه يَوْم الْقِيَامَة بِالْأَبْصَارِ , لَمَّا كَانَتْ لَا تَرَى إِلَّا مَا بَايَنَهَا , وَكَانَ بَيْنهَا وَبَيْنه فَضَاء وَفُرْجَة , وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدهمْ غَيْر جَائِز أَنْ تَكُون رُؤْيَة اللَّه بِالْأَبْصَارِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِثْبَات حَدّ لَهُ وَنِهَايَة , فَبَطَلَ عِنْدهمْ لِذَلِكَ جَوَاز الرُّؤْيَة عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ يُقَال لَهُمْ : هَلْ عَلِمْتُمْ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ سِوَى صَانِعِكُمْ إِلَّا مُمَاسًّا لَكُمْ أَوْ مُبَايِنًا ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ كُلِّفُوا تَبْيِينه , وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِكَ . وَإِنْ قَالُوا : لَا نَعْلَم ذَلِكَ , قِيلَ لَهُمْ : أَوَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتُمُوهُ لَا مُمَاسًّا لَكُمْ وَلَا مُبَايِنًا , وَهُوَ مَوْصُوف بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل , وَلَمْ يَجِب عِنْدكُمْ إِذْ كُنْتُمْ لَمْ تَعْلَمُوا مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل غَيْره إِلَّا مُمَاسًّا لَكُمْ أَوْ مُبَايِنًا أَنْ يَكُون مُسْتَحِيلًا الْعِلْم بِهِ وَهُوَ مَوْصُوف بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل , لَا مُمَاسّ وَلَا مُبَايِن ؟ فَإِنْ قَالُوا : ذَلِكَ كَذَلِكَ , قِيلَ لَهُمْ : فَمَا تُنْكِرُونَ أَنْ تَكُون الْأَبْصَار كَذَلِكَ لَا تَرَى إِلَّا مَا بَايَنَهَا , وَكَانَتْ بَيْنه وَبَيْنهَا فُرْجَة قَدْ تَرَاهُ وَهُوَ غَيْر مُبَايِن لَهَا , وَلَا فُرْجَة بَيْنهَا وَبَيْنه وَلَا فَضَاء , كَمَا لَا تَعْلَم الْقُلُوب مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ إِلَّا مُمَاسًّا لَهَا أَوْ مُبَايِنًا وَقَدْ عَلِمَتْهُ عِنْدكُمْ لَا كَذَلِكَ ؟ وَهَلْ بَيْنكُمْ وَبَيْن مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل مَعْلُومًا لَا مُمَاسًّا لِلْعَالِمِ بِهِ أَوْ مُبَايِنًا وَأَجَازَ أَنْ يَكُون مَوْصُوفًا بِرُؤْيَةِ الْأَبْصَار لَا مُمَاسًّا لَهَا وَلَا مُبَايِنًا فَرْقٌ ؟ ثُمَّ يُسْأَلُونَ . الْفَرْق بَيْن ذَلِكَ , فَلَنْ يَقُولُوا فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَر مِثْله . وَكَذَلِكَ يُسْأَلُونَ فِيمَا اِعْتَلُّوا بِهِ فِي ذَلِكَ , إِنَّ مِنْ شَأْن الْأَبْصَار إِدْرَاكَ الْأَلْوَان , كَمَا أَنَّ مِنْ شَأْن الْأَسْمَاع إِدْرَاكَ الْأَصْوَات , وَمِنْ شَأْن الْمُتَنَسِّم دَرْك الْأَعْرَاف , فَمِنْ الْوَجْه الَّذِي فَسَدَ أَنْ يُقْتَضَى السَّمْع لِغَيْرِ دَرْك الْأَصْوَات فَسَدَ أَنْ تُقْتَضَى الْأَبْصَار لِغَيْرِ دَرْك الْأَلْوَان . فَيُقَال لَهُمْ : أَلَسْتُمْ لَمْ تَعْلَمُوا فِيمَا شَاهَدْتُمْ وَعَايَنْتُمْ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل إِلَّا ذَا لَوْن , وَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ لَا ذَا لَوْن ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ , لَا يَجِدُوا مِنْ الْإِقْرَار بِذَلِكَ بُدًّا إِلَّا أَنْ يَكْذِبُوا , فَيَزْعُمُوا أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا وَعَايَنُوا مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل غَيْر ذِي لَوْن , فَيُكَلَّفُوا بَيَان ذَلِكَ , وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ , فَيُقَال لَهُمْ : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ تَكُون الْأَبْصَار فِيمَا شَاهَدْتُمْ وَعَايَنْتُمْ لَمْ تَجِدُوهَا تُدْرِك إِلَّا الْأَلْوَان , كَمَا لَمْ تَجِدُوا أَنْفُسكُمْ تَعْلَم مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ إِلَّا ذَا لَوْن وَقَدْ وَجَدْتُمُوهَا عَلِمَتْهُ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ غَيْر ذِي لَوْن ؟ ثُمَّ يُسْأَلُونَ الْفَرْق بَيْن ذَلِكَ , فَلَنْ يَقُولُوا فِي أَحَدهمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَر مِثْله . وَلِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَة مَسَائِل فِيهَا تَلْبِيس كَرِهْنَا ذِكْرَهَا وَإِطَالَةَ الْكِتَابِ بِهَا وَبِالْجَوَابِ عَنْهَا , إِذْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا قَصْدَ الْكَشْف عَنْ تَمْوِيهَاتهمْ , بَلْ قَصْدنَا فِيهِ الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل آيِ الْفُرْقَان . وَلَكِنَّا ذَكَرْنَا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْنَا , لِيَعْلَمَ النَّاظِر فِي كِتَابنَا هَذَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مِنْ قَوْلهمْ إِلَّا إِلَى مَا لَبَسَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَان مِمَّا يَسْهُلُ عَلَى أَهْل الْحَقّ الْبَيَان عَنْ فَسَاده , وَأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ فِي قَوْلِهِمْ إِلَى آيَةٍ مِنْ التَّنْزِيل مُحْكَمَة وَلَا رِوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَة وَلَا سَقِيمَة , فَهُمْ فِي الظُّلُمَات يَخْبِطُونَ , وَفِي الْعَمْيَاء يَتَرَدَّدُونَ , نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الْحِيرَة وَالضَّلَالَة ! وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير } فَإِنَّهُ يَقُول : وَاَللَّه تَعَالَى ذِكْره الْمُيَسِّر لَهُ مِنْ إِدْرَاك الْأَبْصَار , وَالْمُتَأَتِّي لَهُ مِنْ الْإِحَاطَة بِهَا رُؤْيَة مَا يَعْسُر عَلَى الْأَبْصَار مِنْ إِدْرَاكهَا إِيَّاهُ وَإِحَاطَتهَا بِهِ وَيَتَعَذَّر عَلَيْهَا . { الْخَبِير } يَقُول : الْعَلِيم بِخَلْقِهِ وَأَبْصَارهمْ وَالسَّبَب الَّذِي لَهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا إِدْرَاكه فَلَطَفَ بِقُدْرَتِهِ , فَهَيَّأَ أَبْصَار خَلْقه هَيْئَة لَا تُدْرِكهُ , وَخَبَرَ بِعِلْمِهِ كَيْف تَدْبِيرهَا وَشِئُونُهَا وَمَا هُوَ أَصْلَح بِخَلْقِهِ . كَاَلَّذِي : 10672 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله : { اللَّطِيف الْخَبِير } قَالَ : اللَّطِيف بِاسْتِخْرَاجِهَا , الْخَبِير بِمَكَانِهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَا تُحِيط بِهِ الْأَبْصَار وَهُوَ يُحِيط بِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10665 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يَدْرِك الْأَبْصَار } يَقُول : لَا يُحِيط بَصَر أَحَد بِالْمُلْكِ . 10666 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار } وَهُوَ أَعْظَم مِنْ أَنْ تُدْرِكهُ الْأَبْصَار . 10667 - حَدَّثَنِي سَعْد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثَنَا خَالِد بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَرْفَجَة , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , فِي قَوْله : { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } 75 22 : 23 قَالَ : هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّه , لَا تُحِيط أَبْصَارهمْ بِهِ مِنْ عَظَمَته , وَبَصَره يُحِيط بِهِمْ , فَذَلِكَ قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } . . . الْآيَة . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة لِقَوْلِهِمْ هَذَا بِأَنْ قَالُوا : إِنَّ اللَّه قَالَ : " فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَق قَالَ آمَنَتْ " 10 90 قَالُوا : فَوَصَفَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره الْغَرَق بِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِرْعَوْن , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَرَق غَيْر مَوْصُوف بِأَنَّهُ رَآهُ , وَلَا هُوَ مِمَّا يَجُوز وَصْفه بِأَنَّهُ يَرَى شَيْئًا . قَالُوا : فَمَعْنَى قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } بِمَعْنَى : لَا تَرَاهُ بَعِيدًا , لِأَنَّ الشَّيْء قَدْ يُدْرِك الشَّيْء وَلَا يَرَاهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيل أَصْحَاب مُوسَى حِين قَرُبَ مِنْهُمْ أَصْحَاب فِرْعَوْن : { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } 26 61 لِأَنَّ اللَّه قَدْ كَانَ وَعَدَ نَبِيّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَا يُدْرَكُونَ لِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } 20 77 . قَالُوا : فَإِنْ كَانَ الشَّيْء قَدْ يَرَى الشَّيْء وَلَا يُدْرِكهُ وَيُدْرِكهُ وَلَا يَرَاهُ , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } مِنْ مَعْنَى لَا تَرَاهُ الْأَبْصَار بِمَعْزِلٍ , وَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُحِيط بِهِ الْأَبْصَار ; لِأَنَّ الْإِحَاطَة بِهِ غَيْر جَائِزَة . قَالُوا : فَالْمُؤْمِنُونَ وَأَهْل الْجَنَّة يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَا تُدْرِكهُ أَبْصَارهمْ , بِمَعْنَى : أَنَّهَا لَا تُحِيط بِهِ ; إِذْ كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يُوصَف اللَّه بِأَنَّ شَيْئًا يُحِيط بِهِ . قَالُوا : وَنَظِير جَوَاز وَصْفه بِأَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَك جَوَاز وَصْفه بِأَنَّهُ يُعْلَم وَلَا يُحَاط بِهِ , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } 2 255 . قَالُوا : فَنَفَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ خَلْقِهِ أَنْ يَكُونُوا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ . قَالُوا : وَمَعْنَى الْعِلْم فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمَعْلُوم ; قَالُوا : فَلَمْ يَكُنْ فِي نَفْيه عَنْ خَلْقه أَنْ يُحِيطُوا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ نَفْيٌ عَنْ أَنْ يَعْلَمُوهُ . قَالُوا : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْي الْإِحَاطَة بِالشَّيْءِ - عِلْمًا - نَفْيٌ لِلْعِلْمِ بِهِ , كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْي إِدْرَاك اللَّه عَنْ الْبَصَر نَفْي رُؤْيَته لَهُ . قَالُوا : وَكَمَا جَازَ أَنْ يَعْلَم الْخَلْق أَشْيَاء وَلَا يُحِيطُونَ بِهَا عِلْمًا , كَذَلِكَ جَائِز أَنْ يَرَوْا رَبَّهُمْ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَا يُدْرِكُوهُ بِأَبْصَارِهِمْ , إِذْ كَانَ مَعْنَى الرُّؤْيَة غَيْر مَعْنَى الْإِدْرَاك , وَمَعْنَى الْإِدْرَاك غَيْر مَعْنَى الرُّؤْيَة , وَأَنَّ مَعْنَى الْإِدْرَاك : إِنَّمَا هُوَ الْإِحَاطَة , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْل . قَالُوا : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } لَا تَرَاهُ الْأَبْصَار ؟ قُلْنَا لَهُ : أَنْكَرْنَا ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابه أَنَّ وُجُوهًا فِي الْقِيَامَة إِلَيْهِ نَاظِرَة , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أُمَّته أَنَّهُمْ سَيَرَوْنَ رَبّهمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُرَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْس لَيْسَ دُونهَا سَحَاب . قَالُوا : فَإِذْ كَانَ اللَّه قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابه بِمَا أَخْبَرَ وَحُقِّقَتْ أَخْبَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ مِنْ قِيلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ تَأْوِيل قَوْله : { وُجُوهٌ يَوْمئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } 75 22 : 23 أَنَّهُ نَظَر أَبْصَار الْعُيُون لِلَّهِ جَلَّ جَلَاله , وَكَانَ كِتَاب اللَّه يُصَدِّق بَعْضه بَعْضًا , وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون أَحَدُ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ , إِذْ كَانَ غَيْر جَائِز فِي الْأَخْبَار لِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا : " كِتَاب لَطِيف الْبَيَان عَنْ أُصُول الْأَحْكَام " وَغَيْره ; عُلِمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } غَيْر مَعْنَى قَوْله : { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } فَإِنَّ أَهْل الْجَنَّة يَنْظُرُونَ بِأَبْصَارِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى اللَّه وَلَا يُدْرِكُونَهُ بِهَا , تَصْدِيقًا لِلَّهِ فِي كِلَا الْخَبَرَيْنِ وَتَسْلِيمًا لِمَا جَاءَ بِهِ تَنْزِيله عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فِي السُّورَتَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَرَاهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يَرَى الْأَبْصَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10668 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } لَا يَرَاهُ شَيْء , وَهُوَ يَرَى الْخَلَائِق . 10669 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : مَنْ حَدَّثَك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارُ } { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّه إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } 42 51 وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيل فِي صُورَته مَرَّتَيْنِ . 10670 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : قُلْت لِعَائِشَة : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ : هَلْ رَأَى مُحَمَّد رَبَّهُ ؟ فَقَالَتْ : سُبْحَان اللَّه , لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِمَّا قُلْت ! ثُمَّ قَرَأَتْ : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْأَعْلَى وَابْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عَائِشَة بِنَحْوِهِ . 10671 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : مَنْ قَالَ : إِنَّ أَحَدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّه , قَالَ اللَّه : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } . فَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة : مَعْنَى الْإِدْرَاك فِي هَذَا الْمَوْضِع : الرُّؤْيَة , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : { وُجُوهٌ يَوْمئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } 75 22 : 23 بِمَعْنَى اِنْتِظَارهَا رَحْمَة اللَّه وَثَوَابه . وَتَأَوَّلَ بَعْضهمْ فِي الْأَخْبَار الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَصْحِيحِ الْقَوْل بِرُؤْيَةِ أَهْل الْجَنَّة رَبّهمْ يَوْم الْقِيَامَة تَأْوِيلَات . وَأَنْكَرَ بَعْضهمْ مَجِيئَهَا , وَدَافَعُوا أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَدُّوا الْقَوْل فِيهِ إِلَى عُقُولِهِمْ , فَزَعَمُوا أَنَّ عُقُولَهُمْ تُحِيلُ جَوَازَ الرُّؤْيَةِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَبْصَارِ ; وَأَتَوْا فِي ذَلِكَ بِضُرُوبٍ مِنْ التَّمْوِيهَات , وَأَكْثَرُوا الْقَوْل فِيهِ مِنْ جِهَة الِاسْتِخْرَاجَات . وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِهِ صِحَّة قَوْلهمْ ذَلِكَ مِنْ الدَّلِيل أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا أَبْصَارهمْ تَرَى شَيْئًا إِلَّا مَا بَايَنَهَا دُون مَا لَاصَقَهَا , فَإِنَّهَا لَا تَرَى مَا لَاصَقَهَا . قَالُوا : فَمَا كَانَ لِلْأَبْصَارِ مُبَايِنًا مِمَّا عَايَنَتْهُ , فَإِنَّ بَيْنه وَبَيْنهَا فَضَاءً وَفُرْجَة . قَالُوا : فَإِنْ كَانَتْ الْأَبْصَار تَرَى رَبّهَا يَوْم الْقِيَامَة عَلَى نَحْو مَا تَرَى الْأَشْخَاص الْيَوْم , فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُون الصَّانِع مَحْدُودًا . قَالُوا : وَمَنْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ , فَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَاتِ الْأَجْسَام الَّتِي يَجُوز عَلَيْهَا الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان . قَالُوا : وَأُخْرَى , أَنَّ مِنْ شَأْن الْأَبْصَار أَنْ تُدْرِكَ الْأَلْوَان كَمَا مِنْ شَأْن الْأَسْمَاع أَنْ تُدْرِك الْأَصْوَات , وَمِنْ شَأْن الْمُتَنَشِّم أَنْ يُدْرِكَ الْأَعْرَاف . قَالُوا : فَمِنْ الْوَجْه الَّذِي فَسَدَ أَنْ يَكُون جَائِزًا أَنْ يُقْضَى لِلسَّمْعِ بِغَيْرِ إِدْرَاك الْأَصْوَات وَلِلْمُتَنَسِّمِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ الْأَعْرَاف , فَسَدَ أَنْ يَكُون جَائِزًا الْقَضَاء لِلْبَصَرِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ الْأَلْوَان . قَالُوا : وَلَمَّا كَانَ غَيْرُ جَائِز أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى ذِكْره مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ ذُو لَوْن , صَحَّ أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ مَرْئِيٌّ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَار الْخَلَائِق فِي الدُّنْيَا , وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَإِنَّهَا تُدْرِكُهُ . وَقَالَ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة : الْإِدْرَاك فِي هَذَا الْمَوْضِع : الرُّؤْيَة . وَاعْتَلَّ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة لِقَوْلِهِمْ هَذَا بِأَنْ قَالُوا : الْإِدْرَاك وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُون فِي بَعْض الْأَحْوَال بِغَيْرِ مَعْنَى الرُّؤْيَة , فَإِنَّ الرُّؤْيَة مِنْ أَحَد مَعَانِيه ; وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَلْحَق بَصَره شَيْئًا فَيَرَاهُ وَهُوَ لِمَا أَبْصَرَهُ وَعَايَنَهُ غَيْر مُدْرِك وَإِنْ لَمْ يُحِطْ بِأَجْزَائِهِ كُلِّهَا رُؤْيَة . قَالُوا : فَرُؤْيَة مَا عَايَنَهُ الرَّائِي إِدْرَاك لَهُ دُون مَا لَمْ يَرَهُ . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه أَنَّ وُجُوهًا يَوْم الْقِيَامَة إِلَيْهِ نَاظِرَة , قَالُوا : فَمُحَال أَنْ تَكُون إِلَيْهِ نَاظِرَة وَهِيَ لَهُ غَيْر مُدْرِكَة رُؤْيَة . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون فِي أَخْبَارِ اللَّهِ تَضَادٌّ وَتَعَارُضٌ , وَجَبَ وَصَحَّ أَنَّ قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } عَلَى الْخُصُوص لَا عَلَى الْعُمُوم , وَأَنَّ مَعْنَاهُ : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , إِذْ كَانَ اللَّه قَدْ اِسْتَثْنَى مَا اِسْتَثْنَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ : { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } 75 22 : 23 . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة : الْآيَة عَلَى الْخُصُوص , إِلَّا أَنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَى الْآيَة : لَا تُدْرِكهُ أَبْصَار الظَّالِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَتُدْرِكهُ أَبْصَار الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَاء اللَّه . قَالُوا : وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار بِالنِّهَايَةِ وَالْإِحَاطَة ; وَأَمَّا بِالرُّؤْيَةِ فَبَلَى . قَالُوا : وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار فِي الدُّنْيَا وَتُدْرِكهُ فِي الْآخِرَة , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : لَا تُدْرِكهُ أَبْصَار مَنْ يَرَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يُدْرِك بِهِ الْقَدِيم أَبْصَار خَلْقه , فَيَكُون الَّذِي نَفَى عَنْ خَلْقه مِنْ إِدْرَاك أَبْصَارهمْ إِيَّاهُ , هُوَ الَّذِي أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ , إِذْ كَانَتْ أَبْصَارهمْ ضَعِيفَة لَا تَنْفُذ إِلَّا فِيمَا قَوَّاهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى النُّفُوذ فِيهِ , وَكَانَتْ كُلّهَا مُتَحَلِّيَة لِبَصَرِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء . قَالُوا : وَلَا شَكَّ فِي خُصُوص قَوْله : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار } وَأَنَّ أَوْلِيَاء اللَّه سَيَرَوْنَهُ يَوْم الْقِيَامَة بِأَبْصَارِهِمْ , غَيْر أَنَّا لَا نَدْرِي أَيّ مَعَانِي الْخُصُوص الْأَرْبَعَة أُرِيدَ بِالْآيَةِ . وَاعْتَلُّوا بِتَصْحِيحِ الْقَوْل بِأَنَّ اللَّه يُرَى فِي الْآخِرَة بِنَحْوِ عِلَل الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَبْلُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْآيَة عَلَى الْعُمُوم , وَلَنْ يُدْرِكَ اللَّهَ بَصَرُ أَحَدٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; وَلَكِنَّ اللَّه يُحْدِث لِأَوْلِيَائِهِ يَوْم الْقِيَامَة حَاسَّة سَادِسَة سِوَى حَوَاسِّهِمْ الْخَمْس فَيَرَوْنَهُ بِهَا . وَاعْتَلُّوا لِقَوْلِهِمْ هَذَا , بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَفَى عَنْ الْأَبْصَار أَنْ تُدْرِكَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَدُلّ فِيهَا أَوْ بِآيَةٍ غَيْرِهَا عَلَى خُصُوصهَا . قَالُوا : وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ فِي آيَة أُخْرَى أَنَّ وُجُوهًا إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة نَاظِرَة . قَالُوا : فَأَخْبَار اللَّه لَا تَتَبَايَن وَلَا تَتَعَارَض , وَكِلَا الْخَبَرَيْنِ صَحِيح مَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل . وَاعْتَلُّوا أَيْضًا مِنْ جِهَة الْعَقْل بِأَنْ قَالُوا : إِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ نَرَاهُ فِي الْآخِرَة بِأَبْصَارِنَا هَذِهِ وإِنْ زِيدَ فِي قُوَاهَا وَجَبَ أَنْ نَرَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ ضَعُفَتْ , لِأَنَّ كُلّ حَاسَّة خُلِقَتْ لِإِدْرَاكِ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي فَهِيَ وَإِنْ ضَعُفَتْ كُلّ الضَّعْف فَقَدْ تُدْرِكُ مَعَ ضَعْفِهَا مَا خُلِقَتْ لِإِدْرَاكِهِ وَإِنْ ضَعُفَ إِدْرَاكُهَا إِيَّاهُ مَا لَمْ تَعْدَم . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ فِي الْبَصَر أَنْ يُدْرِك صَانِعه فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال أَوْ وَقْت مِنْ الْأَوْقَات وَيَرَاهُ , وَجَبَ أَنْ يَكُون يُدْرِكهُ فِي الدُّنْيَا وَيَرَاهُ فِيهَا و إِنْ ضَعُفَ إِدْرَاكه إِيَّاهُ . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ غَيْر مَوْجُود مِنْ أَبْصَارنَا فِي الدُّنْيَا , كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ تَكُون فِي الْآخِرَة إِلَّا بِهَيْئَتِهَا فِي الدُّنْيَا أَنَّهَا لَا تُدْرِك إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهَا إِدْرَاكُهُ فِي الدُّنْيَا . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ وُجُوهًا فِي الْآخِرَة تَرَاهُ , عُلِمَ أَنَّهَا تَرَاهُ بِغَيْرِ حَاسَّة الْبَصَر , إِذْ كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون خَبَره إِلَّا حَقًّا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر , وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْس لَيْسَ دُونهَا سَحَاب " فَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَهُ , وَالْكَافِرُونَ عَنْهُ يَوْمئِذٍ مَحْجُوبُونَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } 83 15 . فَأَمَّا مَا اِعْتَلَّ بِهِ مُنْكِرُو رُؤْيَة اللَّه يَوْم الْقِيَامَة بِالْأَبْصَارِ , لَمَّا كَانَتْ لَا تَرَى إِلَّا مَا بَايَنَهَا , وَكَانَ بَيْنهَا وَبَيْنه فَضَاء وَفُرْجَة , وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدهمْ غَيْر جَائِز أَنْ تَكُون رُؤْيَة اللَّه بِالْأَبْصَارِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِثْبَات حَدّ لَهُ وَنِهَايَة , فَبَطَلَ عِنْدهمْ لِذَلِكَ جَوَاز الرُّؤْيَة عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ يُقَال لَهُمْ : هَلْ عَلِمْتُمْ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ سِوَى صَانِعِكُمْ إِلَّا مُمَاسًّا لَكُمْ أَوْ مُبَايِنًا ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ كُلِّفُوا تَبْيِينه , وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِكَ . وَإِنْ قَالُوا : لَا نَعْلَم ذَلِكَ , قِيلَ لَهُمْ : أَوَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتُمُوهُ لَا مُمَاسًّا لَكُمْ وَلَا مُبَايِنًا , وَهُوَ مَوْصُوف بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل , وَلَمْ يَجِب عِنْدكُمْ إِذْ كُنْتُمْ لَمْ تَعْلَمُوا مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل غَيْره إِلَّا مُمَاسًّا لَكُمْ أَوْ مُبَايِنًا أَنْ يَكُون مُسْتَحِيلًا الْعِلْم بِهِ وَهُوَ مَوْصُوف بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل , لَا مُمَاسّ وَلَا مُبَايِن ؟ فَإِنْ قَالُوا : ذَلِكَ كَذَلِكَ , قِيلَ لَهُمْ : فَمَا تُنْكِرُونَ أَنْ تَكُون الْأَبْصَار كَذَلِكَ لَا تَرَى إِلَّا مَا بَايَنَهَا , وَكَانَتْ بَيْنه وَبَيْنهَا فُرْجَة قَدْ تَرَاهُ وَهُوَ غَيْر مُبَايِن لَهَا , وَلَا فُرْجَة بَيْنهَا وَبَيْنه وَلَا فَضَاء , كَمَا لَا تَعْلَم الْقُلُوب مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ إِلَّا مُمَاسًّا لَهَا أَوْ مُبَايِنًا وَقَدْ عَلِمَتْهُ عِنْدكُمْ لَا كَذَلِكَ ؟ وَهَلْ بَيْنكُمْ وَبَيْن مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل مَعْلُومًا لَا مُمَاسًّا لِلْعَالِمِ بِهِ أَوْ مُبَايِنًا وَأَجَازَ أَنْ يَكُون مَوْصُوفًا بِرُؤْيَةِ الْأَبْصَار لَا مُمَاسًّا لَهَا وَلَا مُبَايِنًا فَرْقٌ ؟ ثُمَّ يُسْأَلُونَ . الْفَرْق بَيْن ذَلِكَ , فَلَنْ يَقُولُوا فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَر مِثْله . وَكَذَلِكَ يُسْأَلُونَ فِيمَا اِعْتَلُّوا بِهِ فِي ذَلِكَ , إِنَّ مِنْ شَأْن الْأَبْصَار إِدْرَاكَ الْأَلْوَان , كَمَا أَنَّ مِنْ شَأْن الْأَسْمَاع إِدْرَاكَ الْأَصْوَات , وَمِنْ شَأْن الْمُتَنَسِّم دَرْك الْأَعْرَاف , فَمِنْ الْوَجْه الَّذِي فَسَدَ أَنْ يُقْتَضَى السَّمْع لِغَيْرِ دَرْك الْأَصْوَات فَسَدَ أَنْ تُقْتَضَى الْأَبْصَار لِغَيْرِ دَرْك الْأَلْوَان . فَيُقَال لَهُمْ : أَلَسْتُمْ لَمْ تَعْلَمُوا فِيمَا شَاهَدْتُمْ وَعَايَنْتُمْ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل إِلَّا ذَا لَوْن , وَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ لَا ذَا لَوْن ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ , لَا يَجِدُوا مِنْ الْإِقْرَار بِذَلِكَ بُدًّا إِلَّا أَنْ يَكْذِبُوا , فَيَزْعُمُوا أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا وَعَايَنُوا مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ وَالْفِعْل غَيْر ذِي لَوْن , فَيُكَلَّفُوا بَيَان ذَلِكَ , وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ , فَيُقَال لَهُمْ : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ تَكُون الْأَبْصَار فِيمَا شَاهَدْتُمْ وَعَايَنْتُمْ لَمْ تَجِدُوهَا تُدْرِك إِلَّا الْأَلْوَان , كَمَا لَمْ تَجِدُوا أَنْفُسكُمْ تَعْلَم مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ إِلَّا ذَا لَوْن وَقَدْ وَجَدْتُمُوهَا عَلِمَتْهُ مَوْصُوفًا بِالتَّدْبِيرِ غَيْر ذِي لَوْن ؟ ثُمَّ يُسْأَلُونَ الْفَرْق بَيْن ذَلِكَ , فَلَنْ يَقُولُوا فِي أَحَدهمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَر مِثْله . وَلِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَة مَسَائِل فِيهَا تَلْبِيس كَرِهْنَا ذِكْرَهَا وَإِطَالَةَ الْكِتَابِ بِهَا وَبِالْجَوَابِ عَنْهَا , إِذْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا قَصْدَ الْكَشْف عَنْ تَمْوِيهَاتهمْ , بَلْ قَصْدنَا فِيهِ الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل آيِ الْفُرْقَان . وَلَكِنَّا ذَكَرْنَا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْنَا , لِيَعْلَمَ النَّاظِر فِي كِتَابنَا هَذَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مِنْ قَوْلهمْ إِلَّا إِلَى مَا لَبَسَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَان مِمَّا يَسْهُلُ عَلَى أَهْل الْحَقّ الْبَيَان عَنْ فَسَاده , وَأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ فِي قَوْلِهِمْ إِلَى آيَةٍ مِنْ التَّنْزِيل مُحْكَمَة وَلَا رِوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَة وَلَا سَقِيمَة , فَهُمْ فِي الظُّلُمَات يَخْبِطُونَ , وَفِي الْعَمْيَاء يَتَرَدَّدُونَ , نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الْحِيرَة وَالضَّلَالَة ! وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير } فَإِنَّهُ يَقُول : وَاَللَّه تَعَالَى ذِكْره الْمُيَسِّر لَهُ مِنْ إِدْرَاك الْأَبْصَار , وَالْمُتَأَتِّي لَهُ مِنْ الْإِحَاطَة بِهَا رُؤْيَة مَا يَعْسُر عَلَى الْأَبْصَار مِنْ إِدْرَاكهَا إِيَّاهُ وَإِحَاطَتهَا بِهِ وَيَتَعَذَّر عَلَيْهَا . { الْخَبِير } يَقُول : الْعَلِيم بِخَلْقِهِ وَأَبْصَارهمْ وَالسَّبَب الَّذِي لَهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا إِدْرَاكه فَلَطَفَ بِقُدْرَتِهِ , فَهَيَّأَ أَبْصَار خَلْقه هَيْئَة لَا تُدْرِكهُ , وَخَبَرَ بِعِلْمِهِ كَيْف تَدْبِيرهَا وَشِئُونُهَا وَمَا هُوَ أَصْلَح بِخَلْقِهِ . كَاَلَّذِي : 10672 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله : { اللَّطِيف الْخَبِير } قَالَ : اللَّطِيف بِاسْتِخْرَاجِهَا , الْخَبِير بِمَكَانِهَا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { لا تدركه الأبصار} بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات، والرؤية ثابتة. فقال الزجاج : أي لا يبلغ كنه حقيقته؛ كما تقول : أدركت كذا وكذا؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث في الرؤية يوم القيامة. وقال ابن عباس { لا تدركه الأبصار} في الدنيا، ويراه المؤمنون في الآخرة؛ لإخبار الله بها في قوله { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة : 22 - 23]. وقال السدي. وهو أحسن ما قيل لدلالة التنزيل والأخبار الواردة برؤية الله في الجنة. وسيأتي بيانه في { يونس} . وقيل { لا تدركه الأبصار} لا تحيط به وهو يحيط بها؛ عن ابن عباس أيضا. وقيل : المعنى لا تدركه أبصار القلوب، أي لا تدركه العقول فتتوهمه؛ إذ { ليس كمثله شيء} [الشورى : 11] وقيل : المعنى لا تدركه الأبصار المخلوقة في الدنيا، لكنه يخلق لمن يريد كرامته بصرا وإدراكا يراه فيه كمحمد عليه السلام؛ إذ رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا، إذ لو لم تكن جائزة لكان سؤال موسى عليه السلام مستحيلا، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل. واختلف السلف في رؤية نبينا عليه السلام ربه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة، فقالت : يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت : ما هن؟ قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال : وكنت متكئا فجلست فقلت : يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل { ولقد رآه بالأفق المبين} [التكوير : 23]. { ولقد رآه نزلة أخرى} [النجم : 13] ؟ فقالت : أنا أول هذه الأمة من سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض). فقالت : أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} ؟ أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا - إلى قول - علي حكيم} [الشورى : 51] ؟ قالت : ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة : 67] قالت : ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} [النمل : 65]. إلى ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها من عدم الرؤية، وأنه إنما رأى جبريل : ابن مسعود، ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه رأى جبريل، واختلف عنهما. وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وعن ابن عباس أنه رآه بعينه؛ هذا هو المشهور عنه. وحجته قوله تعالى { ما كذب الفؤاد ما رأى} [النجم : 11]. وقال عبدالله بن الحارث : اجتمع ابن عباس وأبي بن كعب، فقال ابن عباس : أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين. ثم قال ابن عباس : أتعجبون أن الخلة تكون لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. قال : فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما السلام، فكلم موسى ورآه محمد صلى الله عليه وسلم. وحكى عبدالرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه. وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة، وحكاه بعض المتكلمين عن ابن مسعود، والأول عنه أشهر. وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة : هل رأى محمد ربه؟ فقال نعم وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال : أنا أقول بحديث ابن عباس : بعينه رآه رآه! حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى الله ببصره وعيني رأسه. وقال أنس وابن عباس وعكرمة والربيع والحسن. وكان الحسن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمد ربه. وقال جماعة منهم أبو العالية والقرظي والربيع بن أنس : إنه إنما رأى ربه بقلبه وفؤاده؛ وحكي عن ابن عباس أيضا وعكرمة. وقال أبو عمر : قال أحمد بن حنبل رآه بقلبه، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. وعن مالك بن أنس قال : لم ير في الدنيا؛ لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي. قال القاضي عياض : وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة؛ فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في حقه. وسيأتي شيء من هذا في حق موسى عليه السلام في { الأعراف} إن شاء الله. قوله تعالى { وهو يدرك الأبصار} أي لا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه. إنما خص الأبصار؛ لتجنيس الكلام. وقال الزجاج : وفي هذا الكلام دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار؛ أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه. ثم قال { وهو اللطيف الخبير} أي الرفيق بعباده؛ يقال : لطف فلان بفلان يلطف، أي رفق به. واللطف في الفعل الرفق فيه. واللطف من الله تعالى التوفيق والعصمة. وألطفه بكذا، أي بره به. والاسم اللطف بالتحريك. يقال : جاءتنا من فلان لطفة؛ أي هدية. والملاطفة المبارة؛ عن الجوهري وابن فارس. قال أبو العالية : المعنى لطيف باستخراج الأشياء خبير بمكانها. وقال الجنيد : اللطيف من نور قلبك بالهدى، وربى جسمك بالغذا، وجعل لك الولاية في البلوى، ويحرسك وأنت في لظى، ويدخلك جنة المأوى. وقيل غير هذا، مما معناه راجع إلى معنى الرفق وغيره. وسيأتي ما للعلماء من الأقوال في ذلك في { الشورى} إن شاء الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 100 - 103


سورة الانعام الايات 103 - 107

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ولماذا لا تدركه الأبصار؟ لأن البصر آلة إدراك لها قانونها بأن ينعكس الشعاع من المرئي إلى الرائي ويحدده، فلو أن الأبصار تدركه لحددته، وأصبح من يراه قادراً عليه، ولصار مقدوراً لكم؛ لأنه دخل في إدارككم. فلو أنك أدركت الله لكان الله مقدوراً لبصرك، والقادر لا ينقلب مقدوراً ابداً، إذن فمن عظمته انه لا يُدْرَك: أنت قد ترى الشمس، ولكن أتدعي أنك أدركتها؟! لا، لأن الإدراك معناه الإحاطة، وحين يقال " أدركه " أي لم يفلت منه، ولذلك عندما سار قوم فرعون وراء موسى وقومه قال أصحاب موسى: { ٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }.

أي لا فائدة؛ لأن البحر أمامنا، إن تقدمنا نغرق، وإن تأخرنا أهلكونا وقتلونا. إذن " مُدرك " يعني محاطا به. فإذا أحاطت الأبصار بالله انقلب البصر قادرا، وصار الله مقدورا عليه. والقادر بذاته - كما قلنا - لا ينقلب مقدورا لخلقه أبدا.

{ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } [الأنعام: 103].

وكل ما عدا الله محتاج إلى الله لبقاء كينونته، وكينونته سبحانه ليست عند أحد؛ لذلك { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ } لأنه إن قدر على الأبصار كلها فهو قادر بذاته، والباقي مقدور له؛ لأنه مخلوق له، ومادام مخلوقا له يكون مقدورا عليه ولم يطرأ على المخلوقين شيء جديد يجعلهم قادرين بذواتهم { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ }.

وقد وقف العلماء وقفة كبيرة واختلفوا: هل الإنسان يرى ربه أو لا يراه سواء في الدنيا أم في الآخرة؟ بعضهم قال: لا أحد يرى الله بنص الآية: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ } ونقول: لكن هناك آيات في القرآن تقول:
{  وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }
[القيامة: 22-23].

و " ناظرة " تضمن الرؤية وتفيدها، وأيضاً فالله يعاقب من كفر به بأن يحتجب عنه؛ لأنه القائل:
{  كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }
[المطففين: 15].

فالكافرون محجوبون عن رؤية الله عقاباً لهم. ولو اشتركنا معهم وحجبنا كما حجبوا فما ميزتنا كمؤمنين؟، إذن فالعلماء لم ينتبهوا إلى أن هناك فرقا بين الأداء القرآني وما يقولون؟ وحين يحتج عالم منهم بأن رؤية الله غير ممكنة لأن ربنا سبحانه قال لموسى:
{  لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي }
[الأعراف: 143].

فلماذا لم يلتفت هذا العالم إلى قول الحق:
{  فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً }
[الأعراف: 143].

إذن فالله تجلى لبعض خلقه، أما أن يراه الخلق في الدنيا فلا؛ لأن تكويننا غير مؤهل لأن يرى الحق، بدليل أن الأصلب والأقوى منا وهو الجبل حينما تجلى ربه عليه اندك. فلما اندك الجبل خر موسى صعقا، فإذا كان موسى قد خر صعقا لرؤية المتَجلَّى عليه وهو الجبل فكيف لو رآه؟! إن فهو غير معد له.لقد اختلف العلماء عند هذه الآية، وتجلَّى خلافهم إلى أبعد حد؛ فمنهم مجيز للرؤية، ومنهم منكر لها، وأرى أن خلافهم في غير محل نزاع؛ لأنهم تكلموا عن الرؤية، والكلام هنا عن نفي الإدراك، والإدراك إحاطة؛ والرؤية تكون إجمالاً، إنما الإحاطة ليست ممكنة، وعلى تقدير أن الرؤية والإدراك متحدان في المفهوم نقول: لماذا يكون الخلاف في أمر الآخرة؟ لو أن الخلاف في أمر الرؤية في الدنيا لكان هذا كلاماً جميلاً، ولكن الخلاف جعلتموه في الآخرة.

إن آيات القرآن صريحة في أن رؤية الحق سبحانه وتعالى من نعم الله على المؤمنين، وهي زيادة في الحسنى عليهم، وحجبه سبحانه عن الكفار لون من العقوبة لهم ونقول - أيضاً -: لماذا لا تقولون إن الإدراك سيوجد في الآخرة بكيفية ليست موجودة في دنيانا؟ لأننا في هذه الدنيا معدُّون إعداد أسباب - وفي الآخرة سنكون معدين إعداداً لغير أسباب.

أنت هنا إذا أحببت أن تشرب تطلب الماء أو تذهب للماء وتشرب، وحين تريد أن تأكل الشيء الفلاني، تقول لأهل البيت: اصنعوا لي كذا أو تشتري ما تريده، إنما هناك في الآخرة بمجرد أن يخطر ببالك ما تشتهيه تجده أمامك، وهذا قانون جديد لا ارتباط له بقانون الدنيا، فلماذا لا يكون في تكويننا في الآخرة أيضاً قانون يمكن به أن نرى الله وفي إطار ليس كمثله شيء؟

إن في الآخرة قضايا يتفق الجميع على انها تخالف قوانين الدنيا ونواميس العالم المعاصر لنا الآن في الأكل والشرب، والتخلص من الفضلات، لكن في الآخرة سنأكل ونشرب ولكن لن توجد فضلات؛ لأنك أنت الان تطهى وتهضم، وفي الهضم أنت تأخذ بعض الطعام ويبقى منه فضلات لابد أن تخرج، لكن الطهي والهضم في الآخرة بـ " كن " وليس له فضلات، إنه طعام بقدرة القادر، في الجنة كل ما تريده ستناله دون أن ينفد، وفي الدنيا أي شيء يؤخذ منه ينقص، أما في الآخرة فلا شيء ينقص لأن له مدداً من القيومية.

ويعقب الحق سبحانه وتعالى بعد القضيتين: { وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } ولطيف تناسب { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ } و { ٱلْخَبِيرُ } يناسب { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ } ولطيف لها معنى خاص، فالشيء اللطيف يستعمل في دقيق التكوين - ولله المثل الأعلى - إن الميكروب لم نعرفه إلا مؤخراً لأنه بلغ من اللطف والدقة بحيث لا تدركه العين، لكن عندما اخترعنا الميكروسكوب رأيناه، وإن دق الميكروب عن ذلك فلن نراه، وقد اكتشفنا " الفيروس " ونحاول معرفة المزيد عن خصائصه، إذن كلما دق الشيء يلطف ولا يمكن أن نراه، فالشيء إذا لطف شرف وعلا ونقول - ولله المثل الأعلى -: فلان لطيف المعشر، والحق سبحانه لطيف في ذاته ويلطف بعباده.إنك ساعة ما تسمع " لاطف " فهذا اسم فاعل، مثلها مثل " آكل " ، وحين نقول: " لطيف فهي مبالغة في اللطف؛ لأنه لاطف بكل إنسان وكل كائن وهذا يحتاج إلى مبالغة، ولذلك نقول: رحيم، وهي صيغة مبالغة؛ لأنه يسبغ رحمته على عباده، وأول مظهر من مظاهر اللطف، هو تدبير أمورهم الدقيقة تدبيراً يحقق مصالحهم في وجودهم. إننا حين ندير كوب ماء لكل إنسان ندبر الكثير فما بالنا بتدبير اللطيف بعباده؟

لقد خلق لنا الأرض ثلاثة أرباعها ماء، والربع يابس، لأنه جل وعلا يريد أن يوسع رقعة الماء لأن المياه كلما اتسعت رقعتها، كان البخر فيها أسهل وأكثر، لكن لو كانت المياه عميقة ومساحتها قليلة فالبخر يكون على مستوى السطح فقط، وهنا لا يأتي السحاب بما يكفي الخلق من الماء. لقد سمع الله سبحانه رقعة الماء كي يتبخر الماء ثم ينعقد كسحب في السماء، ويصادف منطقة باردة لينزل لنا المياه العذبة لنشرب منها، وتشرب أنعامنا، ونسقي الزرع، وكل ذلك من لطف التدبير.

ومن مظاهر اللطف في الحق نجد أموراً لا توصف، ولذلك كل واحد من العلماء انفعل لزاوية من زوايا لطف الله على خلقه.. فواحد قال: هو " سبوغ النعم " وقال الثاني: " دقة التدبير " وقال الثالث: إن من مظاهر لطف الحق أنه يستقل كثير من النعم على خلقه، فالنعم التي منحها خلقه قليلة لأن خزائنه - سبحانه - ملأى وعطاياه لا تنفد ولا يعتريها نقص، ولذلك قال سبحانه:
{  لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }
[إبراهيم: 7].

أي أن نعمه الكثيرة على عباده قليلة، وفي المقابل: يستكثر قليل الطاعة من خلقه أي يعتبرها - تفضلاً منه - كثيرة؛ لأنه هو الذي يجزي الحسنة بعشر أمثالها.

إذن فمظاهر اللطف لا حصر لها، وعلى قدر دقة اللطف تكون دقة مأتاه وإحصائه، فهو اللطيف الذي إذا ناديته لبّاك، وإذا قصدته آواك، وإذا أحببته أدناك، وإذا أطعته كافاك وإذا أعطيته وأقرضته من فضله وماله الذي منحك عافاك، وإذا أعرضت عنه دعاك فهو القائل: " يابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت منّي شبراً دنوت منك ذراعاً، وإن دنوت منّي ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول " وكلها مظاهر لطف. وهو المنادى: " توبوا إلى الله " والرسول صلى الله عليه وسلم هو القائل: " لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا سقط على بعيره قد أضله بأرض فلاة " وإذا قربت من الله هداك.

ويأتي عالم آخر ممن انفعلوا بصفات اللطف، فيقول: الذي يجازيك إن وفيت، ويعفو عنك إن قصرت، وعالم آخر يضيف إلى معاني اللطف فيقول: من افتخر به وأعزه، ومن افتقر إليه أغناه، وعالم ينفعل انفعالاً آخر بمظاهر اللطف فيقول: من عطاؤه خير، ومنعه ذخيرة.. أي أنه لو منع عبده شيئاً فإنه يدخره له في الآخرة، كل هذه مظاهر للطف، وهذا مناسب لقوله الحق: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ } إن لطفه سبحانه يتغلغل فيما لا نستطيع أن ندركه، وحين تحلل أنت أي أمر قد لا تصل إلى فهم النعمة، وإن وصلت فأنت لا تقدر أن تؤدي الحمد على تلك النعمة.

وقوله الحق: { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ } مناسب لكلمة " خبير " ، ونحن في حياتنا نسمع كلمة " خبير " فعندما نقابل أي مشكلة من المشكلات نجد من يقول: نريد أن نسمع رأي الخبير فيها، وفي القضاء نجد القاضي يستدعي خبيراً ليكتب تقريراً في أمر يحتاج إلى من هو متخصص فيه وعليم به، إذن فالخبير في مجال ما هو الذي يعرف تفاصيل الأمر، فما بالنا بالخبير الأعلى الذي لا يستعصي عليه شيء في ملكه، وهو الذي يدرك الأبصار، فقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ } يناسبها " خبير " ، وهذا ما يسمونه في اللغة " لف ونشر " وهو ان يأتي بأمرين أو ثلاثة ثم يأتي بما يقابلها، مثال ذلك قوله الحق:
{  وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ }
[القصص: 73].

فمن مظاهر رحمته لنا سبحانه أن جعل لنا الليل والنهار، ثم قال:
{  لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ }
[القصص: 73].

لنسكن في الليل، ونبتغي فضله في النهار، وهذا اسمه - كما قلنا - " لف ونشر ".

ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: { قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ... }


www.alro7.net