سورة
اية:

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد، هؤلاء المشركين باللّه العابدين معه غيره { من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو اللّه وحده، وهم مع هذا يعبدون معه غيره، من الأصنام والأنداد، ثم قال تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهداً} أي فراشاً قراراً ثابتة، تسيرون عليها وتقومون وتنامون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد، { وجعل لكم فيها سبلاً} أي طرقاً بين الجبال والأودية { لعلكم تهتدون} أي في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، { والذي نّزل من السماء ماء بقدر} أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم، { فأنشرنا به بلدة ميتا} أي أرضاً ميتة، فلما جاءها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ثم نَّبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها فقال: { كذلك تخرجون} . ثم قال عزَّ وجلَّ: { والذي خلق الأزواج كلها} أي مما تنبت الأرض من سائر الأصناف، من نبات وزروع وثمار وغير ذلك، ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها، وأصنافها، { وجعل لكم من الفلك} أي السفن { والأنعام ما تركبون} أي ذللها لكم وسخَّرها ويسّرها، لأكلكم لحومها وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها، ولهذا قال جلَّ وعلا { لتستووا على ظهوره} أي لتستووا متمكنين مرتفقين { على ظهوره} أي على ظهور هذا الجنس، { ثم تذكروا نعمة ربكم} أي فيما سخر لكم { إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} أي مقاومين، ولولا تسخير اللّه لنا هذا ما قدرنا عليه، قال ابن عباس: { مقرنين} أي مطيقين، { وإنا إلى ربنا لمنقلبون} أي لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: { وريشاً ولباس التقوى ذلك خير} . ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة حديث علي بن أبي طالب : عن علي بن ربيعة قال: رأيت علياً رضي اللّه عنه أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم اللّه، فلما استوى عليها قال: الحمد للّه { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون} ، ثم حمد اللّه تعالى ثلاثاً وكبّر ثلاثاً، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي، فاغفر لي، ثم ضحك، فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال رضي اللّه عنه: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعل مثل ما فعلت، ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول اللّه؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: (يعجب الرب تبارك وتعالى من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري) ""أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح"". حديث عبد اللّه بن عمر : روى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: إن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثاً ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون)، ثم يقول: (اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا السفر، واطوِ لنا البعد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم أصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا). وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا رجع إلى أهله قال: (آيبون تائبون إن شاء اللّه، عابدون لربنا حامدون). ""أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والإمام أحمد"".

تفسير الجلالين

{ الذي جعل لكم الأرض مهادا } فراشاً كالمهد للصبي { وجعل لكم فيها سبلا } طرقاً { لعلكم تهتدون } إلى مقاصدكم في أسفاركم .

تفسير الطبري

يَقُول : الَّذِي مَهَّدَ لَكُمُ الْأَرْض , فَجَعَلَهَا لَكُمْ وِطَاء تُوَطِّئُونَهَا بِأَقْدَامِكُمْ , وَتَمْشُونَ عَلَيْهَا بِأَرْجُلِكُمْ .يَقُول : الَّذِي مَهَّدَ لَكُمُ الْأَرْض , فَجَعَلَهَا لَكُمْ وِطَاء تُوَطِّئُونَهَا بِأَقْدَامِكُمْ , وَتَمْشُونَ عَلَيْهَا بِأَرْجُلِكُمْ .' يَقُول : وَسَهَّلَ لَكُمْ فِيهَا طُرُقًا تَتَطَرَّقُونَهَا مِنْ بَلْدَة إِلَى بَلْدَة , لِمَعَايِشِكُمْ وَمَتَاجِركُمْ . كَمَا : 23787 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } أَيْ طُرُقًا . 23788 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْض مَهْدًا } قَالَ : بِسَاطًا { وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } قَالَ : الطُّرُق . يَقُول : وَسَهَّلَ لَكُمْ فِيهَا طُرُقًا تَتَطَرَّقُونَهَا مِنْ بَلْدَة إِلَى بَلْدَة , لِمَعَايِشِكُمْ وَمَتَاجِركُمْ . كَمَا : 23787 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } أَيْ طُرُقًا . 23788 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْض مَهْدًا } قَالَ : بِسَاطًا { وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } قَالَ : الطُّرُق . ' يَقُول : لِكَيْ تَهْتَدُوا بِتِلْكَ السُّبُل إِلَى حَيْثُ أَرَدْتُمْ مِنَ الْبُلْدَان وَالْقُرَى وَالْأَمْصَار , لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُطِيقُوا بَرَاح أَفْنِيَتكُمْ وَدُوركُمْ , وَلَكِنَّهَا نِعْمَة أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ .يَقُول : لِكَيْ تَهْتَدُوا بِتِلْكَ السُّبُل إِلَى حَيْثُ أَرَدْتُمْ مِنَ الْبُلْدَان وَالْقُرَى وَالْأَمْصَار , لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُطِيقُوا بَرَاح أَفْنِيَتكُمْ وَدُوركُمْ , وَلَكِنَّهَا نِعْمَة أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا} وصف نفسه سبحانه بكمال القدرة. وهذا ابتداء إخبار منه عن نفسه، ولو كان هذا إخبارا عن قول الكفار لقال الذي جعل لنا الأرض { مهادا} فراشا وبساطا. وقد تقدم. وقرأ الكوفيون { مهدا} { وجعل لكم فيها سبلا} أي معايش. وقيل طرقا، لتسلكوا منها إلى حيث أردتم. قوله تعالى: { لعلكم تهتدون} فتستدلون بمقدوراته على قدرته. وقيل: { لعلكم تهتدون} في أسفاركم؛ قال ابن عيسى. وقيل : لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل : تهتدون إلى معايشكم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 4 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لهم أنهم يُكذِّبون رسول الله، ويُصادمون دعوته استكباراً وعناداً، ولا يعتمدون في ذلك على منطق العقل والحكمة، ويأخذ هذه الحقيقة ويُثبتها من لسانهم هم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } [الزخرف: 9].

وفي موضع آخر:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. }
[الزخرف: 87] فهذه حقيقة لا ينكرونها ويعترفون بها، لأن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعِها أحدٌ لنفسه ولم يقُمْ لها منازع.

أولاً عجيبٌ أنْ يؤمنوا بأن الله هو الخالق، وأنه عزيز وعليم، ومع ذلك يقفون من رسول الله هذا الموقف المعاند، ثم لماذا لم يقولوا مثلاً خلقهنَّ الله لأنه ليس له منازع، ووصفوا الحق سبحانه بالعزيز العليم؟ قالوا: لأنهم اتبعوا مناهج آبائهم وظنوا أنها الأحسن، فقالوا:
{  بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ.. }
[البقرة: 170] فصدَّهم هذا عن اتباع الحق.

ومعنى { ٱلْعَزِيزُ } [الزخرف] أي: الغالب الذي لا يُغلب، فهم إذن ردُّوا على أنفسهم، فهم مهما عملوا فلابدَّ أنْ يُغلبوا.

وقولهم في وَصْف الحق سبحانه: { ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } [الزخرف: 9] من باب أن المتكلم يمكن أنْ يزيد من عنده ما لم يُلْقَ إليه، كما لو أنك أرسلتَ شخصاً برسالة وقلتَ له: اذهب إلى فلان. هكذا بدون ألقاب وبدون أوصاف - وقُلْ له كذا وكذا.

فحين يذهب الرسول يقول: والله فلان قال لي اذهب إلى الشيخ فلان، أو الأستاذ فلان، وقُلْ له كذا وكذا فيزيد الوصف من عند نفسه، كذلك هؤلاء يقولون { خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } [الزخرف: 9] لأنهم يعلمون أن الله تعالى عزيز وعليم.

ثم أراد سبحانه أنْ يُبيِّن لهم قدرته وعلمه، فقال: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } [الزخرف: 10] والمهد في الأصل هو الفراش الممهَّد الذي يستريح فيه الطفل جُلُوساً أو نوماً، ومنه نقول طريق مُمهَّد يعني: مُعد ومُسوَّى بحيث يريح مَنْ يمشي عليه.

فالحق يُشبِّهنا بالأطفال، والطفل لا يستطيع أنْ يُمهِّد لنفسه، فلولا أن الله مهَّد لنا الأرض ما قدرنا نحن على تمهيدها.

{ وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً.. } [الزخرف: 10] يعني: طرقاً تسلكونها وتنتقلون عليها من مكان لآخر، لأن مصالح الخَلْق تقتضي الانتقال من مكان إقامتهم إلى أماكن مصالحهم { لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الزخرف: ] أي: في سيركم إلى مصالحكم وأغراضكم.

الحق سبحانه حين يمتنُّ عليهم ببعض نِعَمه عليهم إنما ليُرقِّق قلوبهم ويستميلهم إلى ساحته، لعلهم يهتدون إليه ويؤمنون به ويُصدِّقون برسوله.


www.alro7.net