سورة
اية:

وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا { أئذا ضللنا في الأرض} أي تمزقت أجسامنا، وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت، { أئنا لفي خلق جديد} أي أئنا لنعود بعد تلك الحال؟ يستبعدون ذلك، ولهذا قال تعالى: { بل هم بلقاء ربهم كافرون} ، ثم قال تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} ، الظاهر أن ملك الموت شخص معين، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور (قاله قتادة وغير واحد من علماء السلف) ، وله أعوان؛ وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت، قال مجاهد: حويت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها متى يشاء، وقال كعب الأحبار: واللّه ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وقوله تعالى: { ثم إلى ربكم ترجعون} أي يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.

تفسير الجلالين

{ وقالوا } أي منكرو البعث { أإذا ضللنا في الأرض } غبنا فيها، بأن صرنا ترابا مختلطا بترابها { أإنا لفي خلق جديد } استفهام إنكار بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين، قال تعالى: { بل هم بلقاء ربهم } بالبعث { كافرون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض أَإِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ : { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } أَيْ صَارَتْ لُحُومنَا وَعِظَامنَا تُرَابًا فِي الْأَرْض وَفِيهَا لُغَتَانِ : ضَلَلْنَا , وَضَلِلْنَا , بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْرهَا وَالْقِرَاءَة عَلَى فَتْحهَا , وَهِيَ الْجَوْدَاءُ , وَبِهَا نَقْرَأ , وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " أَئِذَا صَلَلْنَا " بِالصَّادِ , بِمَعْنَى : أَنْتَنَّا , مِنْ قَوْلنَا : صَلَّ اللَّحْم وَأَصَلَّ : إِذَا أَنْتَنَ , وَإِنَّمَا عَنَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ : { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } أَيْ إِذَا هَلَكَتْ أَجْسَادنَا فِي الْأَرْض ; لِأَنَّ كُلّ شَيْء غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْره حَتَّى خَفِيَ فِيمَا غَلَبَ , فَإِنَّهُ قَدْ ضَلَّ فِيهِ , تَقُول الْعَرَب : قَدْ ضَلَّ الْمَاء فِي اللَّبَن : إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّن فِيهِ وَمِنْهُ قَوْل الْأَخْطَل لِجَرِيرٍ : كُنْت الْقَذَى فِي مَوْج أَكْدَرَ مُزْبِد قَذَفَ الْأَتِيّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21496 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } يَقُول : أَئِذَا هَلَكْنَا . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } هَلَكْنَا . 21497 - حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد : قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } يَقُول : أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَنُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا ؟ يَكْفُرُونَ بِالْبَعْثِ. 21498 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , { وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد } قَالَ : قَالُوا : أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ؟ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض أَإِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ : { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } أَيْ صَارَتْ لُحُومنَا وَعِظَامنَا تُرَابًا فِي الْأَرْض وَفِيهَا لُغَتَانِ : ضَلَلْنَا , وَضَلِلْنَا , بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْرهَا وَالْقِرَاءَة عَلَى فَتْحهَا , وَهِيَ الْجَوْدَاءُ , وَبِهَا نَقْرَأ , وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " أَئِذَا صَلَلْنَا " بِالصَّادِ , بِمَعْنَى : أَنْتَنَّا , مِنْ قَوْلنَا : صَلَّ اللَّحْم وَأَصَلَّ : إِذَا أَنْتَنَ , وَإِنَّمَا عَنَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ : { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } أَيْ إِذَا هَلَكَتْ أَجْسَادنَا فِي الْأَرْض ; لِأَنَّ كُلّ شَيْء غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْره حَتَّى خَفِيَ فِيمَا غَلَبَ , فَإِنَّهُ قَدْ ضَلَّ فِيهِ , تَقُول الْعَرَب : قَدْ ضَلَّ الْمَاء فِي اللَّبَن : إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّن فِيهِ وَمِنْهُ قَوْل الْأَخْطَل لِجَرِيرٍ : كُنْت الْقَذَى فِي مَوْج أَكْدَرَ مُزْبِد قَذَفَ الْأَتِيّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21496 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } يَقُول : أَئِذَا هَلَكْنَا . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } هَلَكْنَا . 21497 - حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد : قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض } يَقُول : أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَنُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا ؟ يَكْفُرُونَ بِالْبَعْثِ. 21498 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , { وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْض أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد } قَالَ : قَالُوا : أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ؟ . ' وَقَوْله : { بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبّهمْ كَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ جُحُود قُدْرَة اللَّه عَلَى مَا يَشَاء , بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبّهمْ كَافِرُونَ , حَذَرًا لِعِقَابِهِ , وَخَوْف مُجَازَاته إِيَّاهُمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ , فَهُمْ مِنْ أَجْل ذَلِكَ يَجْحَدُونَ لِقَاء رَبّهمْ فِي الْمُعَاد .وَقَوْله : { بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبّهمْ كَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ جُحُود قُدْرَة اللَّه عَلَى مَا يَشَاء , بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبّهمْ كَافِرُونَ , حَذَرًا لِعِقَابِهِ , وَخَوْف مُجَازَاته إِيَّاهُمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ , فَهُمْ مِنْ أَجْل ذَلِكَ يَجْحَدُونَ لِقَاء رَبّهمْ فِي الْمُعَاد .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقالوا أئذا ضللنا في الأرض} هذا قول منكري البعث؛ أي هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا. وأصله من قول العرب : ضل الماء في اللبن إذا ذهب. والعرب تقول للشيء غلب عليه حتى فيه أثره : قد ضّل. قال الأخطل : كنت القذى في موج أكدر مزبد ** قذف الأتيّ به فضلَّ ضلالا وقال قطرب : معنى ضللنا غبنا في الأرض. وأنشد قول النابغة الذبياني : فآب مضلوه بعين جلية ** وغودر بالجولان حزم ونائل وقرأ ابن محيصن ويحيى بن يعمر { ضلِلنا} بكسر اللام، وهي لغة. قال الجوهري : وقد ضللت أضل قال الله تعالى: { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} سبأ : 50]. فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون "ضلِلت" - بكسر اللام - أضل. وهو ضال تال، وهي الضلالة والتلالة. وأضّله أي أضاعه وأهلكه. يقال : أضل الميّت إذا دفن. قال : فآب مضلوه...... البيت ابن السكيت. أضللت بعيري إذا ذهب منك. وضللت المسجد والدار : إذا لم تعرف موضعهما. وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له. وفي الحديث (لعلي أضل الله) يريد أضل عنه، أي أخفى عليه، من قوله تعالى: { أإذا ضللنا في الأرض} أي خفينا. وأضله الله فضل؛ تقول : إنك تهدي الضال ولا تهدي المتضال. وقرأ الأعمش والحسن "صللنا" بالصاد؛ أي أنتنا. وهي قراءة علّي بن أبي طالب رضي الله عنه. النحاس : ولا يعرف في اللغة صللنا ولكن يقال : صل اللحم وأصل، وخّم وأخّم إذا أنتن. الجوهري : صّل اللحم يصل - بالكسر - صلولا، أي أنتن، مطبوخا كان أو نيئا. قال الحطيئة : ذاك فتى يبذل ذا قدره ** لا يفسد اللحم لديه الصلول وأصل مثله. { إنا لفي خلق جديد} أي نخلق بعد ذلك خلقا جديدا؟ ويقرأ: "أئنا". النحاس : وفي هذا سؤال صعب من العربية؛ يقال : ما العامل في "إذا"؟ و"إن" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. والسؤال في الاستفهام أشّد؛ لأن ما بعد الاستفهام أجدر؛ ألا يعمل فيما قبله من "إن" كيف وقد اجتمعا. فالجواب على قراءة من قرأ: "إنا" أن العامل "ضللنا"، وعلى قراءة من قرأ "أإنا" أن العامل مضمر، والتقدير أنبعث إذا متنا. وفيه أيضا سؤال آخر، يقال : أين جواب "إذا" على القراءة الأولى لأن فيها معنى الشرط؟ فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا؛ فلذلك جاز هذا. { بل هم بلقاء ربهم كافرون} أي ليس لهم جحود قدرة الله تعالى عن الإعادة؛ لأنهم يعترفون بقدرته ولكنهم اعتقدوا أن لا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة السجدة الايات 9 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ.. } [السجدة: 10] أي: غِبْنا فيها، واندثرتْ ذراتنا، بحيث لا نعرف أين ذهبت، وإلى أيِّ شَيء انتقلت، إلى حيوان أم إلى نبات؟ إذا حدث هذا { أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.. } [السجدة: 10] يعني: أيخلقنا الله من جديد مرة أخرى؟

والحق سبحانه يرد عليهم: { بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ } [السجدة: 10] بل تفيد الإضراب عن كلامهم السابق، وتقرير حقيقة أخرى، هي أنهم لا ينكرون البعث والحشر، إنما ينكرون لقاء الله { بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ } [السجدة: 10] لأن مسألة الحشر مستحيل أنْ ينكروها؛ لأن الدليل عليها واضح.

كما قال سبحانه:
{  أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }
[ق: 15] والذي خلق من العدم أولاً قادر على الإعادة من موجود، لأن ذراتك وخاماتك موجودة، فالإعادة أسهل من البَدْء؛ لذلك قال سبحانه:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ... }
[الروم: 27]

إذن: تكذيبهم ليس للبعث في حَدِّ ذاته، إنما للقاء الله وللحساب، لكنهم ينكرون البعث؛ لأنه يؤدي إلى لقاء الله، وهم يكرهون لقاء الله، فينكرون المسألة من بدايتها.


www.alro7.net