سورة
اية:

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى حال الضلاَّل الجهَّال المقلدين في قوله: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد} ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلالة من رؤوس الكفر والبدع، فقال: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} أي بلا عقل صحيح، ولا نقل صريح، بل بمجرد الرأي والهوى، وقوله: { ثاني عطفه} قال ابن عباس: مستكبراً عن الحق إذا دعي إليه، وقال مجاهد وقتادة: لاوي عطفه وهي رقبته يعني يعرض عما يدعي إليه من الحق، ويثني رقبته استكباراً، كقوله تعالى: { وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه} الآية، وقال تعالى: { رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ، وقال تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} ، وقال تعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا} الآية، وقوله: { ليضل عن سبيل اللّه} قال بعضهم: هذه لام العاقبة لأنه قد لا يقصد ذلك، ثم قال تعالى: { له في الدنيا خزي} وهو الإهانة والذل كما أنه لما استكبر عن آيات اللّه لقّاه اللّه المذلة في الدنيا وعاقبه فيها قبل الآخرة، لأنها أكبر همه ومبلغ علمه { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق. ذلك بما قدمت يداك} أي يقال له هذا تقريعاً وتوبيخاً { وأن اللّه ليس بظلام للعبيد} كقوله تعالى: { ذق إنك العزيز الكريم * إن هذا ما كنتم به تمترون} . عن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة ""أخرجه ابن أبي حاتم"".

تفسير الجلالين

{ ذلك بما قدمت يداك } أي قدمته عبر عنه بهما دون غيرهما لأن أكثر الأفعال تزاول بهما { وأن الله ليس بظلام } أي بذي ظلم { للعبيد } فيعذبهم بغير ذنب .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيُقَال لَهُ إِذَا أُذِيقَ عَذَاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة : هَذَا الْعَذَاب الَّذِي نُذِيقكَهُ الْيَوْم بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك فِي الدُّنْيَا مِنَ الذُّنُوب وَالْآثَام وَاكْتَسَبْته فِيهَا مِنَ الْإِجْرَام.وَقَوْله : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيُقَال لَهُ إِذَا أُذِيقَ عَذَاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة : هَذَا الْعَذَاب الَّذِي نُذِيقكَهُ الْيَوْم بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك فِي الدُّنْيَا مِنَ الذُّنُوب وَالْآثَام وَاكْتَسَبْته فِيهَا مِنَ الْإِجْرَام.' { وَأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } يَقُول : وَفَعَلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فَيُعَاقِب بَعْض عَبِيده عَلَى جُرْم وَهُوَ يَغْفِر مِثْله مِنْ آخَر غَيْره , أَوْ يَحْمِل ذَنْب مُذْنِب عَلَى غَيْر مُذْنِب فَيُعَاقِبهُ بِهِ وَيَعْفُو عَنْ صَاحِب الذَّنْب ; وَلَكِنَّهُ لَا يُعَاقِب أَحَدًا إِلَّا عَلَى جُرْمه وَلَا يُعَذِّب أَحَدًا عَلَى ذَنْب يَغْفِر مِثْله لِآخَر إِلَّا بِسَبَبٍ اسْتَحَقَّ بِهِ مِنْهُ مَغْفِرَته . { وَأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } يَقُول : وَفَعَلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فَيُعَاقِب بَعْض عَبِيده عَلَى جُرْم وَهُوَ يَغْفِر مِثْله مِنْ آخَر غَيْره , أَوْ يَحْمِل ذَنْب مُذْنِب عَلَى غَيْر مُذْنِب فَيُعَاقِبهُ بِهِ وَيَعْفُو عَنْ صَاحِب الذَّنْب ; وَلَكِنَّهُ لَا يُعَاقِب أَحَدًا إِلَّا عَلَى جُرْمه وَلَا يُعَذِّب أَحَدًا عَلَى ذَنْب يَغْفِر مِثْله لِآخَر إِلَّا بِسَبَبٍ اسْتَحَقَّ بِهِ مِنْهُ مَغْفِرَته .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} أي نير بين الحجة. نزلت في النضر بن الحارث. وقيل : في أبي جهل بن هشام؛ قال ابن عباس. (والمعظم على أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى، فهما في فريق واحد، والتكرير للمبالغة في الذم؛ كما تقول للرجل تذمه وتوبخه : أنت فعلت هذا! أنت فعلت هذا! ويجوز أن يكون التكرير لأنه وصفه في كل آية بزيادة؛ فكأنه قال : إن النضر بن الحارث يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، والنضر بن الحارث يجادل في الله من غير علم ومن غير هدى وكتاب منير؛ ليضل عن سبيل الله). وهو كقولك : زيد يشتمني وزيد يضربني؛ وهو تكرار مفيد؛ قال القشيري. وقد قيل : نزلت فيه بضع عشرة آية. فالمراد بالآية الأولى إنكاره البعث، وبالثانية إنكاره النبوة، وأن القرآن منزل من جهة الله. وقد قيل : كان من قول النضر بن الحارث أن الملائكة بنات الله، وهذا جدال في الله تعالى { من} في موضع رفع بالابتداء. والخبر في قوله { ومن الناس} . { ثاني عطفه} نصب على الحال. ويتأول على معنيين : أحدهما : روي عن ابن عباس أنه قال : (هو النضر بن الحارث، لوى عنقه مرحا وتعظما). والمعنى الآخر : وهو قول الفراء : أن التقدير : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ثاني عطفه، أي معرضا عن الذكر؛ ذكره النحاس. وقال مجاهد وقتادة : لاويا عنقه كفرا. ابن عباس : معرضا عما يدعى إليه كفرا. والمعنى واحد. وروى الأوزاعي عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن ابن عباس في قوله عز وجل : ( { ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله} قال : هو صاحب البدعة. المبرد) : العطف ما انثنى من العنق. وقال المفضل : والعطف الجانب؛ ومنه قولهم : فلان ينظر في أعطافه، أي في جوانبه. وعطفا الرجل من لدن رأسه إلى وركه. وكذلك عطفا كل شيء جانباه. ويقال : ثنى فلان عني عطفه إذا أعرض عنك. فالمعنى : أي هو معرض عن الحق في جداله ومول عن النظر في كلامه؛ وهو كقوله تعالى { ولى مستكبرا كأن لم يسمعها} [لقمان : 7]. وقوله تعالى { لووا رؤوسهم} [المنافقون : 5]. وقوله { أعرض ونأى بجانبه} [الإسراء : 83]. وقوله { ذهب إلى أهله يتمطى} [القيامة : 33]. { ليضل عن سبيل الله} أي عن طاعة الله تعالى. وقرئ { ليضل} بفتح الياء. واللام لام العاقبة؛ أي يجادل فيضل؛ كقوله تعالى { ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص : 8]. أي فكان لهم كذلك. ونظيره { إذا فريق منكم بربهم يشركون. ليكفروا} [النحل : 54 - 55]. { له في الدنيا خزي} أي هوان وذل بما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة؛ كما قال { ولا تطع كل حلاف مهين} [القلم : 10] الآية. وقوله تعالى { تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد : 1]. وقيل : الخزي ههنا القتل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتل النضر بن الحارث يوم بدر صبرا؛ كما تقدم في آخر الأنفال. { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} أي نار جهنم. { ذلك بما قدمت يداك} أي يقال له في الآخرة إذا دخل النار : ذلك العذاب بما قدمت يداك من المعاصي والكفر. وعبر باليد عن الجملة؛ لأن اليد التي تفعل وتبطش للجملة. و { ذلك} بمعنى هذا، كما تقدم في أول البقرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 5 - 10


سورة الحج الايات 10 - 13

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ ذٰلِكَ.. } [الحج: 10] يعني خِزْي الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة بما قدَّمتْ، وبما اقترفت يداك، لا ظُلْماً منّا ولا اعتداء، فأنت الذي ظلمتَ نفسك، كما قال سبحانه:
{  وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[النحل: 118]

وهل أخذناهم دون إنذار، ودون أن نُجرِّم هذا الفعل؟ لأنك لا تعاقب شخصاً على ذنب إلا إذا كنتَ قد نبَّهته إليه، وعرَّفته بعقوبته، فإنْ عاقبته دون علمه بأن هذا ذنب وهذه جريمة فقد ظلمتَه؛ لذلك فأهل القانون يقولون: لا عقوبةَ إلا بتجريم، ولا تجريمَ إلا بنصٍّ.

وقد جاءكم النص الذي يُبيِّن لكم ويُجرِّم هذا الفعل، وقد أبلغتُكم الرسل، وسبق إليكم الإنذار، كما في قوله تعالى:
{  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }
[الإسراء: 15].

{ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ.. } [الحج: 10] فهل الذنوب كلها تقديمُ اليد فقط؟

الذنوب: إما أقوال، وإما أفعال، وإما عمل من أعمال القلب، كالحقد مثلاً أو النفاق.. إلخ لكن في الغالب ما تُزَاول الذنوب بالأيدي.

ثم يقول تعالى: { وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ } [الحج: 10] ظلاَّم: صيغة مبالغة من الظلم، تقول: ظالم. فإنْ أردتَ المبالغة تقول: ظلاَّم، كما تقول: فلان آكل وفلان أكُول، فالفعل واحد، لكن ما ينشأ عنه مختلف، والمبالغة في الفعل قد تكون في الفعل نفسه أو في تكراره، فمثلاً قد تأكل في الوجبة الواحدة رغيفاً واحداً، وقد تأكل خمسة أرغفة هذه مبالغة في الوجبة الواحدة، فأنت تأكل ثلاث وجبات، لكن تبالغ في الوجبة الواحدة، وقد تكون المبالغة في عدد الوجبات فتأكل في الوجبة رغيفاً واحداً، لكن تأكل خمس وجبات بدلاً من ثلاث. فهذه مبالغة بتكرار الحدث.

وصيغة المبالغة لها معنى في الإثبات ولها معنى في النفي: إذا قُلْتَ: فلان أكول وأثبتَّ له المبالغة فقد أثبتَّ له أصل الفعل من باب أَوْلَى فهو آكل، وإذا نفيتَ المبالغة فنَفْي المبالغة لا ينفي الأصل، تقول: فلان ليس أكولاً، فهذا لا ينفي أنه آكل. فإذا طبَّقنا هذه القاعدة على قوله تعالى: { وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ } [الحج: 10] فهذا يعني أنه سبحانه وتعالى (ظالم) حاشا لله، وهنا نقول: هناك آيات أخرى تنفي الفعل، كما في قوله تعالى:
{  وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }
[الكهف: 49] وقوله تعالى:
{  وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ }
[الزخرف: 76].

كما أن صيغة المبالغة هنا جاءت مضافة للعبيد، فعلى فرض المبالغة تكون مبالغة في تكرار الحدث { بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ } [الحج: 10] ظلم هذا، وظلم هذا، فالمظلوم عبيد، وليس عبداً واحداً.

والظلم في حقيقته أن يأخذ القويُّ حَقَّ الضعيف، ويكون الظلم على قَدْر قوة الظالم وقدرته، وعلى هذا إنْ جاء الظلم من الله تعالى وعلى قَدْر قوته وقدرته فلا شكَّ أنه سيكون ظُلْماً شديداً لا يتحمله أحد، فلا نقول - إذن - ظالم بل ظلام، وهكذا يتمشى المعنى مع صيغة المبالغة.

فالحق سبحانه ليس بظلام للعبيد؛ لأنه بيَّن الحلال والحرام، وبيَّن الجريمة ووضع لها العقوبة، وقد بلَّغَتْ الرسل من بداية الأمر فلا حُجَّةَ لأحد.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ.. }

.


www.alro7.net