سورة
اية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم

تفسير بن كثير

يرشد تعالى خلقه إلى التفكير في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع، من الملائكة والجن والإنس والدواب، والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه، وهذا بضيائه، وما أنزل اللّه تبارك وتعالى من السحاب، من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقاً لأن به يحصل الرزق { فأحيا به الأرض بعد موتها} أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، وقوله عزَّ وجلَّ: { وتصريف الرياح} أي جنوباً وشمالاً برية وبحرية، ليلة ونهارية، ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم لا ينتج، وقال سبحانه أولاً { لآيات للمؤمنين} ثم { يوقنون} ثم { يعقلون} وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى، وهذه الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل اللّه من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} .

تفسير الجلالين

{ حم } الله أعلم بمراده به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله { حم } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ حُرُوف مُقَطَّعَة مِنْ اسْم اللَّه الَّذِي هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم , وَهُوَ الْحَاء وَالْمِيم مِنْهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23327 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبُّويَة الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : الر , وحم , ون , حُرُوف الرَّحْمَن مُقَطَّعَة. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23328 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { حم } : قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه. 23329 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَوْله { حم } : مِنْ حُرُوف أَسْمَاء اللَّه. وَقَالَ آخَرُونَ : يَلِ هُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23330 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حم } قَالَ : اسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوف هِجَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ اسْم , وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ شُرَيْح بْن أَوْفَى الْعَبْسِيّ : يُذَكِّرنِي حَامِيم وَالرُّمْح شَاجِر فَهَلَّا تَلَا حم قَبْل التَّقَدُّم وَبِقَوْلِ الْكُمَيْت : وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آل حَامِيم آيَة تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ 23331 - وَحُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : قَالَ يُونُس , يَعْنِي الْجَرْمِيّ : وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل فَهُوَ مُنْكَر عَلَيْهِ ; لِأَنَّ السُّورَة { حم } سَاكِنَة الْحُرُوف , فَخَرَجَتْ مَخْرَج التَّهَجِّي , وَهَذِهِ أَسْمَاء سُوَر خَرَجَتْ مُتَحَرِّكَات , وَإِذَا سُمِّيَتْ سُورَة بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُف الْمَجْزُومَة دَخَلَهُ الْإِعْرَاب . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظِير الْقَوْل فِي أَخَوَاتهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ , فِي قَوْله : { الم } فَفِي ذَلِكَ كِفَايَة عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , إِذْ كَانَ الْقَوْل فِي حم , وَجَمِيع مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن عَلَى هَذَا الْوَجْه , أَعْنِي حُرُوف التَّهَجِّي قَوْلًا وَاحِدًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله { حم } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ حُرُوف مُقَطَّعَة مِنْ اسْم اللَّه الَّذِي هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم , وَهُوَ الْحَاء وَالْمِيم مِنْهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23327 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبُّويَة الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : الر , وحم , ون , حُرُوف الرَّحْمَن مُقَطَّعَة. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23328 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { حم } : قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه. 23329 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَوْله { حم } : مِنْ حُرُوف أَسْمَاء اللَّه. وَقَالَ آخَرُونَ : يَلِ هُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23330 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حم } قَالَ : اسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوف هِجَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ اسْم , وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ شُرَيْح بْن أَوْفَى الْعَبْسِيّ : يُذَكِّرنِي حَامِيم وَالرُّمْح شَاجِر فَهَلَّا تَلَا حم قَبْل التَّقَدُّم وَبِقَوْلِ الْكُمَيْت : وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آل حَامِيم آيَة تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ 23331 - وَحُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : قَالَ يُونُس , يَعْنِي الْجَرْمِيّ : وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل فَهُوَ مُنْكَر عَلَيْهِ ; لِأَنَّ السُّورَة { حم } سَاكِنَة الْحُرُوف , فَخَرَجَتْ مَخْرَج التَّهَجِّي , وَهَذِهِ أَسْمَاء سُوَر خَرَجَتْ مُتَحَرِّكَات , وَإِذَا سُمِّيَتْ سُورَة بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُف الْمَجْزُومَة دَخَلَهُ الْإِعْرَاب . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظِير الْقَوْل فِي أَخَوَاتهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ , فِي قَوْله : { الم } فَفِي ذَلِكَ كِفَايَة عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , إِذْ كَانَ الْقَوْل فِي حم , وَجَمِيع مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن عَلَى هَذَا الْوَجْه , أَعْنِي حُرُوف التَّهَجِّي قَوْلًا وَاحِدًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { حم} مبتدأ و { تنزيل} خبره. وقال بعضهم { حم} اسم السورة. و { تنزيل الكتاب} مبتدأ. وخبره { من الله} . والكتاب القرآن. { العزيز} المنيع. { الحكيم} في فعله. وقد تقدم جميع هذا.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه السورة أيضاً من الحواميم، وهي السور التي افتُتحت بقوله تعالى (حم)، وسبق الكلام فيها، لكن ما دام أن الحق كرَّرها فلا بدَّ لنا أنْ نتعرَّض لها بما يفتح الله به ولا يُعد هذا تكراراً.

فإذا نظرنا إلى الحياة التي نراها وجدنا فيها مُلكاً مشاهداً، وملكوتاً غير مشاهد، وكل ما غاب عن حواسِّك فهو غَيْبٌ لا يعلمه إلا الله، خُذْ مثلاً العقائد والعبادات تجد أنها تقوم على هذين الجانبين الغيب والمشهد.

فأنت تستطيع بالعقل أنْ تبرهن على وحدانية الله، وعلى وجوده سبحانه، وأنه خالق هذا الكون كله، فالإنسان طرأ على هذا الكون كما هو الآن، الشمس والقمر والنجوم، السماء والأرض، الماء والهواء.

لذلك لم يدَّع أحدٌ أنه خلقه، قال سبحانه
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. }
[لقمان: 25] وقال:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. }
[الزخرف: 87].

هذا مشهد، وفي العقائد أمور أخرى غَيْبٌ نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، كأمور الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، خُذْ مثلاً من العبادات الصلاة نستطيع أنْ نفهم لها عللاً عقلية، فنقول: إن الله فرضها علينا خمْس مرات في اليوم والليلة ليتردد العبدُ على خالقه، وليستمدَّ منه القوة والعوْن، وليأنس بلقائه، وليأخذ من فيض عطائه وإشراقاته.

والصلاة كذلك تُسوِّي بين العباد الغني والفقير، الرئيس والمرؤوس الكل ساجد لله، هذا استطراقٌ عبوديّ في الكون، هذا كله مشهد، لكن بالله قُلْ لي: لماذا كان الصبحُ ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ هذه غَيْبٌ نؤمن به كما هو، وكما أخبرنا به رسول الله المؤتمن على شرع الله.

كذلك في القرآن الكريم غيب ومشهد، غيب في هذه الحروف المقطَّعة التي استأثر اللهُ بعلم معناها، وباقي القرآن بعد ذلك مشهدٌ لأنه بيِّن واضح المعنى ظاهرُ القصد، لأن الحق سبحانه يريد أنْ يتعبَّدنا بالغيب كما تعبدَّنا بالمشهد.

والغيب هو محلُّ الإيمان. أما المشهد فليس مجالاً للإيمان أو الكفر، فلا تقول مثلاً: أومن بأن الشمس طالعةٌ، لكن أقول: أومن باليوم الآخر.

فقوله تعالى هنا: (حَم) يعني: حروف مُقطَّعة في بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنْزله سبحانه { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ.. } [الجاثية: 2] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها (حم) غَيْب
{  وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ }
[الدخان: 2] مشهد.
{  إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ.. }
[الدخان: 3] يعني: الاثنان الغيب والمشهد مُنزّل من عند الله، فهما سواء في التعبد لله تعالى، فكما تعبَّدك بالواضح المفهوم تعبَّدك بالغيب الذي لا تفهمه، وكُل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أنْ نستشفّ بعض أسرارها.

لذلك نقول: إن القرآن كله مبنيٌّ على الوَصْل في الآيات وفي السور، حتى أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: { مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وهكذا.لذلك نُسمِّي قارئ القرآن (الحالّ المرتحل) يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن حتى يبدأ من أوله.

أما الحروف المقطّعة في أوائل السور فمبنيةٌ على الوقْف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في
{  أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }
[الشرح: 1].

إذن: لكل نطق علَّة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسِنٍّ واحد، ومفتاح يفتح لك بسنِّيْن، ومفتاح يفتح لك بثلاثة.

وقوله: { مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } [الجاثية: 2] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم مَنْ يكذِّبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرَّنك تكذيبهم، فالله مُنزل هذا الكتاب عزيز لا يُغلب، وهذه العزة ليستْ بقهر، إنما عزة بحكمة { ٱلْحَكِيمِ } [الجاثية: 2] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.


www.alro7.net